Accessibility links

هل يستطيع أردوغان أكل نصف الرغيف والاحتفاظ به كاملا؟


تظاهرة في القامشلي مناهضة للهجوم التركي على عفرين (أ ف ب)

بقلم عريب الرنتاوي/

تبعث أنقرة برسائل متناقضة لكل الأطراف ذات الصلة بالأزمة السورية المتفجرة منذ سبعة أعوام. قبل أيام، تحدث وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو عن اتفاق مع واشنطن على "حفظ أمن واستقرار منبج وشرق الفرات"، قبل أن يعاود الرئيس رجب طيب أردوغان التهديد بالتوجه لـ "تطهير" منبج وكوباني/عين العرب وتل أبيض وشرق الفرات من "إرهاب" وحدات الحماية الكردية ما إن يفرغ من معركة عفرين.

قال أردوغان ذلك، قبل أن يتوجه عبر المنابر، وليس عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة، بالطلب إلى حلف شمالي الأطلسي "ناتو" التدخل عسكريا في سورية، ومن دون أن يوضح على نحو قاطع، وجهة هذا التدخل وجبهاته، وهل كان يقصد تدخل الـ "ناتو" ضد النظام لمعاقبته على ما يفعله في الغوطة الشرقية، واستتباعا ضد حلفائه الروس والإيرانيين، أم إلى جانب قوات بلاده في حربها ضد وحدات الحماية الكردية، الحليف الموثوق لواشنطن في سوريا؟

مصدر التناقض في السياسة السورية لأنقرة وسببه، يكمنان في سعيها للتوفيق بين أطراف ومصالح ومحاور، يصعب التوفيق فيما بينها. فهذه السياسة تلعب على وتر دقيق ومشدود بين موسكو وواشنطن من جهة، وبين إيران والعالم العربي (السني) من جهة ثانية. وهي سياسة تنطوي على قدر من المجازفة، وقد تنتهي إلى ما لا يحمد عقباه بالنسبة لتركيا، لا سيما إن استمرت وتفاقمت حالة التوتر والاستقطاب التي تميز العلاقات الروسية ـ الأميركية في ظل إدارة ترامب.

خيارات أنقرة في سورية تبدو محدودة للغاية، وليس أمام أنقرة من بديل سوى "التواضع" في رسم أهداف استراتيجيتها

تركيا عضو فاعل في حلف الأطلسي، وشريك قوي للولايات المتحدة الأميركية، لكن هذه الأخيرة، تدعم بقوة وحدات الحماية الكردية، وتعتبرها شريكا موثوقا في الحرب على الإرهاب، وحاضنة اجتماعية لوجودها العسكري شرق وشمالي شرق سورية، والذي تشير كثير من الدلائل، إلى أنه وجود مستدام، أو طويل الأجل. والأهم من هذا وذاك، أن لهذه الوحدات، دورا مهما في الاستراتيجية الأميركية حيال سورية، التي كشف الوزير ريكس تيلرسون النقاب عنها قبل عدة أسابيع.

في سعيها لتدمير وحدات الحماية الكردية، بوصفها جماعة "إرهابية"، وفي محاولتها "تطهير" الحدود التركية السورية من هذه المليشيات، وبما يتعدى منطقة عفرين، تكون تركيا قد وقفت في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. هنا يصح القول بأنه لا يمكن لأردوغان أكل نصف الرغيف الأميركي والاحتفاظ به كاملا. لا يمكنه القضاء على حليف واشنطن في سورية، والتمتع بالدعم الكامل من واشنطن ومن ورائها الحلف الأطلسي في الوقت ذاته. وستجد أنقرة مرغمة على الاختيار بين حربها الاستئصالية ضد ما تسميه "الإرهاب الكردي" أو صداقتها لواشنطن ودورها الفاعل في حلف "ناتو".

اقرأ للكاتب أيضا: كيف يتلطى الاستبداد في بلادنا، وبِمَ؟

على المقلب الآخر، ما كان لتركيا أن تجتاح الأراضي السورية على نطاق واسع مرتين في أقل من عام (الأولى خلال عملية درع الفرات والثانية في غصن الزيتون)، لولا تفاهمات بوتين ـ أردوغان، التي حيدت الدفاعات الجوية الروسية ـ السورية، وسمحت للطيران الحربي التركي بدك مواقع الأكراد، وتمهيد الطريق أمام قواتها البرية والقوات الحليفة لها، للتوغل من جرابلس إلى مشارف الباب، ومن الحدود إلى التلال المطلة على عفرين.

لكن تركيا مع ذلك، ما زالت تظهر بين الحين والآخر، مواقف شديدة العداء لحلفاء موسكو في سورية، وتحديدا لنظام الرئيس الأسد، حتى أنها لم تتورع عن استهداف القوات شبه النظامية التي أرسلها النظام لدعم وحدات الحماية الكردية في منطقة عفرين، وقتلت وأصابت العشرات منهم في عمليات قصف مدفعي وجوي موجه ضدها بالذات، وليس من باب الخطأ كما كان يمكن أن يقال. ثم أن المصادر السورية والإيرانية، التي تتابع بقلق تفاهمات بوتين ـ أردوغان، لا تخفي مخاوفها من أن أردوغان قد تجاوز هذه التفاهمات، وذهب إلى أبعد وأعمق مما سمحت به، الأمر الذي أثار شكوكا سورية ـ إيرانية حول المواقف الفعلية لـ "سيد الكرملين". وأسفر في الوقت ذاته، عن فتور في العلاقات بين طهران وأنقرة، واستدعى الاتفاق على عقد قمة لهذه الأطراف، في نيسان/أبريل المقبل، لإعادة ترميم العلاقات بين الأطراف الثلاثة الراعية لمسار أستانا ومناطق "خفض التصعيد".

هنا، يصح أن يقال مرة أخرى، أنه لا يمكن لأردوغان أكل نصف الرغيف الروسي والاحتفاظ بها كاملا. وهو لن يكون قادرا على إطالة أمد علاقاته المستعادة مع الكرملين بعد التوتر التي أعقب إسقاط الطائرة الروسية في أواخر العام 2015، ولا يمكنه توظيف هذه العلاقات والرهان عليها على المدى المتوسط والبعيد، في الوقت الذي تحارب فيه قواته، حلفاء موسكو في سورية، وتتهدد بضربهم إن هم أعاقوا خططها الرامية إنشاء حزام أمني على امتداد حدود تركيا مع جارتها الجنوبية.

لا يمكن لأردوغان أكل نصف الرغيف الأميركي والاحتفاظ به كاملا

والحقيقة أن هذا الوضع الشاذ التي وجدت تركيا نفسها فيه، هو ما يفسر إلى حد كبير، حالة الارتباك والتخبط التي تميز المواقف والتصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الأتراك العلنية منها على أقل تقدير. فأنقرة من جهة أولى، لها مشروعها الخاص في سورية والقاضي بمنع قيام كيان كردي قابل للحياة والاستمرار وتأمين حدودها بحزام أمني تتولى قوات محسوبة عليها أمر إدارته وحمايته بدعم مباشر من جيشها الذي سيحتفظ حتى إشعار آخر، بوجود عسكري مباشر على الأرض السورية. لكن أنقرة من جهة ثانية، لا تجد لنفسها حليفا موثوقا يساعدها في تحقيق مشروعها، لا في موسكو ولا في واشنطن أو بروكسيل. وحتى لو تفهمت هذه العواصم الدولية الوازنة، لبعض مخاوف أنقرة واحتياجاتها الأمنية الضاغطة، إلا إن أي منها لن يستطيع مجاراتها حتى نهاية الشوط الذي تطمح ببلوغه.

اقرأ للكاتب أيضا: عن "الاستتباع" و"الاستلحاق" في علاقة اليساريين العرب بثنائية "العسكر والإسلاميين"

ومما يزيد الأمور تعقيدا أمام القيادة التركية والرئيس أردوغان على نحو خاص، أن تدخل بلاده العسكري في سورية، يأتي على أبواب انتخابات 2019 وهي الأولى من نوعها بعد إقرار دستور جديد يركز الصلاحيات بيد رئيس الجمهورية (رجب طيب أردوغان في هذه الحالة)، وهو معني في كل ما يقول ويفعل، بالظفر في هذه الانتخابات، وعلى نحو غير قابل للطعن أو الالتباس. الأمر الذي يملي عليه في كثير من الأحيان، إطلاق مواقف للاستهلاك الداخلي، وبغرض شد العصب القومي والديني لجمهور الناخبين المؤيدين تقليديا لحزب العدالة والتنمية، ومزاحمة الحركة القومية التركية على أصوات ناخبيها.

ويمكن القول، اننا انتهينا إلى مستويين للخطاب التركي الراهن، مستوى موجه إلى المجتمع الدولي وعواصم القرار، وفيه قدر من الواقعية والعقلانية والحرص على "إدامة العلاقات مع موسكو وواشنطن وتطويرها"، ومستوى موجه للجموع المحتشدة التي اعتاد أردوغان مخاطبتها في الساحات والميادين العامة، وفيها يجري العزف على الوتر القومي ـ الديني الحساس لدى الأتراك.

لا أحد بمقدوره الجزم بقدرة الساسة الأتراك على الاستمرار في الرقص على الحبل المشدود بين موسكو وواشنطن، لكن خيارات أنقرة في سورية تبدو محدودة للغاية، وليس أمام أنقرة من بديل سوى "التواضع" في رسم أهداف استراتيجيتها في سورية، وتحديدا حيال الأكراد، ومن دون ذلك، سيظل مقدرا على الدبلوماسية التركية السير وسط حقول من الألغام، يصح معها استذكار الحكمة الأولى، أو الدرس الأول لخبراء المتفجرات: خطؤك الأول قد يكون خطؤك الأخير.

XS
SM
MD
LG