Accessibility links

أمين مقداد.. هكذا تشبث بحريته تحت قيود داعش


أمين مقداد في صورة مأخوذة من حسابه على فيسبوك

نوار المحنّة / خاص بموقع "الحرة"

"سأمضي أسبوعين ثم أعود"، بهذا أخبر أمين مقداد والديه قبل أن يغادر بغداد متجها نحو الموصل في 2015 ليؤمن منزل العائلة هناك، بعد أن تلقوا تهديدات باستيلاء تنظيم داعش عليه، لكنه لم يتمكن من العودة إلا بعد عامين.

لم يتمكن مقداد من العودة إلى العاصمة بسبب سيطرة داعش على الموصل في تلك الفترة، وحاول 26 مرة أن يخرج من الموصل لكنه فشل في ذلك.

ويقول مقداد في حديث لموقع "الحرة" إنه في إحدى المرات " اعتقل المهرب الذي اتفقت معه، ومرة قتل السائق، وأخرى صادروا السيارة، لقد حاولت الهرب مباشرة إلى بغداد، أو إلى تركيا أو حتى سورية لكن لا فائدة".

وعندما أدرك مقداد أن لا مفر من ذلك الجحيم، قرر أن يبقى "على قيد الأمل" حسب وصفه، مع كل آلاته الموسيقية ومنحوتات عائلته، فهو ابن عائلة ذات اهتمامات فنية، فقد عمل والده نحاتا ووالدته تحترف الكتابة والرسم.

وليبتعد عن الرعب الذي بثه تنظيم داعش في قلوب أهالي الموصل، عزل مقداد نفسه عن محيطه، وحارب اليأس وتمسك بالعزف والتأليف الموسيقي وكتابة الشعر.

في منتصف المنزل

أمضى مقداد عامين في حي السلام، وكان عناصر داعش قد سكنوا البيوت المحيطة بمنزله، "في البيت المجاور من الجهة اليمنى كان منزل أحد مسؤولي المخابرات في تنظيم داعش" يقول مقداد.

وخلال العزلة التي عاشها مقداد على مدى عامين، كان يمسك بآلاته الموسيقية ويبدأ العزف في غرفة بمنتصف المنزل كي لا يتسرب الصوت إلى الخارج، حيث يحظر التنظيم على الناس الموسيقى وأشياء كثيرة.

وكان فيسبوك متنفس مقداد الوحيد لينشر عبره معزوفاته إلى العالم، محاولا عبر الموسيقى أن يطلع العالم على ذلك الوضع الاستثنائي الذي عاشته الموصل.

وكي يحمي نفسه من بطش داعش، تفادى مقداد إدخال اتصال الإنترنت إلى منزله لأنه سيطالب بتقديم معلومات كاملة عن نفسه في حال طلبه خطا للإنترنت من إحدى المكاتب في المدينة.

وأشار مقداد إلى أن داعش كان يطلب كشوفا دورية لمراقبة استخدام هذه الشبكة وملاحقة من يثير الشكوك بتحميل الكثير من الملفات.

ووجد مقداد في بيت أقاربه ملاذا للتواصل مع عائلته ببغداد، ونشر ما لديه من أفلام فيديو أو مقطوعات موسيقية أو شعر.

نبوءة الحالم

في يومه الطويل بالموصل كان مقداد يمضي ساعتين في لعب كرة الطائرة بملعب قريب من منزل أقاربه، ويقول "كنا نتعرض لمضايقات من قبل عناصر التنظيم الذي يمنع الرياضات بأنواعها باعتبارها من الأمور التي تلهي عن العبادة".

وفي كل يوم كان مقداد يفكر باللحظة التي سيقتحم فيها التنظيم منزله بكل السيناريوهات المرعبة التي من الممكن أن تحصل معه.

وترجم مقداد الشعور الذي عاشه على مدى عامين في مقطوعة موسيقية أطلق عليها اسم "الحالم" مصورا فيها الغضب الذي يكظمه في قلبه لهذه الجماعة المتشددة وهو يتنظر قدرا لا مفر منه.

وبعد فترة قصيرة تحققت نبوءة الحالم واقتحم داعش منزل مقداد إثر وشاية من أحد الجيران من مسلحي داعش الذين كانوا يطمعون في الاستيلاء على منزله.

ففي منتصف تموز/يوليو 2016 دخل عناصر داعش منزل مقداد لاعتقاله بتهمة التخابر مع الحكومة، " لكن مشهد الآلات الموسيقية والمنحوتات في المنزل أربكتهم فقاموا بمصادرتها جميعا، وأخضعوني لتحقيق استمر ثلاث ساعات، وأخبروني أنهم سيعودون في اليوم التالي لإعطائي دروسا في الدين" يقول مقداد.

شعر مقداد بأن الخطر يقترب منه أكثر فأكثر، فقرر الهرب من منزله تاركا رسالة لداعش بأنه سيعود الساعة التاسعة وعلى من يريد رؤيته أن يعود في ذلك الوقت، وهو ما لم يفعله أي من عناصر داعش لشكهم في أن تكون هذه الرسالة تحضيرا لكمين لهم، حسب مقداد.

ولجأ مقداد إلى بيت عمه في حي الوحدة بالمدينة، وللسيطرة على إحساس "الهارب" الذي تملكه لشهرين، عاد مقداد إلى الموسيقى والكتابة وقام بزيارات خاطفة لمنزله، حيث كان يعتقد في كل مرة أنها الأخيرة.

وبعد فترة استولى التنظيم على منزله وقاموا بهدم جدار في جهته اليمنى لضمه إلى بيت مجاور.

البكاء في لحظة الحرية

وفي الخامس من كانون الثاني/يناير كان مقداد وأهالي حي الوحدة على موعد مع الحرية بدخول الجيش العراقي إلى الموصل.

وعن تلك اللحظة يقول إنه رأى مع أقربائه من خلف باب منزلهم شخصا بالزي العسكري، وحينها تملكهم الخوف من أن يكون أحد مسلحي داعش، فرفعوا الراية البيضاء، وخرجوا ليجدوا جنودا عراقيين أمامهم، فأجهشوا جميعا بالبكاء بينما كان الأطفال يقفزون فرحا من حولهم.

ويصف لقائهم بالجيش العراقي بلحظة العدالة خاصة أن الجيش لم يشك أنهم من عناصر التنظيم، فقد كان جميعنا " من مطلقي اللحى ونرتدي الملابس التي فرضها علينا التنظيم، لكنهم لم يشكوا بنا".

سأعود..

واليوم استأنف مقداد نشاطه الفني في بغداد بعد وقت قصير من عودته في السابع من كانون الثاني/يناير وهو لا يخف رغبته بالعودة إلى الموصل والعزف هناك ضد الإرهاب ومن أجل الأمل.. "وإذا نجحت في مدينتي فأنا أستطيع النجاح في أي مكان آخر".

XS
SM
MD
LG