Accessibility links

قضية طال تأجيل حلها: المعتقلون الإسلاميون في لبنان


يوجد نحو 1200 سجين إسلامي في سجن رومية (أرشيف)

بقلم حسن منيمنة/

سجن رومية هو غوانتانامو لبنان. هي حقيقة مؤلمة على أكثر من مستوى. لأن لبنان يجاهر بأنه يحتجز، منذ أعوام طويلة تتجاوز العقد من الزمن في حالات عديدة، شبابا وشيوخا بالمئات وفي ظروف سيئة ومهينة، دون أن تعرض الكثير من التهم بحقهم للبت أمام القضاء. ولأن الولايات المتحدة، من خلال إطالة أمد معتقل غوانتانامو قد وفرت السابقة للتجاوز وأضرت بموقعها كالقدوة المعنوية عالميا. ولأنه، هنا كما هنالك، المسألة هي مادة للمزايدة السياسية، بين من يفاخر بالاعتقال لشد عصب قاعدته والتي تريده تشفيا، ومن يعارضه، صادقا أو منافقا، للتعيير بخصومه تحت شعار انتهاك حقوق الإنسان. ولأن المستفيد في جميع الأحوال هو الطرح القطعي القائل بأن الفئوية، وإن حاول البعض التستير عليها بغشاء الوطنية والإنسانية، هي أساس السلوك السياسي، وهي المستوجبة للولاء.

المسجونون الإسلاميون في لبنان بعضهم من الذين أوقفوا إثر أحداث الضنية، في الشمال اللبناني عام 2000، بعد مواجهات مع الجيش اللبناني أتاحتها، بل أعدتها المنظومة الأمنية التابعة لنظام دمشق. وأعداد كبيرة منهم اعتقلوا في أعقاب المعركة التي خاضها الجيش اللبناني عام 2007 في مخيم نهر البارد، كذلك في الشمال اللبناني، لإخراج منظمة "فتح الإسلام" والتي كانت قد استولت عليه، بتمكين يكاد أن يكون علنيا من أجهزة نظام دمشق.

والبعض منهم كذلك أودعوا السجن نتيجة لحادثة عبرا عام 2013، قرب مدينة صيدا، بعد الصدام بين أنصار الداعية السلفي أحمد الأسير و"سرايا المقاومة اللبنانية" التابعة لإيران وما تلاها من تدخل للقوى الأمنية الحكومية لصالح الأخيرة. فيما عدد من الشباب الإسلامي ألقي القبض عليه إما لانضمامه إلى الفصائل المناهضة للنظام في سورية، أو حتى لنيته الالتحاق بها.

التزام المجتمع اللبناني بالقيم الإنسانية وإن بأشكال منقوصة وقاصرة، ليس زعما أجوف وهو مكسب لا بد من المحافظة عليه رغم الاحتلالات

المجموع هو ما يزيد عن 1200 معتقل، القاسم المشترك بينهم ليس فقط انتماؤهم العقائدي إلى التوجهات الإسلامية والسلفية والجهادية، إنما أيضا استمرار احتجازهم، في ظروف قبيحة وتجاوزات مشينة بحق كرامتهم في أكثر من حالة، ودون محاكمة بالنسبة للمئات منهم، فيما من الأعذار الرسمية أن المؤسسة القضائية اللبنانية تفتقد البنية التحتية لمحاكمة هذه الإعداد من المتهمين.

اقرأ للكاتب أيضا: تضاد وتداعيات في مفهوم الحزب بين الولايات المتحدة والعالم العربي

والمفارقات المؤذية بشأن هؤلاء المعتقلين عديدة. أولها بالنسبة لبعض الذين يستمر اعتقالهم دون محاكمة والذين وجهت إليهم تهم مناصرة "فتح الإسلام" مثلا، لو أن التهمة ثبتت عليهم لكانت انقضت فترة العقوبة القصوى. ورغم ذلك فهم حيث هم قابعون.

ثم أن من ألقي القبض عليه بتهمة الانخراط بحرب خارجية، يجد جيش دولته مكتف الأيادي، وحكومة دولته صامتة الصمت المدوي، حين يوفد الآلاف من أبناء وطنه لخوض الحرب عينها، إنما بأمر من الولي الفقيه في طهران.

أما من يضرب بيد من حديد لتعديه على أمن البلاد، فله أن يرضى بأن الخلية التابعة لإيران، والتي أقدمت وفق ما تفيده الأدلة الواضحة، على اغتيال رئيس وزراء، وآخرين كثر، وزعزعة الاستقرار أضعافا مضاعفة، عصية على الاعتقال، بل هي جهارا نهارا خارج صلاحية السلطة الوطنية.

ويأتي الحديث عن قانون عفو عام، يجري إعداده للتو في لبنان، ليرفع من حدة المظلومية التي تستفحل في أوساط هؤلاء المعتقلين وعائلاتهم. فالتوجه هو إلى أن يشمل هذا القانون المتهمين والمدانين بالتعامل مع إسرائيل، على مدى عقدين من احتلالها لأراض لبنانية، وأن يلغي عشرات الآلاف من مذكرات التوقيف بحق الضالعين بقضايا زراعة الحشيشة وتهريبها، وجلهم من مناطق تهيمن عليها "المقاومة" التابعة لإيران، والتي لا قدرة للأجهزة الأمنية ابتداء على تنفيذ هذه المذكرات فيها، ولكن أن يستثني المتورطين بالإرهاب، أي المعتقلين الإسلاميين، كلهم أو بعضهم، لدواع أمنية ومصلحة وطنية، فيبقيهم قيد الاعتقال.

والواقع أن القبول، الطوعي كما القسري، بالاحتلال الإيراني شبه المعلن للبنان يحتم هذه الاعتبارات. فالتحدي الأمني لهذا الاحتلال، وللاستقرار الاجتماعي في لبنان، يأتي بالفعل من خلايا جهادية تمكنت الأجهزة المحلية اللبنانية من تفكيكها.

وإطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين، بعد أن جرى دفع من لم يكن منهم بوارد مواجهة الواقع اللبناني أصلا، باتجاه التشدد والتطرف والقطعية، من خلال دمجه بمن كان من أصحاب التوجهات العدائية، ومن خلال طمره بالظلم والإهانة، من شأنه أن يؤدي إلى نشأة خلايا جديدة قد تعجز الأجهزة الأمنية عن متابعة نشاطها بالكامل، وهذه الخلايا تحتاج وحسب إلى نجاح واحد وإن تمكنت الأجهزة من إحباط باقي محاولتها للأذى.

وهذا التقييم مماثل لذاك الذي يتقدم به من يدعو صادقا في الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بمعتقل غوانتانامو لاعتبارات أمن وطني (خلافا لمن يتذرع بهذه الاعتبارات لأغراض تعبوية). ولكن المسألة في الحالتين تثير إشكالات مبدئية وعملية.

قضية المعتقلين الإسلاميين في لبنان قد تأخر حلها طويلا، ومع هذا التأخير تفاقم الشعور بالمظلومية في أوساط أسر المعتقلين ومجتمعهم

الإشكال المبدئي هو أن هذه الصيغة هي من باب العقاب الجماعي الاحترازي، أي لجرائم لم تقع، وهو فعل يناقض الدستور والقوانين. فهي من باب التضحية المؤكدة بحقوق أفراد أعيان لتحقيق صالح مفترض مبهم لغيرهم. وإذا كان ثمة أصل أول لكامل منظومة القيم الإنسانية العالمية، رغم ما هي عليه اليوم من تأرجح، فهو أن حقوق الفرد ليست أقل من حقوق الجماعة.

ولا تنتفي حقوق الفرد بالمغايرة، أي حين يصنف على أنه الآخر. بل إن مقياس الصدق في الالتزام بالقيم العالمية هو مقدار احترام حقوق الغريم والخصم والعدو، قبل حقوق الذات والحليف والصديق. فالإصرار على إحقاق حقوق الذات لا خلاف بشأنه، أما إقرار حقوق الأعداء والمعتدين، عند التصدي لهم كما عند الاقتصاص منهم، فهو الامتحان للالتزام بالقيم العالمية من دونه.

اقرأ للكاتب أيضا: الانتخابات ليست الديمقراطية

والولايات المتحدة، في التعامل مع المعتقلين في غوانتانامو خارج إطار المتعارف عليه من الأصول والأعراف في بنيتها العدلية، قد أخفقت في هذا الصدد، رغم اختلاف الآراء هنا، ولا بد من تصحيح هذا الإخفاق. والإخفاق كذلك حال لبنان، وإن كانت التوقعات منه أقل، بحكم الاحتلال الحالي وما سبقه من احتلالات.

أما الإشكال العملي فهو أن منهج الاستمرار بالتجاوز من خلال الاعتقال التعسفي، إذ ربما يحقق المصلحة الذاتية الآنية بمنع المعتقلين من الانتظام والعمل العدائي، فهو يضاعف وحسب من الإضرار بالمصلحة الذاتية البعيدة المدى. يذكر هنا أن المعتقلات التي أقامتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، إذ اعتمدت التوجه الاحترازي، شكلت بالنسبة للعديد من المعتقلين "جامعات" جهادية ضاعفت من الظاهرة في المرحلة التالية. فبدلا من أن يكون تورط المعتقل الخارج من غوانتانامو (أو من سجن رومية) بعمل عدائي دليلا على صحة الدعوة إلى اعتقاله ابتداء، فإن تورطه قد يكون وحسب نتيجة لهذا الاعتقال.

قضية المعتقلين الإسلاميين في لبنان قد تأخر حلها طويلا، ومع هذا التأخير تفاقم الشعور بالمظلومية في أوساط أسر المعتقلين ومجتمعهم، وصولا إلى قناعة مبنية على معطيات وقائعية حول تراتبية في تعامل الدولة مع الطوائف، حيث السنة مستهدفون وغيرهم معفيون.

الاعتبارات العملية في كيفية تحقيق العدالة لهؤلاء المعتقلين لا بد أن تراعى، بما في ذلك المتابعة بعد الإفراج، ولكن أيضا التعويضات المالية المستحقة لهم، بما يساهم بإعادة اندماجهم بالمجتمع الوطني. ولكن المسألة تبقى أساسا مسألة تصحيح لخطأ مبدئي وأخلاقي ومعنوي جسيم.

لا مقارنة بالطبع بين ما ارتكبته الدولة والأجهزة الأمنية ودائرة السجون في لبنان، بما تقترفه يوميا آلة التعذيب المتواصل والقتل الممنهج في سجون النظام السوري، ولكن ليس بهذه المقارنة عزاء للبنانيين. فالمعيار هو القيم الإنسانية العالمية لا الساقط من أنظمة الجوار. والتزام المجتمع اللبناني بهذه القيم وإن بأشكال منقوصة وقاصرة، ليس زعما أجوف. هو مكسب لا بد من المحافظة عليه رغم الاحتلالات، الغابر منها والحالي، وإنصاف المعتقلين الإسلاميين خطوة في هذا السبيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG