قصص

تمديد حالة الطوارئ في تونس.. بين الجدل القانوني والمطالب السياسية 

سوا بودكاست - واشنطن
2024-01-30

في عام 2011 فرضه الرئيس الأسبق بن علي، لمواجهة "ثورة الياسمين" التي تحولت إلى شرارة الربيع العربي.. 

ثم أعيد تطبيقه من جديد إثر موجة عمليات إرهابية دامية عام 2015، واستمر العمل به منذ ذلك الحين.. 

ورغم معارضته لتطبيقه سابقاً، مدد الرئيس قيس سعيد العمل به مرة أخرى حتى آخر يناير 2024.. 

فلماذا يستمر العمل بقانون الطوارئ في تونس؟ وما هي انعكاسات ذلك على الحريات والتجربة الديمقراطية في البلاد؟ 

 

إثر إعلان السلطات في تونس قرار تمديد العمل بقانون حالة الطوارئ، حتى نهاية يناير الحالي، عاد الجدل حول الجدوى من تفعيل ذلك القانون، ومدى مطابقته للدستور. إذ يرى قادة أحزاب المعارضة ونشطاء المجتمع المدني، أن الهدف من ذلك التمديد هو التضييق على الحريات السياسية، والاحتجاجات الاجتماعية. أما أنصار الرئيس، فيقولون إن ضرورات مالية وأمنية عاجلة، كانت وراء تمديد العمل بذلك القانون، خصوصاً عقب الاشتباكات المسلحة التي خاضتها وحدات من الجيش والحرس الوطني، نهاية ديسمبر الماضي، في جبال محافظة القصرين، القريبة من الحدود الجزائرية، والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة أفراد ينتمون إلى مجموعات إرهابية. 

 

يناير.. شهر الاحتجاجات والثورات في تونس 

يحتفظ شهر يناير بمكانة مميزة في تاريخ تونس المعاصر. إذ شهد احتجاجات نقابية وثورات شعبية، أدت إلى تغييرات سياسية جذرية. وفيه تم إعلان حالة الطوارئ لأول مرة في البلاد، عقب أحداث يناير 1978، التي تمثلت في احتجاجات نقابية، لاقت مساندة شعبية واسعة، قمعتها السلطات بعنف، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، فيما عُرف "بالخميس الأسود". ثم شهدت البلاد لاحقاً "انتفاضة الخبز"، في يناير 1984، وهي رد فعل شعبي على الإصلاحات الاقتصادية القاسية، التي حاولت فرضها حكومة محمد مزالي آنذاك، وكانت تتضمن رفع الدعم الحكومي على المواد الأساسية. 

يُعتبر يناير شهر الاحتجاجات الاجتماعية والثورات السياسية في تونس

 وتواصلت سلسلة الاحتجاجات الاجتماعية الدورية خلال شهر يناير، خلال العقود التالية، ولكن أشهرها بلا منازع، هي الانتفاضة الشعبية على حكم الرئيس الأسبق زين العبدين بن علي، التي عُرفت بثورة الياسمين، عام 2011، التي امتدت تداعياتها إلى كامل المنطقة، وتغير نتيجتها النظام السياسي ليس في تونس فقط، بل في عدة دول عربية، لذلك يتم اعتبارها الشرارة التي أطلقت ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي. وبحسب تقارير إعلامية، تخشى الحكومات المتعاقبة في تونس، ومهما كان لونها السياسي، من أي تحركات اجتماعية أو نقابية، أو مطالب سياسية، يتم التعبير عنها خلال تلك الفترة من السنة. 

 

بين دستورية القوانين و"إكراهات السلطة" 

خلال حواره مع بودكاست زوايا، وتعليقاً على استمرار العمل بقانون حالة الطوارئ في البلاد، يقول الوزير السابق، ناجي جلول، والذي كان أيضاً، مديراً لمركز الدراسات الاستراتيجية في تونس، إن تمديد العمل بذلك القانون لا يتناسب مع الواقع التونسي السياسي والأمني. ويُضيف جلول أن البلاد لا تشهد عمليات إرهابية كبرى، أو احتجاجات اجتماعية، أو تهديداً للأمن العام. ويقول إنه ضد تمديد العمل بذلك القانون، لأنه "يتعارض مع العهد الدولي للحريات المدنية السياسية الصادر عام 1966، والذي حدد الشرط الأساسي لفرض حالة الطوارئ، وهو وجود خطر عام واستثنائي، يهدد وجود الأمة". ويرى جلول أن الوضع القانوني لقانون الطوارئ في تونس، يشبه حالة الحصار، وأنه من المفارقة أن الرئيس كان يعارض تطبيقه قبل انتخابه، واعتبره غير دستوري، عندما كانت تونس تشهد موجة من العمليات الإرهابية الدامية. 

تواجه وحدات الجيش والحرس الوطني في تونس المجموعات الإرهابية في المرتفعات الغربية قرب الحدود الجزائرية، وعلى الحدود الصحراوية مع ليبيا.

أما المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، فترى أن استمرار العمل بحالة الطوارئ ينسف منظومة الحريات وحقوق الإنسان، ويعطي السلطة التنفيذية مظلة لتقييد الحريات، ووضع الأشخاص في السجن ومنع الاجتماعات والتظاهر. ويعطي توفيق العياشي مراسل "الحرة" في تونس، الذي تحدث إلى بودكاست زوايا، مثالاً على ذلك، من خلال ما ذكرته المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، وهي تحالف دولي لمنظمات غير حكومية، والتي اعتبرت في تقريرها حول تدابير المراقبة الإدارية التابعة لوزارة الداخلية التونسية، في إطار سياسة مكافحة الإرهاب، أن تلك الإجراءات "اعتباطية ودمرت حياة الأشخاص الخاضعين لها". وتضيف المنظمة أن تلك الإجراءات "غير قانونية وغير دستورية ولا تتوافق مع معايير حقوق الإنسان".  ولذلك لا تُخفي المنظمات الحقوقية المحلية والدولية مخاوفها، من أن يتحول تطبيق قانون حالة الطوارئ والإجراءات المرافقة له، إلى مقدمة لفرض نظام استبدادي. في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن تمديد العمل بقانون الطوارئ، يأتي استجابة لحاجيات فرضتها العمليات الأمنية المستمرة، ضد المجموعات الإرهابية التي تنشط على محاور التهريب، في المناطق الجبلية قرب الحدود الجزائرية، والمسالك الصحراوية التي تؤدي نحو الحدود الليبية.

 

قانون الطوارئ.. بين مكافحة الفساد ومخاوف التضييق على الحريات 

تُعتبر "الحرب على الفساد" من أبرز الأولويات المعلنة لمختلف الحكومات التونسية، التي تعاقبت على السلطة، منذ 2011. لكن استخدام إجراءات قانون الطوارئ لتنفيذها، جعل الكثير من المراقبين يشكون في جدية تلك الشعارات، ويرون أنها قد تُخفي أهدافاً سياسية. وأبرز مثال على ذلك، الحملة التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق، يوسف الشاهد، لاعتقال عدد من رجال الأعمال النافذين، في إطار ما وصفته السلطات آنذاك بالحملة الوطنية لمكافحة الفساد. إذ وصفت منظمة "هيومان رايتس ووتش" تلك الحملة، بأنها اعتمدت على اعتقالات سرية، وإحالة مدنيين إلى محاكم عسكرية، طبقاً لقانون الطوارئ. ونظراً للمنحى الذي تصفه بعض مراكز الدراسات السياسية بأنه "انفرادي"، لسياسات الرئيس سعيد، فقد عبر الكثير من المدافعين عن حقوق الإنسان، عن مخاوف جدية حول التضييق على الحريات في تونس. 

ناجي جلول: "مكافحة الفاسدين بنفس القوانين التي ساعدت على نشأتهم، ستنتج جيلاً جديداً منهم".  

من جهته، يؤكد الوزير السابق ناجي جلول أن مكافحة الفساد عبر تلك الحملات، ستؤدي إلى زيادة انتشاره عوض القضاء عليه. ويرى جلول أن الأسلوب الأمثل لمكافحته، يكمن في تغيير القوانين، وإلغاء الرخص التجارية الاحتكارية. أما محاربة الفاسدين بنفس القوانين التي ساعدت على نشأتهم، فستنتج جيلاً جديداً منهم. كما أن التمديد المستمر لحالة الطوارئ، يعطي صورة خاطئة عن الوضع في تونس، وكأنها "تعيش حرباً أهلية"، ما يعني هروب المستثمرين، والإضرار بصورة البلاد كوجهة سياحية.  

استمع
تمديد حالة الطوارئ في تونس، خلفيات أمنية أم قمعية؟

مع استمرار تمديد العمل بحالة الطوارئ في تونس، يستمر الجدل حوله، ورغم أن المراقبين اعتبروا أن اقتصار التمديد الأخير على مدة شهر واحد، يمكن اعتباره رسالة طمأنة، حول الحقوق والحريات في البلاد، إلا أن الصلاحيات الواسعة والاستثنائية، التي يمنحها ذلك القانون للسلطة التنفيذية، وتغييب دور القضاء، ومواصلة تفعيله رغم الإجماع على ضرورة تنقيحه، تجعل منه تحدياً جديداً للرئيس سعيد. فهل سيتمكن الرئيس التونسي من تمرير تنقيح قانون الطوارئ، بعد أن فشل في ذلك سلفه، الباجي قائد السبسي؟ وهل سينجح مرسوم الصلح الجزائي، الذي مرره البرلمان التونسي في الثامن من يناير الحالي، في استعادة الأموال العمومية المنهوبة، وتسوية الوضعية القانونية للمتهمين بالفساد؟ 

سوا بودكاست - واشنطن

المزيد

قصص

الولايات المتحدة وروسيا تقدمان مرافعتيهما عن احتلال إسرائيل لأراضٍ فلسطينية

2024-02-21

تقدم الولايات المتحدة وروسيا مرافعاتهما، الأربعاء، أمام محكمة العدل الدولية، لبحث "شرعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية".

وستدلي 52 دولة بإفاداتها بهذا الخصوص، خلال الجلسات التي تستمر أسبوعا في قصر السلام في لاهاي، مقرّ المحكمة.

ومن المقرر أن تتحدث مصر وفرنسا أيضا، الأربعاء.

ولن تشارك إسرائيل في جلسات الاستماع، لكنها قدمت نصا بتاريخ 24 يوليو 2023 حضت فيه المحكمة على رفض إصدار رأي بشأن القضية.

وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، طلبت في عام 2022، من محكمة العدل الدولية، إصدار رأي غير ملزم بشأن العواقب القانونية للاحتلال.

وقالت إسرائيل، في التعليقات المكتوبة، إن مشاركة المحكمة قد تضر بالتوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. 

وعارضت واشنطن في عام 2022 إصدار المحكمة رأيا، ومن المتوقع أن تجادل الأربعاء بأنها لا تستطيع الحكم على شرعية الاحتلال.

وطلب الممثلون الفلسطينيون، الاثنين، من القضاة إعلان أن الاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم غير قانوني وقالوا إن رأيهم يمكن أن يساعد في التوصل إلى حل الدولتين.

وقال وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، أمام المحكمة، إن الشعب الفلسطيني يعاني من "الاستعمار والفصل العنصري" في ظل الاحتلال الإسرائيلي، مطالبا إياها بإصدار أمر بإنهائه فوراً ومن دون شروط.

وقال أيضا "يعاني الفلسطينيون من الاستعمار والفصل العنصري.. هناك من يغضب من هذه الكلمات. عليهم أن يغضبوا جراء الواقع الذي نعانيه".

والثلاثاء، انتقدت 10 دول، بينها جنوب أفريقيا، بأغلبية ساحقة، سلوك إسرائيل في الأراضي المحتلة، وحثت العديد منها المحكمة على إعلان أن الاحتلال غير قانوني.

وأدت موجة العنف الأخيرة في غزة، والتي أعقبت هجمات حماس في 7 أكتوبر والتي أدت إلى مقتل نحو 1200 شخص، إلى تعقيد الجهود الرامية إلى إيجاد طريق للسلام.

وقد طُلب من لجنة محكمة العدل الدولية المؤلفة من 15 قاضياً مراجعة "الاحتلال والاستيطان والضم الإسرائيلي.. بما في ذلك التدابير الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية وطابع ووضع مدينة القدس، واعتمادها للتشريعات والتدابير التمييزية ذات الصلة". وفق ما نقلت وكالة رويترز.

ومن المتوقع أن يستغرق القضاة ما يقرب من ستة أشهر لإصدار رأيهم.

وهذه الجلسات منفصلة تماما عن قضية أخرى رفعتها جنوب إفريقيا، تقول فيها إنّ إسرائيل ترتكب أعمال إبادة جماعية خلال الهجوم الحالي على غزة.

وقضت محكمة العدل الدولية في تلك  القضية في 26 يناير بأنّ على إسرائيل أن تفعل كلّ ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة، لكنّها لم تصل إلى حدّ الأمر بوقف إطلاق النار.

وفي حين أنّ رأي المحكمة لن يكون ملزماً، إلّا أنّه يأتي وسط ضغوط قانونية دولية متزايدة على إسرائيل بشأن الحرب في غزة.

وتجاهلت إسرائيل رأي المحكمة الدولية في عام 2004 عندما وجدت أن الجدار العازل الذي تبنيه في الضفة الغربية ينتهك القانون الدولي ويجب تفكيكه.

وقد تؤدي جلسات الاستماع الحالية إلى زيادة الضغوط السياسية بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 29 ألف فلسطيني، وفقًا لمسؤولي الصحة في غزة.

واحتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي مناطق في فلسطين التاريخية يريد الفلسطينيون إقامة دولتهم عليها، في صراع عام 1967، ثم انسحبت من القطاع عام 2005.