Accessibility links

التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (1) ما هو مصير الكتاب العربي؟


معرض الكتاب في الرياض

بقلم حسن منيمنة/

قبل جيل واحد، كان على طالب العلم أن يعتمد ابتداء على ما يحصله في مدرسته أو جامعته، ويضيف إليه ما يتلقاه عبر الإعلام المرئي والمسموع، رغم محدوديته حينئذ كمّا ونوعا، ثم يستثمر في وقته وماله لزيارة المكتبات والاستحصال على المجلات والكتب، والتي يختارها وفق معايير متبدلة، ولكن قابلة للإحاطة، من جملة واسعة من الإصدارات المطبوعة. والمثقف هو من زاد على ذلك بالمشاركة في المراكز الفكرية وحضور الندوات.

في عقود قليلة، طرأ على جميع هذه المقومات تطورات تتجاوز سقف الآمال التي كانت لذاك الجيل، دون أن تكون أحلاما وردية للجميع. ليس لطالب العلم أن يكتفي بالحصص والمحاضرات التي تقدمها مدرسته أو جامعته، بل لديه غبّ الطلب وبالمجان ما يقابلها لدى أهم المراكز التعليمية العالمية، مدعومة بالمواد والأدوات لتسهيل كسبه المعرفي. ولم تعد الإضافات مقصورة على إعلام محلي وبعض البث الدولي، بل العالم بمؤسساته وأفراده يضلّع اليوم بمهمة إعلامه، فيما مجمل الرصيد المتراكم للمواد المرئية والمسموعة بمتناول هاتفه. أما الكتب والمخطوطات التي كان إليها الترحال، والمكتبات الشخصية التي استغرق جمعها العمر، فهي من مخلفات الماضي. الكتب، كل الكتب، متوفرة عبر الشبكة.

هو واقع فاق أحلام الجيل السابق، ولكنه جاء ليشكل كوابيس لدور النشر العالمية إذ تستبسل لإيجاد الصيغة الكفيلة بالمحافظة على الكتاب كـ"مفردة معرفية".

ثمة حقائق لا جدال فيها. الموسوعات انتهت، الكتب المرجعية كذلك

لكي تستقيم العلاقة بين الكاتب والناشر والقارئ، لا بد من أن تنتظم الاعتبارات الاقتصادية. الكاتب يكتب ويحصل على مقابل مالي، الناشر ينشر ويبيع، مستردا الكلفة ومحققا الربح بما يحفزه على المزيد، القارئ يحصل من تخصيصه قدرا من ماله لاقتناء الكتاب على مادة تثريه فكريا.

ولكن المحيط الفكري الذي يعيش فيه القارئ في القرن الواحد والعشرين لم يعد يبرر الاستثمار بالكتب المكلفة. فإما أن أي كتاب مطلوب متداول للتو على الشبكة، بإرادة الناشر أو دونها، أو أن ما يتطرق إليه من مواضيع منتشر في العديد من المواقع الإعلامية والبحثية.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة الدرزية في المشرق: الاختبارات، المغامرات، الدروس المستفادة

بالإضافة إلى كونه مادة للتذوق الفكري، كان الكتاب إلى أمس قريب عنصرا هاما من رأسمال القارئ، يقتنيه، يحافظ عليه، يجمعه على رفوف مكتبة تتصدر منزله. في جميع أنحاء العالم، لم يعد الاستمرار بهذه الصيغة ممكنا.

دور النشر الغربية حاولت المحافظة على مبيعاتها من خلال طرح الكتاب كمادة استهلاكية. قد لا يكون ثمة جدوى متبقية للمراجع والمعاجم والموسوعات، والتي كانت تشكل جزءا هاما من المبيعات، فجاءت المواقع المحدّثة يوميا لتجعل منها كدسات بائدة من الأوراق، ولكن أليست الرواية، بالكتاب الورقي، أسهل للحمل والقراءة عند الاستجمام مثلا. سرعان ما جاء الجواب بالنفي، مع انتشار الألواح الرقمية واتساع شاشات الهواتف.

دور النشر هذه تنشط اليوم لإيجاد المعادلة الكفيلة بإنقاذ مداخيلها، عبر التشدد في ملاحقة تجاوزات حقوق الملكية من جهة، ومن خلال توفير الكتب الرقمية والصوتية على مختلف المنصات بأسعار متدنية، أو تشجيع القارئ على الاستعاضة عن شراء الكتاب الواحد بالاشتراك الشهري والذي يسمح بقراءة ما شاء من الكتب.

ثمة حقائق لا جدال فيها. الموسوعات انتهت، الكتب المرجعية كذلك. كتب الأبحاث العلمية لم يعد ما يبرر طباعتها، بل أصبحت موادها تفرز لتشكل سجلات منفردة في قواعد البيانات البحثية المعتمدة. الدخل من هذه الكتب كان بالأمس من مكتبات الجامعات، وتحصيله منها اليوم، من خلال الاشتراك بقواعد البيانات هذه ما زال مستمرا. كتب المقررات المدرسية كذلك إلى زوال، مع الاستعمال المتصاعد للألواح الرقمية كمنصة لها، ولكنها هنا أيضا ما تزال توفر الدخل لناشريها من خلال التعاقد مع الجهات التعليمية المسؤولة.

دور النشر الغربية مجمعات ضخمة، وهي اليوم تجيّر ما يستمر بتوفير الدخل لها، من الجامعات والمدارس والمكتبات العامة، لتغطية خساراتها أو قلقها على مستوى سوق الكتب التجارية إلى حين إيجاد الصيغة المناسبة.

وفي ما يتعدى الروايات، فإنه ثمة إدراك أن الكتاب لم يعد المفردة المعرفية الأولى. إذ يوم كان الدفق المعرفي شحيحا (كما في المحيط العربي) أو وفيرا ولكن قابل للاستيعاب (كما في الغرب)، كان الكتاب مادة للتذوق والتمعن. أما اليوم، وقد استحالت الشحة تخمة والدفق فيضا، فإن الجيل الجديد يصرف ما هو أقل من الكتاب كمفردة معرفية، المقال حينا، والتغريدة والاقتباس أحيانا.

المسألة بالنسبة لبعض المختصين بصون الناتج المعرفي ليست عرضية. فتعدد المعايير والمنصات وقصر أمد معظم المواقع المنتجة أو الحافظة للمضمون المعرفي قد أدى للتو إلى ما يعتبره بعضهم "حقبة مظلمة" هي التسعينيات، قبل استقرار مفهوم المحفوظات الرقمية، والتي قد غابت نهائيا إمكانية العودة إلى الكثير مما كان متداولا فيها. بل القلق هو أن المادة الرقمية مهما كان التشدد في تأطيرها، تبقى عرضة للفساد، الرقمي منه والعتادي، سهوا أو عمدا.

هذا في الغرب القلق على نتاجه الفكري، والراصد للأموال للمحافظة عليه، وحيث دور النشر ذات رصيد مؤسساتي عميق ومصلحة الجهات المسؤولة هي في دعمها. فما هو حال الكتاب العربي؟

في مصر سجل واسع ناصع للكتاب "الرسمي"، التراثي والجديد والمعرّب. وفي بعض الدول العربية الأخرى جهود قد برهنت عن ديمومة بغض النظر عن الاعتبارات التجارية. قرار الاستمرار بهذا الانتاج، تقليصه ودفعه باتجاه الرقمية، هو بيد الحكومات والتي بطبيعتها الحذرة تتجنب الخطوات الفجائية. على الأقل هذا ما يؤمل منها. ولكن هذا لا ينطبق على دور النشر العربية الخاصة. بل كافة الاعتبارات التلطيفية المؤثرة بنظيراتها الغربية لا تبلغها.

احترام حقوق الملكية الفكرية في المحيط العربي ليس أمرا متحققا بالأساس. فكم من جهد نشر جرى استنساخه (أحيانا مع تحسين جودة الطباعة مثلا) دون العودة إلى صاحب الحق. بعض المواقع العربية التي تنشر الكتب المطبوعة المرقمة دون إذن أصحابها تعتمد توجها لعدم الحرمان الكامل لدور النشر من إمكانية الكسب، بأن تؤجل نشر الكتاب لفترة زمنية ما مثلا. ورغم ذلك، يبدو من متابعة مواقع الاستيداع أن الكتاب العربي هو في طليعة الكتب العالمية من حيث نسبة المرقم منه والمتوفر على الشبكة دون مقابل، ولا يفوقه إلا الكتب الغربية المنشورة من أكثر من قرن، والتي انتهت صلاحية حقوق الملكية الفكرية بالنسبة لها.

بعض المبادرات حاولت الشروع بصيغة بديلة، كأن تستحصل من جهات تمويلية على ما يكفي حاجة النشر الرقمي، فيكون بالتالي الكتاب مجاني لقارئه، مع تقديم التعويض لكاتبه ومعده للنشر. ولكن استدامة هذه الجهود رهن بأولويات الممولين، ولم يتحقق للواعد منها الاستمرار.

وحتى قبل بروز الواقع الجديد في تداول المعرفة، فإن المحيط العربي كان يعاني من عوز موثق في القراءة ومن قصور ملازم له في النشر. الكثير من دور النشر قد أقفل أبوابه، ومن لا يزال مستمرا قد تراجع إنتاجه. عدد المكتبات التجارية، على هزالته، قد تقلص.

في ما يتعدى الروايات، فإنه ثمة إدراك أن الكتاب لم يعد المفردة المعرفية الأولى

هل من سبيل لإنقاذ الكتاب العربي من الانقراض؟ جرت بعض المحاولات الصادقة بهذا الصدد، بأن يقدم "كتاب الشهر" كهدية دورية مع بعض الصحف اليومية. رغم الإصرار على هذا المشروع، فإن الحكم عليه قد جاء في موقع أو أكثر بإغلاق الصحيفة التي اعتمدته. القارئ العربي يتخلى عن قراءة الصحف، فمطالبته بقراءة الكتب قد لا تكون بمحلها.

ليس في الأمر قطعية، بل المسألة تتطلب حوارا وتبينا للمعطيات الموضوعية. والكتاب العربي بمفهومه الحالي لا يرقى إلى أكثر من قرنين، كان قبلها مخطوطات تتراوح من الرسائل المختصرة إلى المبسوطات المتعددة المجلدات، وتقتصر حيازتها وقراءتها جميعا على القلة القليلة. فكما اندثر فن كتابة المخطوطات، إلا في حالات نادرة، وكما يظهر جليا أن الصحيفة اليومية بمعناها الإخباري تتراجع إلى حد التلاشي، فإن الكتاب الورقي بدوره قد يقترب من دور جديد. طبيعة هذا الدور تحددها مكانة الكتاب في الكسب المعرفي.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة المارونية في لبنان: الإنجاز الحاصل والتأطير الملتبس

بالنسبة للطالب، الكسب المعرفي كان يتحصل بالإصغاء والإملاء والإجازة، ثم أصبح بالإصغاء وقراءة الكتب والامتحان، قبل أن يتخلى عن الكتب لصالح المادة العلمية الرقمية. خارج الإطار التعليمي، كان الكتاب أداة نشر الفكر وتلقيه، قبل استيلاء الإعلام، والمرئي منه خاصة، على هذا الدور. على أن العودة إلى النص المكتوب يبقى الأجدى لاستجماع المفردات المعرفية. وللكتاب منافسة حادة هنا.

قد يكون المستحسن تبين موقع المفردة المعرفية بالنسبة للقارئ العربي والبناء عليه، لا باتجاه دفعه إلى تجاوزه بل لتشكيل هذا الموقع بما يتناسب مع توقعات القارئ وحاجاته. ليس موقع المفردة المعرفية الكتاب بكلماته التي تجاور الثلاثين ألفا. فهل هي في المقال (ألف كلمة، أكثر أو أقل قليلا) أو التغريدة أو الاقتباس (عشرون إلى ثلاثون كلمة)؟ ليست التخمة المعرفية وحدها التي تدفع باتجاه تحبيذ الوعاء الأصغر. وتداعيات هذا التحبيذ لا تنذر بالخير على أكثر من صعيد. وقد لا تكون وفاة الكتاب أشقاها.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG