Accessibility links

الرأسمالية: المؤسسة أولا! (10)


تزامنت نشأت الرأسمالية مع تغيير بطيء في المؤسسات المنغلقة الإقصائية التي سادت عبر التاريخ

بقلم جمال أبو الحسن/

من السمات الرئيسية في المجتمعات الإنسانية أنها تنظم نفسها في مؤسسات. المؤسسة، اجتماعية كانت أو سياسية أو اقتصادية، هي حصيلة ثقافة المجتمع وخبراته الجماعية وتجاربه المتراكمة. هي وسيلته في خلق تنظيمات تعينه على إدارة شؤونه. المؤسسة، بهذا المعنى، هي شيء عميق أشد العمق مرتبط بطبيعة المجتمع وشخصيته وتاريخه أشد ما يكون الارتباط. متى ترسخت المؤسسة يصير من الصعب تعديلها أو إصلاحها، ناهيك عن تغييرها أو تدميرها.

في كتاب "لماذا تفشل الأمم؟ (Why nations fail?)" لصاحبيه James A.Robinson وDaron Acemoglu، والذي أشرنا له في المقال الأخير من هذه السلسلة، تركيز على المؤسسة باعتبارها العامل الحاسم في التمييز بين الأمم الفاشلة الفقيرة، وتلك التي تحرز تقطع أشواطا في مضمار النمو والتقدم الاقتصادي. المؤسسة السياسية المنغلقة تفرز مؤسسات اقتصادية استغلالية لا تفيد سوى قلة قليلة، والعكس بالعكس.

العيب القاتل في المؤسسات الاحتكارية يكمن في أنها لا تخلق حافزا لدى الناس للابتكار والتجديد التكنولوجي

ولكن لماذا ـ من الأصل ـ تنشأ المؤسسات المنفتحة في دول من دون أخرى؟ ولماذا لا تستطيع دول الخروج من أسر الدائرة الجهنمية للمؤسسات الاقتصادية "الاستخراجية" المنغلقة؟

يجتهد الكتاب في تقديم إجابة بانورامية تعتمد على دراسة عشرات الحالات عبر التاريخ. في بعض الأحيان، نلاحظ أن المؤلفين يتعمدان لي عنق الظواهر التاريخية لإثبات نظريتهما. على أن هذه الرحلة البانورامية تظل مفيدة للغاية في فهم حقيقة الاتصال العضوي بين المؤسسة السياسية من ناحية، وطبيعة النظام الاقتصادي من ناحية أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية.. الاقتصاد أم السياسة؟ (9)

ربما كان المثال الأبرز في هذا الصدد هو الفرق بين الأميركيتين، الجنوبية والشمالية. في أميركا الجنوبية والوسطى، ترسخت ـ مع حضارات الإنكا والمايا والأزتيك ـ مؤسسات اقتصادية استخراجية جوهرها العمل بالسخرة. عندما وصل الإسبان في أوائل القرن السادس عشر قاموا بالاستفادة من نفس المؤسسات القائمة ـ بعد إزاحة القيادات ـ وتشغيلها في استخراج الفضة بالسخرة. كان من محصلة ذلك أن نشأ في بلدان أميركا الجنوبية، التي استعمرها الإسبان، نظام اقتصادي هرمي لا يفيد سوى نخبا مغلقة على ذاتها في السياسة كما في الاقتصاد. ترك هذا أثرا عميقا على التطور السياسي، ومن ثم الاقتصادي، لدول أميركا اللاتينية.

النظم المغلقة هي بطبيعتها عرضة للاحتراب الداخلي والصراع على السلطة. السبب واضح: هي نظم لا يستفيد منها سوى القلة وتحتكر مصادر الثروة والمفاتيح المؤدية إليها في المجتمع عبر رسم "قواعد مانعة" لدخول الآخرين إلى ملعب السلطة أو الثروة. من هنا يكون الإغراء كبير لتغييرها بالقوة. هكذا يمكن ـ مثلا ـ تفسير ظاهرة الانقلابات العسكرية في أميركا اللاتينية. غير أن المشكلة أن تغيير النظم المغلقة، حتى بالثورة عليها، لا يحل أزمتها. ذلك أن النخبة الثورية الجديدة سرعان ما ترث المؤسسات القديمة فتقوم بتشغيلها لصالحها، لتعود الدائرة المغلقة من جديد وإن بنخبة مختلفة. السر يكمن في تغيير قواعد اللعبة، لا فيمن يملك الملعب!

في المقابل، نرى تجربة أميركا الشمالية مختلفة أشد الاختلاف. عندما أنشأ البريطانيون أولى مستعمراتهم هناك (جيمس تاون) في نيوفرجينيا في 1606، كان واضحا أن نظام العمل بالسخرة لن يفلح. لم يكن ثمة سكان محليون يمكن إجبارهم على العمل. صار على المستعمرين الجدد أنفسهم تنظيم عملهم وليس "استخراج" الثروة من كد الآخرين. سرعان ما أنتج هذا الوضع مجالس عمومية للمدينة وجمعية عامة منتخبة بعد أن فشلت محاولة لتنظيم المجتمع الجديد على أساس أرستقراطي. وفرة الأرض جعلت إقامة نظام مثل هذا عملية مستحيلة. في 1720 صار لكافة المستعمرات الثلاث عشرة جمعيات عامة منتخبة شكلت أساس المؤتمر القاري الذي انعقد في 1773 من أجل الحصول على الاستقلال وكتابة الدستور.

هذا المسار، الذي يختلف جوهريا عن مسار أميركا اللاتينية، هو ما أنتج مؤسسة سياسية منفتحة في الولايات المتحدة. هو عامل جوهري في ترسخ المنظومة الرأسمالية هناك. السياسيون يكتبون قواعد النظام الاقتصادي. هم الذين يحددون ما إذا كانت القوانين تسمح للأغلبية بدخول حلبة المنافسة على الثروة الاقتصادية أم تبقى هذه الأخيرة في يد القلة. هم الذين يضعون القوانين التي تحمي الملكية الفردية وبراءات الاختراع وتضمن عدم الاحتكار. في آخر الأمر، المنظومة السياسية المنفتحة تتيح لجمهور واسع التأثير فيها من خلال معاقبة السياسيين بعدم انتخابهم مجددا. أي أنها تسمح للمصالح المختلفة في المجتمع بالتعبير عن نفسها وتحصين وجودها ضد تغول سلطة مستبدة تعمل لحساب فئة قليلة.

المنظومة السياسية المنفتحة تتيح لجمهور واسع التأثير فيها من خلال معاقبة السياسيين بعدم انتخابهم مجددا

والحال أن أغلب المجتمعات الإنسانية كانت "استخراجية" ومغلقة وتعمل لصالح فئة قليلة تسيطر على السلطة، ومن ثم الثروة. كانت هناك محاولات قليلة مضيئة لإقامة منظومات ومؤسسات شبه مفتوحة. من ذلك مثلا نظام الجمهورية الرومانية (حوالي 510 ق.م) التي قامت على نظام أرستقراطي شبه مفتوح فيه انتشار جزئي للسلطة، قبل أن يحدث انغلاق النظام مع التوسع الإمبراطوري. هناك أيضا حالة مدينة البندقية في العصور الوسطى المتأخرة ومطلع النهضة التي حكمتها أرستقراطية تجارية بنظام شبه مفتوح.

اقرأ للكاتب أيضا: الرأسمالية: شبح ماركس! (8)

على أن هذه الحالات تعد شذوذا عن القاعدة العامة التي تمثلت في سيادة المؤسسات الاحتكارية، للسلطة والثروة، لصالح القلة. العيب القاتل في هذه المؤسسات يكمن في أنها لا تخلق حافزا لدى الناس للابتكار والتجديد التكنولوجي وهو الأساس في توليد الثروة. على سبيل المثال، فإن مؤسسة مثل العبودية ـ وكانت سائدة في معظم حضارات العالم القديم ـ لا يمكن أن تنتج ابتكارا، إذ لا حافز لدى العبيد لابتكار شيء لن يغير من وضعهم في آخر الأمر.

لا يعني ذلك أن النظم المغلقة عاجزة عن توليد أي قدر من النمو. لقد استطاع الاتحاد السوفييتي، بنظام المزارع الجماعية وحشد الموارد للتصنيع تحت حكم ستالين، تحقيق نمو اقتصادي سريع منذ 1928 وحتى سبعينيات القرن الماضي. إلا أن هذا النمو يظل هشا وقابلا للانتكاس وله سقف لا يتجاوزه، ذلك أنه لا يوظف طاقة "التدمير البناء" في المجتمع وإنما يقوم على حشد الموارد للتصنيع من جانب الدولة.

تزامنت نشأة الرأسمالية مع تغيير بطيء في المؤسسات المنغلقة الإقصائية التي سادت عبر التاريخ. تغيير أتاح لها أن تصير، بالتدريج، أكثر انفتاحا أمام القادمين الجدد. في حالات نادرة استطاعت مجتمعات كسر دائرة المؤسسة المنغلقة التي تعيد إنتاج نفسها. نجحت هذه المجتمعات، لظروف تاريخية وتراكمات بطيئة في شكل مؤسساتها، في تغيير قواعد اللعبة!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG