Accessibility links

هل تجاوز بوتين كل الخطوط الحمر؟


من أسباب تصرفات بوتين وسياساته هذه الرغبة بتعزيز سلطته الداخلية

بقلم د. عماد بوظو/

في 13 أيلول/سبتمبر الحالي أجرت قناة تلفزيونية روسية مقابلة مع الشخصين المتهمين بتسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته. وجهت لهما المذيعة عدة أسئلة حول سبب زياراتهم المتكررة لأوروبا وحول ملابسات زيارتهم لمدينة ساليزبري قبل ساعات فقط من محاولة اغتيال سكريبال، فأجابوا أن سبب الزيارة هو السياحة. فسألتهم المذيعة "لماذا لم تبقوا في المدينة إذا سوى بضع ساعات ولماذا لم تزوروا أيا من معالمها السياحية؟! فأجابوا بأن الجو كان مثلجا فساروا في شوارعها قليلا ثم عادوا أدراجهم إلى لندن؛ مع العلم أن المسافة بين المدينتين تبلغ 125 كيلومتر وتكاليف الانتقال بين المدن في بريطانيا ليست رخيصة.

حسب التحقيقات البريطانية، فإن هذين الشخصين عنصران في الاستخبارات العسكرية الروسية وقدما إلى بريطانيا في 2 آذار/مارس الماضي يحملان غاز الأعصاب في زجاجة عطر نسائي، ثم ذهبا إلى مدينة ساليزبري في اليوم التالي للاستطلاع بمساعدة موظف في السفارة الروسية، ثم عادا إلى ساليزبري في 4 آذار/مارس، وقاما بوضع غاز الأعصاب "نوفيتشوك" على مقبض باب منزل سكريبال ثم رجعا إلى لندن حيث فحصهما طبيب مرتبط بالاستخبارات الروسية للتأكد من عدم تعرضهم لغاز الأعصاب ثم سافرا إلى موسكو في نفس اليوم.

سبق لروسيا أن اتهمت بلعب دور في دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى عام 2016

وقالت الشرطة البريطانية إنها عثرت على آثار غاز الأعصاب في الغرفة التي أقاما فيها، وبعد ثلاثة أشهر أصيب بريطانيان من بلدة مجاورة لساليزبري بنفس غاز الأعصاب الموجود في زجاجة العطر النسائي التي يبدو أن المتهمين رمياها في طريق عودتهما إلى لندن، وقد توفيت المرأة وهي أم لثلاثة أطفال بينما بقي صديقها أسابيع في حالة حرجة.

لم تبدد هذه المقابلة الشكوك حول تورط هذين الشخصين في محاولة الاغتيال، بل بالعكس أكدتها. لكن، كان هناك جملة واحدة صادقة قالها المتهمان وهي أنهما خائفان؛ ويبدو أن السبب الحقيقي لخوفهما ليس من القضاء البريطاني أو الإنتربول الدولي بل من الاستخبارات الروسية نفسها التي قد تتخلص منهما بعد انكشاف أمرهما.

في هذا الوقت تستمر التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، وتتكامل المعلومات يوما بعد يوم وتصبح أكثر دقة وتضيف أبعادا جديدة لحجم وأهداف هذا التدخل.

اقرأ للكاتب أيضا: إلى متى يستمر صمت المجتمعات العربية على الاعتداءات الجنسية؟

وفي شهر تموز/يوليو الماضي، أصدرت وزارة العدل الأميركية اتهاما رسميا إلى 12 ضابطا في جهاز الاستخبارات الروسية "باستخدام برمجيات خبيثة وحسابات إلكترونية مزيفة لشن هجوم إلكتروني واختراق حواسيب الحزب الديموقراطي قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016".

لم يقتصر التدخل الروسي على العمل على دعم بعض المرشحين والإساءة لآخرين، بل كان يهدف إلى العمل على تعميق الانقسام داخل المجتمع الأميركي، فقد كانت الحسابات الوهمية للاستخبارات الروسية تنشر مشاركات وتعليقات استفزازية عبر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالأميركيين من أصول إفريقية أو من أميركا اللاتينية أو لبعض الحركات العنصرية في نفس الوقت، بحيث تشهد مواقع التواصل الاجتماعي سجالات وتحريضا على الكراهية والعنف بين هذه المكونات.

ومن أهم التطورات في هذه التحقيقات، اعتقال الجاسوسة الروسية ماريا بوتينا في تموز/يوليو الماضي واتهامها مع اثنين من المواطنين الأميركيين ومسؤول روسي بالعمل لمصلحة الحكومة الروسية، وأنها رتبت دعوات على العشاء في واشنطن ونيويورك بهدف إقامة علاقات مع ساسة أميركيين لإنشاء قنوات اتصال خلفية للعمل على اختراق منظومة صنع القرارات الوطنية في الولايات المتحدة، بالإضافة لنشاطها المميز ضمن جمعيات الدفاع عن حق امتلاك السلاح وهو من المواضيع التي يختلف بشأنها الأميركيون بشدة هذه الأيام.

وصلت التدخلات الروسية إلى درجة العمل على تهديد وحدة الولايات المتحدة الأميركية عبر التحريض على انفصال بعض الولايات، مثل حركة "نعم كاليفورنيا" التي تدعو لإجراء استفتاء على انفصال كاليفورنيا تحت اسم "كاليكسيت". وقالت صحيفة "ترود" الروسية في شهر أيلول/سبتمبر 2016 إن مؤتمرا "للمناضلين" من أجل استقلال كاليفورنيا سيعقد في موسكو بمشاركة رئيس الحركة لويس مارينيللي وإن الهدف هو الدعوة إلى تطبيق سيناريو القرم في كاليفورنيا وإن المؤتمرين يعولون على مساعدة روسيا لتحقيق ذلك.

ومن الجدير بالملاحظة أن مكان إقامة مارينيللي هو روسيا، وسبق لمجلة "بوليتكو" أن نشرت عام 2015 أن موسكو تؤيد انفصال تكساس وإعلانها جمهورية شعبية، وأن شخصا يدعى نات سميث وصف نفسه بأنه وزير خارجية حركة تكساس القومية زار روسيا لهذا الغرض.

سبق لروسيا أن اتهمت بلعب دور في دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء الذي جرى عام 2016، وفاز فيه أنصار الخروج بنسبة 51.9 في المئة مقابل 48 في المئة للبقاء؛ وفي هذه النتائج المتقاربة يمكن لعوامل خارجية إحداث فارق، وتجري بريطانيا حاليا تحقيقات حول ذلك تشمل دور وسائل التواصل الاجتماعي واحتمال استخدام روبوتات وحسابات مزيفة ونشر إشاعات لدعم الراغبين بالانفصال، مع تحقيقات أخرى حول تحويلات مالية من وإلى بريطانيا لأن لندن ما زالت المركز الرئيسي لغسيل الأموال الروسية. وهناك الدعم الروسي العلني لليمين المتطرف الأوروبي والحركات العنصرية ومحاولات التدخل في الانتخابات في كل الدول الأوروبية.

ومن الحوادث التي تعبر عن درجة اللامبالاة الروسية بالرأي العام العالمي إسقاط الطائرة الماليزية شرق أوكرانيا بصاروخ روسي عام 2014 ومقتل 293 شخصا بينهم 193 هولندي ثم استخدام روسيا حق النقض (الفيتو) لمنع تشكيل محكمة دولية لمحاسبة المسؤولين عن هذه الحادثة.

وهناك الاتهامات للحكومة الروسية بإشرافها على إعطاء منشطات للرياضيين الروس لتحقيق نتائج أفضل واستغلال ذلك سياسيا، مما أدى إلى إيقاف الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات ترخيص مختبر مكافحة المنشطات في موسكو بعد اتهامه بالتواطؤ مع السلطات الروسية وإيقاف الاتحاد الروسي لألعاب القوى من المشاركات الدولية. وفي شهر آذار/مارس الماضي أوقفت هولندا جاسوسين روسيين كانا موضع تحقيق حول هجوم إلكتروني ضد الوكالة الدولية لمكافحة المنشطات منذ عام 2017 وكانا يعتزمان قرصنة مختبر سويسري مرتبط بالتحقيق في تسميم سكريبال.

بعد الشعور الروسي بنشوة "الانتصارات" الجزئية والمؤقتة، بدأت تتكشف للعالم هذه الممارسات التي تشبه سلوك عصابات الجريمة المنظمة

وفي العام 2017 تم الإعلان عن إصابة 26 ديبلوماسيا أميركيا عاملا في كوبا بأعراض مرضية مفاجئة مثل الإحساس بالتوعك وألم حاد بالأذن مع سماع أصوات غريبة وصداع ودوار وطنين في أذن واحدة؛ كانت الأعراض قريبة من عوارض الارتجاج في الدماغ دون أن يتعرض أي منهم لأي حادث أو رض على الرأس. وقبل بضعة أشهر أصيب موظف أميركي بالصين بنفس الأعراض. وبعد سلسلة من الفحوصات خلصت النتائج إلى أن السبب المرجح لإصابة الديبلوماسيين الأميركيين هو سلاح متطور يرسل أمواجا قصيرة أو نوعا آخر من الأسلحة الكهرومغناطيسية. وفي شهر أيلول/سبتمبر الحالي قالت وكالة "أن بي سي" إن الاستخبارات الأميركية التي تحقق في هذه الهجمات متأكدة أن هذا العمل كان متعمدا، وإن روسيا هي المشتبه فيه الأول، ونقلت عن مسؤولين لم تنشر أسماءهم أن الاتصالات التي تم اعتراضها في إطار هذا التحقيق تدل على تورط روسيا، ولم تؤكد الحكومة الأميركية رسميا حتى الآن هذه الاتهامات أو تنفيها، ولكن في حال الوصول إلى دليل حولها فإن هذا سيلحق ضررا في العلاقات الروسية ـ الأميركية من الصعب إصلاحه، لأن هذه العملية استهدفت بشكل متعمد مواطنين أميركيين بهدف إيذاءهم وهذا يعتبر اعتداء مباشرا على الولايات المتحدة الأميركية.

في ظروف الحرب الباردة بين الأعوام 1945 و1990 حصل كثير من الأزمات السياسية والاقتصادية وحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وكان للصراع في ذلك الوقت أبعاده الأيديولوجية بين نظامين سياسيين مختلفين؛ الأول يدعو إلى الاقتصاد الحر الذي تتحكم فيه قوانين السوق والديموقراطية السياسية، والثاني إلى الاقتصاد المركزي الذي تتحكم به الدولة وحكم الحزب الواحد.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا لا يقتدي العرب بإسرائيل اقتصاديا وعلميا وسياسيا؟

انتهت هذه الحرب بهزيمة ما سمي المعسكر الاشتراكي. اليوم لا توجد أي أبعاد أيديولوجية للسياسات الاستفزازية التي يتبعها بوتين؛ فروسيا تتبنى ظاهريا مفاهيم الديموقراطية والاقتصاد الحر. ومن أسباب تصرفات بوتين وسياساته هذه الرغبة بتعزيز سلطته الداخلية ــ عبر خطاب شعبوي ـ لبناء زعامة وهمية لا تدعمها عوامل قوة حقيقية لا على المستوى الاقتصادي ولا العسكري، مما يجعلها سياسة قصيرة النظر.

فبعد الشعور الروسي بنشوة "الانتصارات" الجزئية والمؤقتة، بدأت تتكشف للعالم هذه الممارسات التي تشبه سلوك عصابات الجريمة المنظمة، وازداد الوعي العام بالدور غير الإيجابي للسياسة التي يتبعها بوتين، ونجم عن ذلك مجموعة من العقوبات الغربية بحق روسيا. ويبدو أن المستقبل سيحمل تدهورا أكبر في العلاقات الروسية مع الولايات المتحدة وأوروبا عند استكمال التحقيقات بجميع الممارسات التي قامت بها الحكومة الروسية خلال الأعوام الماضية والتي يتم النظر إلى كثير منها باعتبارها عمليات ذات طبيعة إجرامية. فهل تجاوز بوتين كل الخطوط الحمر؟ وما هي الأسباب التي تدفعه إلى هذا المستوى من اللامبالاة بالرأي العام العالمي؟

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG