Accessibility links

انتخابات العراق 2018: الفرص والتحديات


فرضت الانتخابات تحديا مهما جدا على الكتل السياسية الفائزة

بقلم إياد العنبر/

أحدث تصدر تحالف "سائرون" القوائم والتحالفات العراقية الفائزة في انتخابات أيار/مايو 2018 مفاجئة لجميع الأطراف السياسية والمراقبين، إذ كان حصوله على أكبر عدد من المقاعد غير متوقع حتى من قبل قيادات تحالف "سائرون" أنفسهم، ومن ثم يمكن القول بأن فوز تحالف الصدريين مع الشيوعيين، يبلور أهم الرسائل الإيجابية التي حملتها انتخابات أيار/مايو 2018، التي تحتاج إلى وقفة تأمل وقراءة، لأنها يمكن أن تحمل بارقةَ أمل نحو المستقبل.

بادئ ذي بدء، الحديث هنا لا ينظر إلى التحالفات التي قد تتشكل على أساسها الحكومة القادمة، وإنما محاولة تقييم عملية التجربة الانتخابية بالدرجة الرئيسية. فالانتخابات من أهم المكاسب التي حصل عليها العراقيون بعد 2003، والتقادم بممارستها هو القادر على تصحيح عيوبها. وقبيل الانتخابات التي جرت في الأيام الماضية، كانت هنالك ثلاثة توجهات نحو المشاركة فيها:

  • الأول وهو الداعي إلى المشاركة الفاعلة.
  • الثاني كان يدفع ويشجع على المقاطعة في محاولة لسحب روح الشرعية من خلال تدني نسبة المشاركة.
  • الثالث الذي تجسد في خطاب المرجعية الدينية في النجف الأشرف قبل أسبوع من الانتخابات، اعتبرت فيه أن المشاركة حق وليس واجب.
    صوت الناس لمن قاد حركة الاحتجاج ورفع مطالب إصلاح النظام

تعددية هذه المواقف بحد ذاتها يعد تطورا مهما جدا على مستوى الثقافة السياسية العراقية، كونه يشير إلى أن المواطن بدأ يعرف ويحدد وسائل التعبير عن مشاركته السياسية سواء كانت بالسلب أو الإيجاب. وأعود وأؤكد لولا التقادم بالممارسة الانتخابية لم تتطور مواقفنا بهذا الاتجاه.

اقرأ للكاتب أيضا: تحدي "موت الديمقراطية" في العراق

الموقفان الداعيان إلى المقاطعة واعتبار أن "الانتخاب" حق من حقوق المواطن وليس من واجباته، أثرا بنسبة معينة على انخفاض نسب المشاركة بالانتخابات والتي وصلت إلى نسبة 44.5 في المئة. وقد استفادت منها القوى والأحزاب التي لديها خبرة في إدارة الانتخابات، أو كما يطلقون على تسميتها بالـ"ماكينة الانتخابية".

وعلى الرغم من أن دعوات المقاطعة كانت تراهن على التأثير بالنتيجة وهذا الأمر يفتقد إلى سند قانوني يدعمه، بيد أنها شكلت تيارا ناشطا وفاعلا على وسائل التواصل الاجتماعي وفي نقاشات الأوساط الثقافية، مما يعني بلورة موقف ثقافي ـ سياسي احتجاجي قد يكون له تأثير في قادم الأيام على مستوى حركة الاحتجاج.

أما موقف المرجعية فهو تأكيد مرة أخرى على أن "لا ولاية للفقيه في العراق"، وإنما هي ولاية في الأمور العامة التي تستدعي تدخل الفقيه، كالدعوة للانتخابات في 2005 لمنح الشرعية للدستور العراقي النافذ، وفتوى الجهاد الكفائي. أما إدارة الشأن العام فهي مسؤولية الهيئات السياسية الحاصلة على الشرعية عن طريق الانتخابات.

أولى المعطيات الإيجابية التي يمكن قراءتها في نتائج الانتخابات، هي حصول تحالف "النصر" الذي يتزعمه الدكتور حيدر العبادي (رئيس مجلس الوزراء) على التسلسل الثالث ضمن القوائم الانتخابية الفائزة. ودلالات ذلك كبيرة ومهمة في بلد ينظر إلى من يملك السلطة بأنه يهيمن على كل شيء، فالسلطة تلد السلطة في العراق. الأمر الذي يعني أن العراق لا يزال في المسار الصحيح نحو التحول الديمقراطي.

وعلى خلاف انتخابات 2010 التي تصدرت نتائجها القائمة الوطنية بزعامة إياد علاوي، فأن فوز تحالف "سائرون" (الذي يضم التيار الصدري والحزب الشيوعي) بـ 54 مقعدا، مما جعله في مقدمة القوائم الانتخابية الفائزة، يعطي رسالة إيجابية مفادها بأن الناس صوتوا لمن قاد حركة الاحتجاج ولمن رفع مطالب إصلاح النظام.

والمعطى الثاني، هو خسارة الكثير من السياسيين لمقاعدهم في البرلمان التي تربعوا عليها لأكثر من دورتين انتخابيتين، وبعضهم كان يعتمد التحشيد والتصعيد الطائفي في خطابه السياسي.

وثالثا، عدم فوز بعض شيوخ العشائر الذين رشحوا ضمن القوائم الانتخابية الكبيرة. واعتقد بأن دلالات هذا الموضوع مهمة جدا؛ لأنها تؤكد ضعف التعكز على الولاءات القبلية للحصول على أصوات الناخبين.

موقف المرجعية هو تأكيد مرة أخرى على أن "لا ولاية للفقيه في العراق"

ومن الجوانب الأكثر أهمية التي يمكن عدها من أهم الرسائل الإيجابية في انتخابات 2018، تتمثل بكسر دائرة الاحتكار الطائفي ـ المناطقي، فمدينة الموصل التي تحررت من "داعش"، وسجلت أعلى نسبة مشاركة في الانتخابات، صوتت لصالح قائمة تحالف "النصر"، التي يتزعمها الدكتور حيدر العبادي، ولم تلتفت إلى أن رئيس القائمة شيعي من حزب إسلامي. إذ حصلت قائمة "النصر" على ما يقارب 20 في المئة من مجموع المقاعد المخصصة لمحافظة نينوى. وكذلك في محافظة الأنبار، فقد حصل مرشحو ائتلاف "النصر" على مقعدين من أصل 15.

اقرأ للكاتب أيضا: العراق: دولة للفساد فيها سلطان

بالإضافة إلى ما تقدم، يمكن القول بأن الانتخابات فرضت تحديا مهما جدا على الكتل السياسية الفائزة، وفي نفس الوقت أوجدت تقدما في فرص تصحيح المسار. ففيما يتعلق بالتحدي، فإنه يتمثل بضرورة إدراك وقراءة الرسالة التي أراد العراقيون إرسالها للطبقة الحاكمة، ومفادها أنكم لم تقدموا لنا شيئا على المستوى السياسي والاقتصادي، حتى نمنحكم الثقةَ مرة أخرى.

ومن ثم، فالتحدي الذي تواجهه التحالفات الانتخابية المتصدرة يكمن في تحقيق الإصلاح ومحاربة الفساد. فأزمة الثقة بين المواطن والطبقة الحاكمة تحتاج إلى خارطة طريق لردم الفجوة، لا إلى توسيعها بسياسات حزبية وفئوية تنظر إلى المناصب الوزارية كإقطاعيات لتوسيع القواعد الشعبية من خلال توزيع المناصب والوظائف.

ومن جانب آخر، تعد صدارة تحالف "سائرون" فرصة حقيقة لكسر دائرة احتكار تحالفات الإسلام السياسي الشيعي طوال خمسة عشر عاما مضت، فهذا التحالف لم يبن على أساس الأيديولوجيات السياسية، وإنما بني على أساس مطالب احتجاجية ودعوات لإصلاح النظام، وهذه التجربة بحد ذاتها ستواجه الكثير من التحديات ومحاولة التسقيط وعرقلة فرص نجاحها، إذ أن نجاحها يعني نهاية للاستقطابات الطائفية والقومية، والتي تعد بوابة للتدخلات الخارجية في دولة هشة مثل العراق.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG