Accessibility links

التصور العربي للاستعمار الغربي


في المتحف القبطي في القاهرة (أرشيف)

بقلم محمد المحمود/

منذ فجر التاريخ، وإلى حدود منتصف القرن العشرين تقريبا، كان منطق الغزو/ الاحتلال/ الفتح/ الاستعمار يتحكم في مجمل العلاقات بين الدول والشعوب، بل والقبائل، ولا يشذ عن ذلك إلا استثناءات قليلة عابرة؛ تؤكد هذه القاعدة ولا تنفيها.

فكون الأقوى يحتل الأضعف، ويستولي عليه، ويسخره لمطامعه، ويتصرف في مجاله الحيوي؛ لم يكن عملا مستنكرا من حيث هو واقع يتكرر باستمرار؛ حتى وإن احتاج ـ في بعض الأحيان، ولأسباب غير اعتيادية ـ إلى قليل من التبرير على مستوى الادعاءات العامة، والشعارات المعلنة. ولا يؤثر في تقرير هذه الحقيقة أن تكون هيمنة القوي على الضعيف حادة ومباشرة، بحيث يسود منطق القوة الخشنة، أو تكون الهيمنة ناعمة وغير مباشرة، تتوسل القوى الناعمة في سبيل إخضاع الآخر لمنطق إرادتها القاهرة.

إذن، في كل الأحوال، يمكن ملاحظة أن سعي القوي/ أي قوي لإخضاع الضعيف/ أي ضعيف؛ من أجل الهيمنة عليه واستغلاله، بالقوى الناعمة أو بالقوى الخشنة، لا يمكن أن يخلو من تبرير أخلاقي/ إقناعي. وهذا التبرير الذي يحاول خلق المشروعية قد يتوجه إلى جماهير الأنا: القاهر/ المستعمر/ الفاتح، وقد يتوجه إلى جماهير الآخر: المقهور/ المغلوب/ المستعمر/ المحتل، وقد يتوجه إليهما كليهما، بمنطق واحد أو بمنطقين مختلفين، يتقاطعان ـ تشابها ـ في كثير من الأحيان. غير أن طبيعة ودرجة الاقتناع لا بد وأن تختلف ـ بالضرورة ـ بين هذا الطرف وذاك، أي بين الغالب/ القاهر والمغلوب/ المقهور. فالموقع الذي يتموضع فيه المتلقي في سياق العلاقة بين هذا وذاك، يحكم طبيعة التصور/ المتخيل عن "واقعة الاستعمار" إلى حد بعيد.

إن سعي القوي لإخضاع الضعيف من أجل الهيمنة عليه واستغلاله بالقوى الناعمة أو بالقوى الخشنة، لا يمكن أن يخلو من تبرير أخلاقي/ إقناعي

لكن، قبل أن نقارب التصور العربي للاستعمار الغربي، لا بد أن نقارب التصور الآخر المقابل، أي تصور أولئك الذين استعمرهم العرب في فترة ما من فترات التاريخ القديم. بهذه المقابلة ستكون الصورة أوضح؛ خاصة عندما ندرك أن مشاعر الرفض الأولية للقادم الأجنبي/ الغربي/ الغازي/ الفاتح هي مشاعر شبه طبيعة، تتكرر؛ بصرف النظر عن طبيعة الفاتح/ الغازي/ المستعمر؛ إذ يكفي كونه كذلك ليكون محل رفض ونبذ وكراهية، بل وتشويه متعمد، تشويه فيه كثير من الحقائق، بقدر ما فيه كثر من الأباطيل.

اقرأ للكاتب أيضا: هل أنت عنصري؟

الباحث القدير حسام عيتاني في كتابه: (الفتوحات العربية في روايات المغلوبين) حاول أن يعرض وجهة نظر الآخر في الغزو/ الفتح/ الاستعمار العربي لكثير من بلدان العالم القديم. فهذا الفتح هو في نظر أصحابه/ نحن ـ وفق ما يتكرر في أدبياتنا التاريخية والأدبية والدينية ـ شيء إيجابي، لا في عوائده علينا، أي على الغزاة الغالبين (فهذا ظاهر وطبيعي)، وإنما حتى على المغلوبين المقهورين. فنحن نفترض، أو ندعي، أو نتخيل أنهم فرحون مبتهجون بقدومنا ـ كغزاة ـ لأراضيهم، وأنهم حتى وإن لم يعرفوا ويعترفوا بإيجابياتنا وبفضلنا عليهم في المدى القريب؛ فلا محالة أنهم سيعترفون بها في المدى البعيد.

لو أننا قمنا في قراءتنا هذه بعملية تبادل للأدوار في كلا المرحلتين التاريخيتين؛ لوجدنا أن للغزاة، كل الغزاة، منطقا خاصا، وللمغلوبين المقهورين، كل المغلوبين منطقا خاصا، يتكرر هنا وهناك؛ بصرف النظر عن هوية هؤلاء وهؤلاء. وهذا ما تنبه له عيتاني حين قال ص243: "فالقسمة التي عانى منها العالم القديم كانت بين فاتحين لا تختلف مقاصدهم كثيرا عن كل الفاتحين الذين سبقوهم وبين أهالي المناطق والدول التي تعرضت للفتح". لكن، تبقى مشكلة كل فاتح/ غاز أنه يعتقد أنه استثناء، بل وأن على المقهورين أن يتعاملوا معه كاستثناء، ويغضب أشد الغضب إذا ما وضعوه في خانة الغزاة القاهرين المستعمرين.

كنتيجة طبيعية للضمور الشديد في الموضوعية العلمية/ التجرد المعرفي في البحوث التاريخية على امتداد عالمنا العربي؛ ينظر كثير من العرب اليوم إلى ذلك التاريخ البعيد، تاريخهم الإمبراطوري، بصورة ذاتية، بل مغرقة في ذاتيها. ولهذا كانت مقاومة الاستعمار الغربي الحديث في تصورهم ظاهرة مرتبطة بتوصيف هوية المستعمر، لا بواقعة الاستعمار ذاتها. أي لا يرفضون الاستعمار بحد ذاته؛ من حيث هو استعمار/ احتلال، وإنما يرفضونه لأنهم أصبحوا من ضحاياه؛ ولأن الطرف الآخر/ الغالب لا ينتمي إلى دوائر انتمائه الأولى، بدليل تسامحهم مع الاستعمار التركي الذي امتد لأكثر من أربعة قرون.

إذا وعينا أبعاد هذه الأزمة المعرفية عند العرب؛ استطعنا أن نفهم موقفهم السلبي جدا من الاستعمار الحديث، وهو الموقف الذي ضيع عليهم كثيرا من الفرص السانحة التي كانت تتوفر في كثير من أحيان، بل وضيع عليهم الفرصة الأهم، وهي فرصة الانعتاق السلمي والسلس والتدريجي من الاستعمار التركي ومن الاستعمار الغربي في آن واحد؛ بأقل قدر من الخسائر، وبأكبر قدر من المكاسب.

طبعا، هذا لا يعني توصيفا سلبيا ولا إيجابيا للاستعمار بالمطلق، لا استعمار العرب لغيرهم في القديم، ولا استعمار غيرهم لهم في الحديث. ليس المقصود هنا إلا أن نرى الأشياء كما هي؛ بعيدا التزييف الذي يرافق ـ حتما ـ عملية التجييش التي تستهدف مقاومة الغزاة/ الفاتحين من كلا طرفي الصراع.

لقد قاوم أولئك الذين تضرروا من الفتح العربي القديم هذا الذي نعده نحن العرب فتحا، قاوموه في فارس وشام ومصر والأندلس... إلخ إلى درجة أنهم استعانوا بكل أحد في سبيل التخلص من قهر القاهر، حتى استعانوا بأولئك الثائرين على الدولة العربية من داخلها، توهما منهم أن الأمور ستتغير لصالحهم بتغير أشخاص القاهرين. يقول عيتاني: "وبلغ انتظار المصريين الخلاص من الحكم الأموي حدا جعلهم يرون أن ملاك الرب حامل قضيب من ذهب وفي طرفه صليب نصر أبي مسلم الخرساني، قائد الصورة العباسية، على جيوش الأمويين، وذلك قبل أن يصابوا بخيبة أمل شديدة جراء استئناف سياسة الضرائب المرهقة في مطلع العصر العباسي" (الفتوحات العربية في روايات المغلوبين ص133،134).

اقرأ للكاتب أيضا: الليبرالي العنصري!

وكما كان أمل الخلاص من الاستعمار العربي حاضرا على مستوى المتوقع/ المأمول/ الأحلام، فلم يقف الأمر عند حدود الانتظار السلبي. لقد كان ثمة إجراءات احترازية متوجسة ذات طابع عملي، تحاول مقاومة التمدد الثقافي والديني للعرب الفاتحين. فمثلا، يذكر عيتاني أن المستعربين المسيحيين في الأندلس "الذين تبنوا اللغة والثقافة العربيتين وظلوا على إيمانهم المسيحي، شكلوا حالة مقلقة بالنسبة إلى قسم من الكنيسة التي أرادت تأكيد الانفصال الديني والقومي عن الحكم الإسلامي" (المصدر نفسه ص261،262). وقد تبعوا ذلك بإجراءات عملية تؤكد الانفصال والتمايز؛ حتى لا تذوب الأنا في الآخر.

يلمح كل قارئ للتاريخ القديم والحديث التشابه بين الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربي

وهذا سلوك سيتكرر لاحقا، ولكن على الضفة الأخرى وفي الزمن الآخر، حيث يصبح التأثر بثقافة الغرب/ التغريب في العصر الحديث خطرا داهما، تستنفر القوى القومية والدينية جهدها للحد منه، وتسعى لإقامة الفواصل/ الموانع المادية والمعنوية/ النفسية؛ حتى لا تكتسح الثقافة القاهرة المهيمنة ثقافة المقهورين؛ فتقل حدة التمايز/ المفاصلة، وبالتالي تضعف عندهم إرادة المقاومة المتسمة بالعنف المادي، وهي المقاومة التي تشترط قدرا عاليا من الكراهية والعداء؛ حتى يكون ثمة تبرير منطقي ونفسي لما يبذل من أعمال مضنية وتضحيات كبرى تلامس السقف الأعلى لما يمكن أن يتحمله الإنسان.

إن هذا التشابه بين الفتوحات الإسلامية والاستعمار الغربي يلمحه كل قارئ للتاريخ القديم والحديث. وقد تطرق إليه عيتاني (ص265) مستعينا برأي (المستشرق الأميركي جون فيكتور) تولان الذي يرى أن كثيرا من المتشابهات تكتنف الظاهرتين، منها أن كلا منهما حمل "رسالة"، هي خلاصية دينية في الحالة العربية، وهي "تحضيرية تنويرية" في الحالة الأوروبية، وأن كلا الرسالتين كانتا استجابة لحاجات الشعوب التي ظهرت فيها، دون أن تكون مهتمة بالشعوب التي استهدفتها الفتوحات قديما وحركات الاستعمار حديثا.

لكن، وللأسف، المؤلف لا يأخذ هذه المقارنة إلى مداها الأبعد؛ ربما لدوافع قومية! أقصد أن ثمة فروقات عند المقارنة، هي لصالح الاستعمار الغربي في كثير من الأحيان؛ لكن من غير أن يعني ذلك أنه توفر عليها أصالة، بل هي كذلك بحكم اختلاف السياق التاريخي.

ففي القديم كانت المواجهة حادة، خاصة عندما يتصل الأمر بالمقدس الديني. فمثلا، لو قام المغلوب بانتقاص دين الغالب فإنه يقتل في الحال (انظر كمثال: حركة شهداء قرطبة)، ولقد كان الغالب في حال الغضب ـ لتمرد أو لغيره ـ يعاقب المهزومين/ المستعمرين بتدمير بيوت العبادة، وقد يبطش بالزعماء الدينيين، ويفرض الضرائب المجحفة دونما رادع، وغالبا ما كان يسبي النساء والأطفال، فضلا عن الرجال، ويبيعهم في أسواق النخاسة... إلخ.

وهذا لم يحدث في حالة الاستعمار الغربي للعالم العربي، إذ كانت دور العبادة محترمة، ورجال الدين غير مهانين؛ ما لم يصدر منهم تحريض على العنف المادي، والناس في بيوتهم غير مروعين؛ ما لم يشتركوا في تمرد معلن... إلخ الإيجابيات التي تتحدد إيجابيتها بمحض المقارنة بين احتلال قديم واحتلال حديث؛ لا بكونها كذلك في الأصل؛ إذ يبقى الاحتلال ـ أي احتلال ـ اختراقا غير إنساني لحق الشعب ـ أي شعب ـ في الاستقلال التام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG