Accessibility links

ملاحظات على مركز الحرب الفكرية السعودي


صورة عامة للعاملين في مركز "الحرب الفكرية"

بقلم منصور الحاج/

بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دشنت السلطات السعودية في أيار/مايو من العام الماضي مركز "الحرب الفكرية" وهو مؤسسة تابعة لوزارة الدفاع ويختص بـ "مواجهة جذور التطرف والإرهاب، وترسيخ مفاهيم الدين الحق".

يهدف المركز الذي ينشط من خلال حسابات متنوعة على مواقع التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" تخاطب المتحدثين بالعربية والإنجليزية والفرنسية، إلى التصدي لأفكار التطرف والإرهاب من خلال "رفع مستوى الوعي العام بحقيقة الإسلام وتعزيز المناعة الفكرية للفئات المستهدفة من قبل الجماعات المتطرفة والإرهابية، وتفويت الفرصة على التطرف والإرهاب وقائيا وعلاجيا ودعم الصورة الذهنية الإيجابية عن دين الإسلام وإيضاح قيمه الرفيعة".

بصفتي باحث ومتابع لنشاط الحركات الجهادية ومهتم بجهود الحكومات والمنظمات في مجال مكافحة التطرف والإرهاب، فإنني أؤمن بأن أي مشروع يتصدى للفكر الإرهابي هو عمل إيجابي يستحق الإشادة والتقدير، ومن هذا المنطلق فإن "مركز الحرب الفكرية" هو بلا شك جهد مقدر؛ لكن فعاليته على أرض الواقع تتوقف على مدى جدية القائمين عليه في "مواجهة جذور التطرف والإرهاب، وترسيخ مفاهيم الدين الحق" بعيدا عن التحيز والمحاباة ودون اعتبار لأي ميول أيديولوجية أو تحالفات أو خلافات سياسية.

يعتمد نجاح هذا المركز في مهمته على مدى جدية القائمين عليه في التصدي للتطرف والإرهاب بحيادية

وعلى الرغم من الطروحات الجريئة التي يقدمها المركز فيما يتعلق بالمصطلحات والمفاهيم الإسلامية المثيرة للجدل كالجهاد وحد الردة إلا أن هناك ملاحظات على بعض المواقف والاستنتاجات والاتهامات التي ربما يقصد من اقحامها تحقيق مآرب سياسية أو لقطع الطريق أمام أسئلة باتت أكثر إلحاحا في السعودية كالمطالبة بالحقوق السياسية والحريات الأساسية.

اقرأ للكاتب أيضا: فيلم "النمر الأسود" بين صناعة الأمل ومداعبة الأحلام

فالمركز، على سبيل المثال، يرى أن تنظيمي "داعش" والقاعدة ربيبا جماعة "الإخوان المسلمين" وأن الجماعة تتفق مع التنظيمين الإرهابيين في إقامة "الدولة الإسلامية الواحدة على نظريات التطرف التي أسس لها الدستور الإخواني". ويشن المركز هجوما عنيفا على الجماعة ويتهمها بتبني سياسة "الغاية تبرر الوسيلة" وأن "الفكر الإخواني يرشد أتباعه بالتعايش البراغماتي في زمن غياب دولته المنتظرة مع مضي التنظيم في تحقيق أهدافه".

شخصيا أرجح أن يكون هناك مغزى سياسيا من وراء اقحام المركز للإخوان المسلمين وذلك من أجل قطع الطريق أمام المطالبين بإصلاحات سياسية في البلاد وتسهيل اتهامهم بالانتماء إلى الجماعة وهو موقف يتناغم مع آراء الأمير محمد بن سلمان عن الإخوان الذين حذر منهم مرارا وحملهم مسؤولية التطرف والإرهاب بل واتهمهم باغتيال عمه الملك الأسبق فيصل بن عبد العزيز.

ومن الملاحظات أيضا أن المركز يبرئ السلفية الوهابية من الإرهاب فيصرح بأن تاريخ السلفية "لم يعرف الاغتيالات ولا العمليات الانتحارية ولا إجازة الغدر والخيانة" ويصف السلفية بأنها "فكر مسالم" و"تحترم قرار ولاية الأمر".

يعترف المركز بـ "وجود جدليات حول بعض القضايا" داخل الفكر السلفي إلا أنه لا يوضحها، ويشدد على أن من "ثوابت المنهج السلفي عدم مشاغبته للتدابير السياسية باستثناء بعض من اخترقهم المد الإخواني والسروري الوافد ممن ترك مبادئ السلفية".

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إن كان الفكر السلفي بريء من كل الأفكار المتطرفة فأي فكر يتحمل مسؤولية الفتن والخلافات التي طفت إلى السطح بعد وفاة الرسول ودفع المسلمين إلى الاقتتال واغتيال الخلفاء الراشدين؟ وإن كانت الوهابية بريئة من الإرهاب، فمن الذي أفتى بوجوب الجهاد في أفغانستان وأرسل الشباب المسلم للقتال هناك؟ وعلى أي أساس كان تكفير وقتال الإمام محمد بن عبد الوهاب لمن اعتبرهم "قبوريون"؟

يتضح من خلال ما سبق وجود اعتبارات سياسية وراء تبرئة المركز للسلفية والوهابية من التطرف والإرهاب نسبة للعلاقة الوثيقة بين المدرسة الوهابية والسلطات في السعودية. وقد اعترف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في إحدى مقابلاته الأخيرة بأن تصدير الوهابية إلى الدول الإسلامية كان بطلب من حلفاء المملكة لوقف التمدد الروسي إبان فترة الحرب الباردة.

إن اعتبار السلفية عقيدة مسالمة يصب في صميم التوظيف السياسي للدين، فرجال الدين السلفيون المهادنون للسلطة يشددون على ضرورة طاعة الحاكم وتحريم الخروج عليه وإن شق الثياب وضرب الظهور ويتجاهلون في الوقت نفسه الظلم والفساد المستشري وغياب الحريات ويتعمدون تجاهل الأحاديث التي تحث المحكومين على التصدي للحكام الظلمة وتعتبر قول كلمة الحق أمام سلطان جائر من أعظم الجهاد.

يعترف المركز بـ "وجود جدليات حول بعض القضايا" داخل الفكر السلفي إلا أنه لا يوضحها

ولم يتوقف المركز عند هذا الحد في خلطه بين التطرف الأيديولوجي والتحالفات أو الخلافات السياسية، فقد اتهم دولة قطر صراحة بدعم التنظيمات الإرهابية وأن ذلك سهل لها الحصول على "على أخبار حصرية وتسهيلات لتدابير سياسية استهدفت أمن واستقرار عدد من الدول وألبت مناطق الصراع". كما اتهم المركز قناة "الجزيرة" القطرية بـ "تأجيج الفتن".

وللتوضيح، لا أهدف هنا إلى تبرئة قطر من دعم الجماعات الإرهابية وهي تهمة نالت السعودية نصيب كبير منها بقدر ما أسعى إلى تسجيل ملاحظاتي على مركز فكري يعلن أنه يهدف إلى "مواجهة جذور التطرف والإرهاب".

اقرأ للكاتب أيضا: ما لا يقال عن محمد بن سلمان

إن من الأولى للمركز التركيز على القضايا الفكرية وفتح باب الحوار بين جميع التيارات الإسلامية بدلا من الخوض في الصراعات السياسية الآنية أو تكريس جهوده للدفاع عن السلفية والوهابية.

إن النشاط الحالي للمركز الذي أقترح أن يتغير اسمه إلى "مركز الحوار الفكري" لا يختلف كثيرا عن نشاط مؤسسات الدعاية والعلاقات العامة فهو يروج للبرنامج السياسي لولي العهد السعودي محمد بن سلمان ويخوض حربا سياسية مع كيانات ودول بدلا من تناول جذور الإرهاب بالتحليل والتفنيد واقتراح الحلول والرد على دعاوى وحجج الجهاديين.

وكما ذكرت آنفا، يعتمد نجاح هذا المركز في مهمته على مدى جدية القائمين عليه في التصدي للتطرف والإرهاب بحيادية تامة وانفتاح وبعيدا عن أي انحياز لصالح أيديولوجيات معينة ودون اعتبار لأي مصالح أو اختلافات سياسية وإلا فإن المركز لن يعدو سوى أن يكون أداة سياسية في يد سلطة تبيح لنفسها الحق في استغلال الدين من أجل البقاء في السلطة وتحرمه على غيرها وعليها يصدق قول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله

عار عليك إذا فعلت عظيم

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG