Accessibility links

ديهيا الأمازيغية.. حاكمة أم كاهنة؟


صورة رمزية للكاهنة ديهيا وفي الخلفية العلم القومي للأمازيغ

في القرن السابع الميلادي، زحف الجيش العربي على شمال أفريقيا. كان هدف فرسان الصحراء واحدا: التهام المزيد من أراضي الإمبراطورية البيزنطية لنشر الإسلام. لعبت العقيدة الجديدة دور الوقود في حروب المسلمين ضد امبراطوريتين معلولتين بنهاية القرن السابع: الرومان والفرس.

ورغم الحماس الديني الكبير للجيوش العربية، إلا أن غزوها لشمال أفريقيا تعثر مرارا بسبب النزاع الداخلي المرير بين شيعة علي ومؤيدي معاوية حول الخلافة. قتل الإمام علي في 661م، وهو العام الذي استقر فيه المُلك بيد معاوية، لكن حدود الدولة الإسلامية غربا توقفت عند منطقة برقة الليبية.

في عام 688م، استأنف الخليفة عبد الملك ابن مروان الغزوات العربية لإركاع الشعوب المغلوبة. وقد تزعم القائد العربي حسان بن النعمان الغزوات على شمال أفريقيا. في وقت وجيز، استطاع احتلال مدينة القيروان، وطرد بقايا البيزنطيين من قرطاج. بيد أن جيشه تعرض لهزيمة مُفجعة أمام عساكر تقودهم مقاتلة شرسة توّجها أمازيغ جبال الأوراس (بالجزائر حاليا) على عرشهم.

تُدعى ديهيا، لكن المرويات العربية أطلقت عليها "الكاهنة". استطاعت هذه المرأة القوية في 689م أن توحد القبائل الأمازيغية المشتتة لصد الجيوش العربية. ورغم انتصارها الذي نقله مؤرخون عرب، مثل الواقدي وابن خلدون، بعبارات يختلط فيها الواقعي بالأسطوري، إلا أن هذه الملكة تعرضت بعد ذلك بخمس سنوات لمصير تراجيدي.

يهودية تقود الأمازيغ؟

يعتقد المؤرخ العربي عبد الرحمن ابن خلدون أن جزءا من أمازيغ شمال أفريقيا كانوا يهودا. ويرجع أصولهم إلى خليط من الشعوب الفينيقية والكنعانية. وفي مواضع أخرى من مجلده الضخم "العبر"، يذهب إلى أن بعضهم ينحذر من مملكة حمير اليمنية (110 قبل الميلاد-527 ميلادية).

ويعود ابن خلدون، في فصول أخرى، للحديث عن ملكة يهودية شجاعة قادت قبيلة جراوة الأمازيغية لإلحاق الهزيمة بالعرب. يقول: "كانت زناتة أعظم قبائل البربر وأكثرها جموعا وبطونا، وكان موطن جراوة منهم بجبل أوراس (..) وكانت رياستهم للكاهنة دهبا بنت (..) وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربّوا في حجرها".

ويضيف: "لما انقضى جمع البربر وقُتل كسيلة (ملك أمازيغي قتله جيش المسلمين) رجعوا إلى هذه الكاهنة بمعتصمها من جبل أوراس، وقد ضوى إليها بنو يفرن، ومن كان بأفريقية من قبائل زناتة وسائر البتر، فلقيتهم (العرب) بالبسط أمام جبلها وانهزم المسلمون، واتبعث آثارهم في جموعها حتى أخرجتهم في أفريقية (تونس)".

وعن سبب تسميتها بالكاهنة، يرى ابن خلدون أن ديهيا "كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوال قومها، ما جعلها تتولى عرشهم". لكن مؤرخين آخرين يرون أن العرب حاولوا "تبخيس" نصرها عليهم باتهامها بالسحر والشعوذة، في حين اعتلت بجدارة العرش بأصوات مجلس القبائل (تقليد أمازيغي قديم) وحكمت لمدة 35 عاما.

أما المؤرخ الإسرائيلي المعروف شلومو ساند فيعتقد أن أمازيغ شمال أفريقيا كانوا يهودا غير أرتوذوكس، لهذا ولوّا ديهيا مرتبة دينية، وهو شيء يتنافى مع التعاليم الحاخمية اليهودية. ويضيف: "كانت امرأة قوية، ورغم محاولات تشويهها، إلا أن المؤرخين العرب دوّنوا شجاعتها ضد الغزاة".

وأول من طبع اسم "الكاهنة ديهيا" في الأذهان هو المؤرخ المتخصص في دراسة يهود شمال أفريقيا ناحوم سلوشز (1872- 1966). فقد نشر في 19099 مقالتين عن اليهود الأمازيغ، بينما نشر مقالا بكامله عن الأصل العرقي للكاهنة. يعتقد سلوشز أن اليهود الأمازيع قدموا بأعداد كبيرة من القدس إلى شمال أفريقيا، مضيفا أن "الكاهنة كانت ملكة مقاتلة، وأصولها يهودية".

لباس الأمازيغ في المناطق الجافة
لباس الأمازيغ في المناطق الجافة

وفي 1939 ألف هذا المؤرخ كتابا بعنوان "ديهيا الكاهنة"، مؤكدا لأول مرة أن اسمها اليهودي هو "جوديت الكاهنة Judith the Priestess"، وبما أن اسم كوهن يعني الكاهن، فإن اسمها خرج من جذر لفظ "الكهانة". ويضيف: "حتى قومها جراوة ينحدرون من أصول يهودية واسمهم الحقيقي هو Gera، وهم شعب إسرائيل القادم إلى شمال أفريقيا من مصر عبر ليبيا".

سلوشز هو أيضا أول من قدم أوصافا للملكة ديهيا: "إمرأة جذابة وقوية. جميلة كالحصان وشديدة البأس مثل أي مصارع". ثم لاحقا قارنها بأيقونة الجيش الفرنسي خلال حرب المئة عام (1337-1453) جان دارك Jeanne d'Arc. وعن حياتها، يقول سلوشز: "انخرطت في الحب بكل عنفوانها، وتزوجت ثلاث مرات".

من جانب آخر، يرى المؤرخ الإسرائيلي حاييم هيرشبورغ (1903-1976) أن أمازيغ شمال أفريقيا اعتنقوا اليهودية، وليسوا عرقا يهوديا خالصا. وقد قطع الطريق عن استنتاجات ناحوم سلوشز بأن اليهود قدموا من القدس، وأيضا نفى حديث ابن خلدون على أن أصل الأمازيغ من مملكة حمير اليمينة الغابرة.

ولدى هيرشبورغ نظرية مختلفة تماما لأصل "الكاهنة". يقول في كتابه "تاريخ يهود شمال أفريقيا": "ليس اسمها يهوديا، ولا توجد أية إيحاءات لاسمها. إن اسمها هو كاهيا، وقد قرأه الكتاب العرب خطأ، فكتبوا الكاهنة عوض كاهيا".

مصير تراجيدي

بعد النصر الذي حققته الملكة ديهيا على العرب في معركة جبال الأوراس، تراجع ما تبقى من جيش حسان بن النعمان إلى برقة الليبية. كانت ديهيا تدرك أن الانهزام مرحلي، فحسان بن النعمان لن يتوقف حتى يفتح ما تبقى من بلاد المغرب. وبالفعل، فلم تمر خمس سنوات حتى رجع العرب في جيش ضخم.

يؤكد شلومو ساند أن ديهيا اعتمدت في هذه الحرب الخطيرة على سياسة الأرض المحروقة. "كانت تدرك أن العرب يبحثون عن الغنائم، فقامت بحرق القرى والمدن والمحاصيل الزرعية على الساحل، وهي تتراجع غربا مبتعدة عن الجيوش العربية".

في 694م، انسحقت عساكر ديهيا بفعل القوة العددية الهائلة للجيوش العربية وحداثة آلاتهم الحربية. قُتلت ديهيا في مكان يدعى اليوم "بئر الكاهنة" وحُمل رأسها إلى بغداد، بينما التحق اثنان من أبنائها بجيش المسلمين، حسب ابن خلدون.

لم يحتفظ التاريخ بالكثير عن ديهيا، لكن المؤرخين العرب أمثال الواقدي وابن عبد الحكم وأحمد البلاذري نقلوا مرويات مختلفة عن البطلة. وقد نامت هذه الشخصية الأمازيغية في دفائن الكتب حتى جاء الاستعمار الفرنسي إلى شمال أفريقيا فبعثها من الرماد.

رقصة أحواش في جنوب المغرب
رقصة أحواش في جنوب المغرب

يقول شلومو ساند: "في المرحلة الاستعمارية بعث الكتاب الفرنسيون هذه الملكة الأمازيغية اليهودية المنسية من كتب التاريخ"، مضيفا أن الهدف من إعادة تدوير أسطورة ديهيا هو "محاولة التودد للأمازيغ وإظهار العرب كغزاة احتلوا شمال أفريقيا بالقوة، وواجهوا نتيجة ذلك مقاومة شرسة من السكان الأصليين".

وكان المؤرخ والسياسي الفرنسي إرنست ميرسييه يدفع بنسخة أخرى عن المعركة التي قتلت فيها الكاهنة، ملمحا إلى أن "فرنسا هي التي ستحرر الأمازيغ من المحتل العربي".

وفي مقال لها بعنوان "الكاهنة: الوجه الأمازيغي للتاريخ"، تقول الخبيرة في تاريخ الأمازيغ بجامعة بوسطن سانتيا بيكر: "منذ القرن 19، تعرضت المرويات بشأن الكاهنة لإعادة الكتابة والاعتماد والتحوير من قبل جماعات سياسية مختلفة للدفاع عن قضاياها".

وبالفعل، فقد استخدمت الكاهنة من قبل الكتاب الإسرائيليين للحديث عن امتداد مملكة إسرائيل سابقا، وانتشار اليهودية في شمال أفريقيا، بينما وظفتها القومية العربية، وأيضا جماعات الضغط الأمازيغية للدفاع عن حقوقها الثقافية والتاريخية في أرض الأجداد.

الأديب الجزائري كاتب ياسين، واحد من الذين حاولوا إعادة كتابة أسطورة الكاهنة، وفق تصوره الأيديولوجي لشمال أفريقيا. كغيره من المثقفين الأمازيغ يقف ياسين أمام قومه وقد "ضاعت" هويتهم بين الإمبراطوريات التاريخية. وعندما لم يجد من يُحمّله مسؤولية هذه التمزق الهوياتي، وجد الكاهنة كآخر أيقونة قد تحمي هذه الثقافة من التهميش والاندثار.

الروائي الجزائري كاتب ياسين
الروائي الجزائري كاتب ياسين

يقول في قصيدة شعرية في كتابه "حرب الألفي سنة":

الفارس الأول: للمرة الأخيرة انصتي يا كاهنة يا ملكة البربر ...

ديهيا (للمزارعين) : ينادونني بالكاهنة وينادوننا بالبربر، كما كان الرومان ينادون أجدادنا.

برابرة، بربر هي الكلمة ذاتها، تماما كباقي الغزاة. ينادون الشعوب التي يضطهدونها البرابرة، تحت ذريعة أنهم يريدونها أن تتحضر، في حين أنهم ينهبون أرضنا.

الملكة حية في الوجدان

رغم كل ما قيل عن المرويات العربية بشأن الكاهنة، إلا أن اسمها لم يكن ليدخل التاريخ لولا الإخباريين العرب. فرغم ما رافق ذكر هذه الملكة الأمازيغية، إلا أن جل الروايات تتفق على وجود هذه الشخصية، التي أضحت في السنوات الأخيرة أيقونة لنضال الأمازيغ من أجل الاعتراف بثقافتهم.

تقول المؤرخة سانتيا بيكر: "أصبحت الكاهنة شخصية شعبية وسط النشطاء الأمازيغ في شمال أفريقيا. لقد شيّدوا تمثالا يخلد ذكراها في الجزائر (..) أضحت الكاهنة ترمز لأمازيغ كشعب يرفض الخنوع. أحرار ومستعدون للكفاح من أجل الحرية ضد الغزاة الأجانب".

الحركات النسوية أيضا في العالم الثالث وظفت الكاهنة كرمز لقوة المرأة، وأيضا للنضال المرير من أجل تحقيق المساواة بين الجنسين. وخلال النصف الثاني من القرن الماضي، تحولت لوحة المستشرق والفنان الفرنسي إيبوليت لوكونت (1781-1857) عن الكاهنة إلى الصورة المدموغة في أذهان المعجبين بهذه الشخصية التاريخية.

الملكة الأمازيغية ديهيا
الملكة الأمازيغية ديهيا

تظهر اللوحة سيدة تقف بذراع عارية ترمز للقوة، بينما تطلق نظرة مائلة وكأنها تُقيّم حجم التهديد القادم من الشرق. "أثوابها الحمراء دلالة على الشجاعة والتضحية، ومجوهراتها من الطراز الأمازيغي المحلي. وفي الخلفية بئية صحراوية قاحلة"، تقول سانتيا بيكر، مضيفة: "هذه اللوحة تكشف الصور النميطة والقوالب الجاهزة التي كان يحملها المستشرقون عن المنطقة، لكن هذا لم يمنع النشطاء الأمازيغ من إعادة إنتاج هذه اللوحة على شكل صور تملأ المنتديات والمواقع الإلكترونية للتأكيد عن شجاعة المرأة الأمازيغية وقدرتها على الزعامة السياسية، قبل دخول إلى الإسلام إلى المنطقة".

وفي 2003، دعا نشطاء أمازيغ في بلدية بغاي بمنطقة الأوراس الجزائرية، الحكومة إلى إعادة ترميم أطلال قلعة محلية نسبوا تشييدها إلى الكاهنة، عندما كانت تحاول منع الجيوش العربية من التقدم واحتلال الأوراس.

وفي العام نفسه، أقامت جمعية أوراس الكاهنة بتنصيب تمثال طوله 1.80 سنتمتر لبطلتهم القومية وسط بلدية بغاي. وقد صممت مدرسة الفنون الجميلة بالجزائر هذا التمثال الضخم، ليصوّر ديهيا في شكل سيدة قوية بملابس جريئة من دون أكمام، في حين ترفع ذراعها اليمني في الهواء، رمزا للتحدي. وقد حضر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، آنذاك، حفل تنصيب التمثال، في خطوة اعتبرها الإعلام محاولة حكومية لاسترضاء النشطاء الأمازيغ في المنطقة.

المصدر: أصوات مغاربية

  • 16x9 Image

    محمد أسعدي

    حصل محمد أسعدي على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. اشتغل صحافيا بجرائد كبيرة في المغرب مثل أخبار اليوم والعلم، وصحافيا بقسم التحقيقات بجريدة المساء واسعة الانتشار. كما اشتغل في الراديو وعمل مراسلا لمجموعة من المؤسسات الإعلامية الدولية منها الدوتشيه فيليه الألمانية.

    قبل أن يلتحق بموقعي قناة "الحرة" و"راديو سوا" في واشنطن، شارك أسعدي في العديد من الدورات التدريبية حول الإعلام الجديد داخل المغرب وخارجه، وحصل على شهادة الامتياز من الشبكة الألمانية الدوتشيه فيليه في مدينة بون الألمانية.

XS
SM
MD
LG