Accessibility links

القاعدة وجماعات مسلحة في الأنبار تستخدم أموالا أميركية لشراء السلاح وإدخال المقاتلين الأجانب


كشف تقرير للمؤسسة الصحفية الأميركية ماكلاتشي أن جماعات مسلحة في الأنبار، من بينها القاعدة، مولت عملياتها جزئيا عن طريق ابتزاز المقاولين الذين يحصلون على عقود إعادة الاعمار الممولة من القوات الأميركية.

وذكر التقرير أن المقاولين الفائزين بمناقصات المشاريع من القوات الأميركية كانوا يدفعون مبالغ طائلة تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات للجماعات المسلحة، مقابل سماح تلك الجماعات لهم بالعمل ومرور المواد الخام التي يحتاجونها لإتمام مشاريعهم.

ومن المقرر تنفيذ 200 مشروع بعد الاتفاق الذي عقدته القوات الأميركية مع بعض عشائر الأنبار لمطاردة عناصر القاعدة، مما أثار مخاوف المقاولين والسياسيين مجددا من أن تنتهي الأموال المستثمرة في جيوب التنظيمات المسلحة وعلى رأسها تنظيم القاعدة في العراق.

" الأميركيون يسلمون المقاولات إلى الارهابيين وزعماء العصابات "

يقول الشيخ علي حاتم علي سليمان نائب زعيم عشائر الدليم في تعليق للصحيفة: "ها نحن نعود لنفس القصة القديمة، الأميركيون يسلمون المقاولات إلى الارهابيين وزعماء العصابات".

وأشارت الصحيفة إلى أن الشيخ سليمان الذي تولى تنفيذ عدة مشاريع أميركية خاصة بإعادة إعمار الأنبار في السابق، بات اليوم من معارضي الوجود الأميركي.

وذكرت الصحيفة أن السفارة الأميركية في بغداد رفضت الرد على أسئلتها حول هذا الموضوع، إلا أن نواه ميلر المتحدث باسم السفارة بعث برسالة إلكترونية قال فيها: "في تعاملاتنا مع المقاولين، إننا نقوم بعملية مراجعة دائمة لضمان عدم حدوث أية خروقات أو تجاوزات، وكل شركة يتم التعاقد معها مسؤولة عن توفير الأمن للمشروع الذي تقوم بتنفيذه".

و"توفير الأمن" هو بالضبط المدخل للابتزاز الذي يتعرض له المقاولون العراقيون حسب قولهم.

50 في المئة نقدا للمسلحين

فالشركة الأميركية التي تفوز بالمناقصة تقوم بتكليف شركة عراقية لنقل المواد اللازمة لتنفيذه على مسار الطرق ذاتها التي يسيطر عليها المسلحون، وهكذا يضطر المقاول العراقي الى رفع الأسعار بنحو أربعة أضعاف التكلفة المتعارف عليها، لأنه مجبر على دفع 50 في المائة أو أكثر من قيمة العقد إلى المسلحين الذين لا يقبلون إلا الأموال النقدية مقابل تأمين الحماية لقوافل الشاحنات التي يستخدمها المقاول.

ويقول برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي إن المسلحين يوفرون الحماية لشاحنات قد تبلغ قيمة حمولتها 10 آلاف دولار مقابل حصولهم على "رسوم" للخدمات التي يقدمونها، وأحيانا يستولون على حمولة تلك الشاحنات، علاوة على المبالغ النقدية لشراء السلاح والمركبات.

اكتفاء ذاتي

ويضيف صالح قائلا، إن العنف في العراق أوجد مصدرا تعتمد عليها الجماعات المسلحة لإدامة وجودها ماليا، وهو ما يوفر لها الاكتفاء الذاتي، مشيرا إلى أن تجنب الفساد أمر أشبه بالمستحيل في هذه الحالة.

ويقول صالح: "إن بعض هذه المشاريع تكلف أكثر من قيمتها الحقيقية ولكن رغم وخز الضمير، فأنا أعتقد أنها تستحق التضحية"، مضيفا "أنا رجل واقعي عندما انظر إلى الخيارات المتاحة أمامي، هل أستطيع انجاز مشروع في ظروف نظيفة 100في المئة؟ الجواب هو كلا، ولكن هل ستجبرني هذه الظروف على التراجع؟ بالطبع لا".

" ما زال المسلحون يسيطرون على طرق الامدادات في المحافظة، مما يجعل تنفيذ أي مشروع أمرا مستحيلا بدون توفير الحماية من قبلهم "

وبالرغم من كل الانجازات العسكرية التي حققتها القوات الأميركية في ضرب طرق إمداد المسلحين في الأنبار، إلا أن هؤلاء وحدهم أحيانا، وبالتنسيق مع بعض العشائر أحيانا أخرى، ما زالوا يسيطرون على طرق الإمدادات في المحافظة، مما يجعل تنفيذ أي مشروع أمرا مستحيلا بدون توفير الحماية من قبلهم.

تهريب مقاتلين وأسلحة من سوريا

وقال سياسي عراقي بارز رفض أن تنشر الصحيفة اسمه وله معرفة شخصية بنظام العقود والمقاولات الحالية، إن المسلحين يقومون أيضا بدفع رشى لحرس الحدود السوريين ليغضوا النظر عن تهريب الأسلحة والمقاتلين الأجانب إلى داخل العراق.

ويضيف المسؤول قائلا: "كل مقاول في الأنبار يعمل مع القوات الأميركية ولا يتم قتله خلال شهر واحد، فهو يدفع أموالا للمسلحين، وجميع المقاولين في المحافظة مخترقين من قبل الجماعات المسلحة ويدفعون نصف قيمة العقود إليها".

ويقول وزير الخارجية هوشيار زيباري إنه على علم بـ "الضريبة" التي يتم دفعها للمسلحين في الأنبار ولكنه ليس من الواضح كم هي كمية الاموال التي تذهب الى الجماعات المسلحة وكم هي الأموال التي تذهب إلى "الشيوخ الانتهازيين الذين يديرون بعض المقاولات لحسابهم الشخصي".

ويضيف زيباري قائلا للصحيفة الأميركية "هذا جزء من الضرائب التي تفرض على الشاحنات في جميع هذه المحافظات، ولكن من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه الأموال تذهب مباشرة إلى الجماعات المسلحة".

وفي شهر يوليو/ تموز الماضي انتهت الحكومة الأميركية من تنفيذ 3,300 مشروع في الأنبار بكلفة 363 مليون دولار، وهي في طريقها لتنفيذ 250 مشروعا بكلفة 353 مليون دولار، حسب ما أكدته السفارة الأميركية في بغداد.

مشاريع لم تنجز

وعرض الشيخ علي حاتم سليمان صور المشاريع التي لم يتمكن من اتمامها وهي مدرستان ومستشفى ومحطة لتصفية المياه، وعزا سبب فشله في إتمام هذه المشاريع إلى "الارهابيين الذين يعملون تحت مرأى ومسمع من المسؤولين الأميركيين والعراقيين".

ويضيف الشيخ سليمان قائلا: "هؤلاء المقاولون يجب أن يدفعوا أموالا للقاعدة، وبصراحة إن المسلحين هم الذين يسيطرون على المقاولات في الأنبار، وحتى الآن، فإن عمليات النهب والسرقة مستمرة، ولا أعرف أين تذهب كل هذه الملايين".

ولم يوافق أي مقاول عراقي على نشر اسمه في الصحيفة خشية أن يفقد عقود عمله مع الأميركيين، أو من انتقام الجماعات المسلحة، وبعض الذين تمت مقابلتهم مازالوا يتلقون أموالا من القوات الأميركية في الفلوجة أو الرمادي، والبعض الآخر فر إلى دول الجوار أو الدول الأوروبية بعد أن وجد أن العمل خطرا أكثر من اللازم.

ويقول مقاول ما زال يعمل بعقود طويلة الأمد مع شركات أميركية كبيرة في الأنبار، إنه يقوم مباشرة بخصم هذه الأموال ووضعها تحت بند "تكاليف أمنية ولوجستية".

" الأميركيون يعتقدون أننا نقوم بالاستعانة بخدمات شركة أمنية، ولكن ما نقوم به فعلا هو شيء آخر تماما، "

ويضيف قائلا: "الأميركيون يعتقدون أننا نقوم بالاستعانة بخدمات شركة أمنية، ولكن ما نقوم به فعلا هو شيء آخر تماما، وهذا ما يحدث منذ أول يوم عملت فيه مع الأميركيين".

ويقول مقاول آخر فاز بعقد مع القوات الأميركية لتنفيذ مشروع في مدينة الرمادي، إنه واجه خيارين عندما أراد جلب عمال ومكائن ثقيلة ورافعات من بغداد إلى الأنبار، إما أن يستعين بخدمات شركة أمنية يدفع لها 6000 دولار لتأمين كل شاحنة، أو يدفع إلى العشائر التي لها ارتباطات بالجماعات المسلحة.

واختار المقاول الخيار الثاني، وفاز بعقد بقيمة 120 ألف دولار مع أنه لا يستحق أكثر من 20 ألف دولار، معللا ذلك بالقول إن المسلحين ما فتئوا يذكّرون الجميع بوجودهم، مرة عن طريق خطف السائق أو مصادرة الشاحنة، ويكون المقاول محظوظا عندما يتم إعادة شاحنته بعد دفع المبلغ المطلوب منه للمسلحين.

ويضيف المقاول إن المسلحين هم الذين يسيطرون على الطرق بدلا من الأميركيين، وخاصة تلك التي تربط العراق بالأردن وسوريا.

ويذكر مقاول آخر أنه فضّل خيار التعامل مع شيوخ بعض العشائر بدلا من المسلحين، حيث يقوم بدفع الأموال لهم لشراء احتياجاته من داخل الأنبار بدلا من جلبها من بغداد، وهم بدورهم يقومون بتوثيق عملياتهم بالصور ليثبتوا له أنهم يقومون بصرف أمواله بطريقة صحيحة، مضيفا أن مثل هذا السيناريو نادر الحدوث وخطر جدا.

20 ألف دولار للمقاول.. و100 ألف للمسلحين

وقال المقاول إنه وقع مؤخرا على عقد لينقل بموجبه شحنة من أكياس الرمل إلى قاعدة عسكرية في الأنبار، ولأن نسبة المخاطرة عالية جدا، فقد طلب 120 ألف دولار مقابل هذه الصفقة، مؤكدا أنه دفع منها نحو 100 ألف دولار للمسلحين.

ويقول مترجم عراقي عمل مع شركة تيتان الأميركية منذ عام 2004 وحتى مغادرته إلى دولة الامارات العربية المتحدة عام 2006 إنه صعق عندما رأى شيوخ الشعائر المرتبطين بالجماعات المسلحة يوقعون على عقود إعادة الإعمار مع القوات الأميركية.

ويؤكد فوزي حريري رئيس اللجنة الحكومية لإعادة إعمار الأنبار أن بعض أموال العقود الخاصة بإعادة الإعمار تذهب بالتأكيد إلى جيوب المسلحين، ما عدا مواقع المشاريع التي تكون تحت حراسة القوات الأميركية أو العراقية.

أما إذا كان المقاول يعمل بمفرده، فعليه أن يدفع أموالا للمسلحين إذا أراد أن ينجز مشروعه بسلام.

ويختم حريري تصريحه قائلا: "لا أحد يستطيع محاسبة الأميركيين. فهذه أموالهم".

XS
SM
MD
LG