Accessibility links

هل يدخل عمر الرزاز المعركة الصعبة حتى لو أدمته ولوثت صورته قليلا؟


تظاهرات الأردنيين لا تزال مستمرة بعد استقالة حكومة الملقي

بقلم نضال منصور/

حتى هذه اللحظة يصر كثير من المحتجين في الأردن على الاستمرار في التصعيد والبقاء معتصمين في الشوارع، على الرغم من استقالة رئيس الحكومة هاني الملقي، وتكليف العاهل الأردني لعمر الرزاز برئاسة الوزراء والمعروف بأنه من الشخصيات الإصلاحية.

الاحتجاجات التي بدأت بعد دعوة النقابات المهنية لإضراب عام في نهاية الشهر الماضي رفضا لمشروع قانون معدل لضريبة الدخل، لم تتوقف بعد إصرار رئيس الحكومة المستقيل على التشبث برأيه، ورفضه سحب مشروع القانون من مجلس النواب.

مشروع قانون ضريبة الدخل كان "القشة التي قصمت ظهر الشارع"، بعد سلسلة قرارات متوالية للحكومة خلال الأشهر الماضية برفع أسعار الخبز والكثير من السلع والمواد التموينية. والأنكى من كل ذلك أن الملقي لم يلتفت للاعتراض الشعبي على قانون الضريبة، فقرر بعد يوم واحد من إضراب النقابات المهنية إجراء زيادة جديدة على أسعار المحروقات والكهرباء مما زاد حالة الغليان والاحتقان الشعبي وعزز جبهة الخصوم ضد الحكومة ورئيسها، وسارع الملك عبدالله للإيعاز للحكومة بالتراجع عن قرار زيادة أسعار المحروقات.

المشهد الإقليمي يضع الأردن على الحافة ويضيق الخناق عليه

منذ عام 2011، بداية ما سمي "الربيع العربي" لم تشهد شوارع الأردن هذه الهبة الشعبية التي تعترض على النهج الاقتصادي والسياسي. وحسب معظم التقديرات فإن الحكومة والأجهزة الأمنية لم تكن تتوقع حجم التضامن الشعبي هذا، مع ضرورة التنويه إلى أن مظاهرات واحتجاجات اليوم من دون قيادة سياسية، ولا ترتبط بالأحزاب وخاصة "الإخوان المسلمين" الذين كان لهم دور قيادي إبان مرحلة "ربيع الأردن".

اقرأ للكاتب أيضا: من الملك خوفو إلى الرئيس السيسي... مصر بين مجد الحكام ومستقبل الشعب

أكثر المحتجين من الشباب والشابات دون الثلاثين من عمرهم. يتحركون بعزم ثابت ويعبرون عن رفضهم بشكل سلمي وحضاري، وهو ما دفع الملك عبد الله الثاني لامتداحهم علنا، والحديث عن فخره بحركة الشارع. وأكثر من ذلك تواجد ولي العهد الأردني الشاب الأمير حسين مع المتظاهرين، ووجه تعليماته إلى قوات الأمن والدرك بحماية المحتجين.

يصر المحتجون على استمرار تواجدهم في الشارع حتى تعلن الحكومة سحب مشروع القانون، ورفضوا دعوة مجلس النقباء إمهال الحكومة أسبوعا حتى تتخذ إجراءاتها، مما أجبر قادة النقابات على التراجع عن موقفهم ومسايرة الشارع الغاضب.

لا يعرف حتى الآن كيف سيطوق رئيس الحكومة المكلف عمر الرزاز الأزمة المتصاعدة قبيل أن يؤدي اليمين الدستورية كرئيس هو وفريقه الوزاري؟

يتمنى المناصرون للرزاز أن يتوجه إلى ساحة الاحتجاج على الدوار الرابع مقابل رئاسة الحكومة ليلتقي المتظاهرين ويعدهم بتغيير النهج الاقتصادي والسياسي وسحب قانون الضريبة فور تشكل الحكومة. ويعتبر هؤلاء أن هذه الخطوة، إن فعلها الرزاز، فسيحظى بالثقة الشعبية بعد أن حظي بالثقة الملكية.

لم تتضح سيناريوهات الحلول لإعادة الشارع الغاضب إلى بيته، وكلما تأخر الوقت كلما تصاعدت مطالب المحتجين وتزايدت فرص الاحتكاك مع رجال الأمن والدرك الذين أثبتوا باستثناءات قليلة سلوكا منضبطا وتعاملا إيجابيا رغم التوتر والضغط الذي يتعرضون له.

لا تتجه الأنظار للشوارع فقط، وإنما تراقب وتسأل ماذا يمكن أن يفعل الرئيس المكلف عمر الرزاز وكيف سيلبي طموحات الناس ويعالج أزمات مستفحلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟

يعتز الرزاز، الإصلاحي العلماني، بإرثه ويفاخر به. فهو ابن المناضل القومي منيف الرزاز، وشقيق الروائي مؤنس الرزاز، ولذلك فإن ما يشغله ليس النجاح فقط، وإنما التمسك بثوابت وقيم عاش وتربى عليها، وهو ما يزيد من مهمته صعوبة ويزيد من عبء الرهانات الشعبية عليه.

تنفس الكثيرون الصعداء بعد اختيار الملك للرزاز رئيسا للوزراء، معتبرين أن ذلك خطوة إصلاحية مهمة، وارتفعت وتيرة الآمال بخطاب التكليف الملكي لرئيس الحكومة، الذي اعتبر مختلفا، ويؤسس كما وصفه مراقبون لعقد اجتماعي جديد.

ينتابني شعور بالقلق أكثر من أي وقت مضى، ففشل الرزاز ضربة موجعة لنموذج الإصلاح. فالأمر لا يرتبط بكفاءة الرئيس، خريج "هارفارد"، ولا بخبراته العملية في البنك الدولي، ولا برؤيته وثقافته ومعرفته؛ فرئاسة الحكومة مهمة وعرة في ظل بيئة غير سياسية ولا تحكمها تقاليد العمل الحزبي والديمقراطي.

اختيار الفريق الوزاري للرئيس الرزاز مهمة صعبة وأول اختبار حقيقي له وسيعطي مؤشرا على قوته وتمسكه برؤيته

الرئيس يجب أن يعرف الجغرافيا الأردنية جيدا، والسؤال الذي يناقشه الحريصون على نجاح تجربة الرزاز: هل يستطيع أن يقفز عن "توزير" شخصيات تخلق توازنا جغرافيا وعشائريا؟ وإن لم يفعل ذلك سيواجه بعاصفة رفض غاضبة تتوحد ضده، وقد حدثت من قبل مع رؤساء وزراء سابقين. فتجاهل مكونات عشائرية أصبح أمرا صعبا، ومراعاة حصص ومقاعد وزارية في الحكومة للجنوب والشمال والبدو والأردنيين من أصول فلسطينية بات ثقافة سياسية راسخة، فكيف سيواجه الرئيس هذه المعضلة وهو الذي يبحث عن الكفاءات لا عن "المحاصصة"؟

وبشكل أكثر وضوحا ما هي حدود صلاحية رئيس الحكومة في الأردن، وهل سيكون صاحب الولاية العامة؟

أسئلة صعبة تحتاج لإجابات، هل يستطيع الرئيس المكلف أن يضع السياسات الاقتصادية بمعزل عن إرث العقود الماضية؟ هل يمنح الصلاحيات لإلغاء توجهات اقتصادية أصبحت سائدة وجزء من سمات الدولة الأردنية؟

اقرأ للكاتب أيضا: علاوي الناجي من محاولتي اغتيال: 'أنا مهدد بالقتل'

وفي السياسة أيضا، هل يملك الرئيس المكلف هوامش واسعة للحركة وبناء وتغيير التحالفات وصناعة السياسات الخارجية، فتصبح الحكومة "مطبخ" القرار السياسي وليس الديوان الملكي أو ما تسمى "حكومة الظل"؟

اختيار الفريق الوزاري للرئيس الرزاز مهمة صعبة وأول اختبار حقيقي له وسيعطي مؤشرا على قوته وتمسكه برؤيته، كما يكشف إلى أي مدى أعطاه الملك الضوء الأخضر ليفعل ما يريده، وليفرض أجندته حتى لو عارضته مراكز صناعة القرار بالدولة الأردنية!

حتى الآن "يطبخ" الرزاز تشكيلة الحكومة على نار هادئة. وهو على غير المعتاد في الأردن يتمهل في مشاوراته، ولم تتسرب معلومات عن لقاءاته وخطته، وحكومة تصريف الأعمال مستمرة، والوزراء على رأس عملهم، ولا يعرفون هل سيخرجون من الحكومة، أم سيعود بعضهم للحكومة برئيسها الجديد؟

التفاؤل بالرئيس الرزاز والرهان عليه مستمر، لكن محددات اللعبة السياسية في الأردن صعبة جدا، والأزمة الاقتصادية والسياسية الخانقة تعقد الأمر أكثر. المشهد الإقليمي يضع الأردن على الحافة ويضيق الخناق عليه، وفي ظل كل هذه المعطيات مطلوب من الرئيس أن يلبي طموحات الشارع الغاضب وأن يجترح الحلول الصعبة، فهل يفعلها الرزاز السياسي الدمث الذي يتجنب الصدام ويدخل المعركة الصعبة حتى لو أدمته ولوثت صورته قليلا؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG