Accessibility links

ست عدسات لرؤية العالم المعاصر (3/3)


رجل يسير في منطقة جليدة سابقا، ذابت بسبب التغير المناخي، وكانت تعد من مصادر المياه للنهر الأصفر في الصين

بقلم جمال أبو الحسن/

في أي عالم نعيش؟ هذا هو السؤال الذي وضعته مجلة "فورين آفيرز" (الشؤون الدولية)، وهي الأشهر في مجال الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أمام قارئها في العدد الأخير (يوليو/أغسطس 2018). أعدت المجلة ملفا موسعا يقدم للقارئ ست عدسات مختلفة تساعده على اختيار الطريقة (أو زاوية النظر) التي يمكن أن ينظر من خلالها إلى العالم وتفاعلاته وصراعاته. في المقالين السابقين تناولنا نموذجا لرؤية العالم وفقا للمنظور الواقعي، وآخر من زاوية ليبرالية، ونموذجا ثالثا من وجهة نظر الهوية والقبائل.

في هذا المقال نناقش "العالم الماركسي"، و"العالم التكنولوجي"، و"عالم التغير المناخي".

هل يسير عالمنا وفقا لتنبؤات ماركس؟ بعض الأحداث والتطورات تشي بذلك. أهمل "ماركس" طويلا، بسبب نجاح الرأسمالية في تجاوز أزماتها. اليوم الرأسمالية في أزمة جديدة، وأفكار الرجل تطل برأسها كأحد أقوى التفسيرات لما يجري. أهم فكرة أثارها الاقتصادي الألماني الأشهر هي أن طبيعة التطور الرأسمالي سوف تدفع في اتجاه تقليل الأجور باستمرار، عبر إحلال التكنولوجيا محل العمل، وتضخم حجم الشركات وانغماسها في منافسات قاتلة تدفعها إلى الحفاظ على الأجور في حدها الأدنى.

درجة الحرارة كانت أعلى بـ 25 درجة عن معدلاتها هذا الشتاء في القطب الشمالي

شيء من هذا يحدث الآن. أحد أهم مظاهر الأزمة الحالية هو ثبات الأجور برغم تصاعد الإنتاجية. منذ 1973 زادت الإنتاجية بنسبة 75 في المئة، في حين زادت الأجور الحقيقية بنسبة 10 في المئة فقط في الولايات المتحدة. بالنسبة للـ 60 في المئة الأقل دخلا، لم تزد الأجور على الإطلاق (بعد احتساب معدل التضخم!).

استطاعت الرأسمالية تجاوز أكبر أزماتها (الكساد العظيم) من خلال صفقة جديدة مع العمال. جوهر الصفقة كان الإقرار برفع الأجور مع تزايد الإنتاجية. قادت هذه الصفقة لثلاثين سنة مجيدة من النمو الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية. كان النمو مصحوبا بزيادة في الإنتاجية والتوظيف والابتكار التكنولوجي، فضلا عن برامج الرفاهية والرعاية الاجتماعية التي توسعت في الدول الغربية. على أن الأمور لم تستمر على هذه النحو.

اقرأ للكاتب أيضا: ست عدسات لرؤية العالم المعاصر (2/3)

في السبعينيات من القرن الماضي، واجهت الاقتصادات الغربية ظاهرة "الكساد التضخمي". اختارت الحكومات الانحياز إلى جانب الربحية الاقتصادية على حساب العمال. هذا ما بشر به كل من "تاتشر" و"ريغان": نهاية دولة الرفاهة، ونهاية الصفقة مع العمال. ها هنا بالضبط تكمن أزمة النظام الرأسمالي الحالي. الأزمة ليست بعيدة عما تصوره "ماركس" من جيوش العاطلين الذين تخلقهم الرأسمالية حتما. السؤال الأهم هو: هل يمكن للسياسة أن تصلح هذا "العالم الماركسي" المقبض، وتنقذ الرأسمالية بالعودة إلى شيء أشبه بصفقة ما بعد الحرب العالمية الثانية؟

وإذا كان "العالم الماركسي" يفترض أن الاقتصاد هو محرك الأحداث، فإن "العالم التكنولوجي" يرى أن كل شيء ـ السياسة والاقتصاد والثقافة والدين ـ يحركه التطور التكنولوجي.

كان القرن التاسع عشر حافلا بالأحداث: ثورات ديموقراطية. إنهاء العبودية. توسع الرأسمالية. انتشار الحروب.. إلخ. على أن الحدث المحرك لكل هذه التطورات كان بزوغ الثورة الصناعية التي استبدلت الآلة بقوة الإنسان العضلية. من دون الثورة الصناعية لم يكن للرأسمالية أن تغزو العالم. ولم تكن لطبقات العمال الجديدة أن تغزو المدن. هذه الطبقات مهدت للديموقراطية والشيوعية وغيرها من الأيديولوجيات التي غيرت وجه القرن العشرين. التكنولوجيا هي ما حرك كل شيء.

العالم مقبل على ثورة صناعية جديدة. ستكون هذه الثورة أقوى من سابقتها وأشد أثرا في النظم الاجتماعية والسياسية. في القلب من هذه الثورة نجد فتوحات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي الذي يستبدل الروبوت بالقوة الذهنية للبشر.

نحن ما زلنا في أول الطريق. تشبه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحالية ألعاب الأطفال بالنسبة ما سيكون عليه الحال في المستقبل، حيث يقوم الروبوت بكافة الوظائف التي يقوم بها البشر من العمليات الجراحية إلى كتابات الروايات. يتوقع علماء الذكاء الاصطناعي الغربيون أن يأتي هذا اليوم في 2060. يتنبأ العلماء الآسيويون بتاريخ أقرب هو 2045.

كيف نتصور صورة السياسة والمجتمع في هذا "العالم التكنولوجي" الذي تحركه الروبوتات؟ إن كل قضية جيوبوليتيكية ـ مثل المنافسة بين الصين وأميركا ـ تتضاءل وتصير تافهة أمام هذا العامل التكنولوجي الحاسم. نحن نتحدث عن وضع يصير فيه البشر أنفسهم، كما مهملا عفا عليه الزمن. سوف يفقد الملايين وظائفهم. الصراع السياسي نفسه سيفقد معناه، حيث يصير العمل منفصلا عن الإنتاج. إنها ظروف حاضنة لبذور الثورات والاضطرابات العنيفة.

على أن هذا ليس قدرا محتوما. قد يسهم الذكاء الاصطناعي في حل أخطر مشكلة تواجه البشرية: التغير المناخي. إن الأرض تحوي في داخلها كل ما يكفي من الطاقة النظيفة التي يحتاجها الإنسان (الشمس والرياح). على أن تكلفة الاستفادة من هذه الطاقة عبر توفير البنية الأساسية اللازمة ما زالت أكبر من قدرة البشر. الروبوتات بمقدورها بناء هذه التجهيزات بتكلفة ضئيلة للغاية. تذكر أن الروبوتات لا تتعب ولا تشتكي ولا تطالب بأجر!

إن صورة العالم الذي نعيش فيه أعقد من أن تحيط بها زاوية نظر واحدة، أو عدسة بعينها

هذا يأخذنا إلى النموذج الأخير لشكل العالم كما رسمه ملف مجلة "فورين آفيرز": إنه "عالم التغير المناخي". اليوم يزيد متوسط درجة حرارة الأرض بدرجة ونصف عن عصر ما قبل الصناعة. درجة الحرارة كانت أعلى بـ 25 درجة عن معدلاتها هذا الشتاء في القطب الشمالي. يقول العلماء إن ارتفاع الحرارة درجتين هو آخر مدى يمكن أن تتحمله الأرض قبل أن يواجه البشر بظواهر مناخية متطرفة لم يعهدوها: أمطار أكثر من المعتاد وفي غير مواسمها، أعاصير يتواتر تكرارها بصورة أكبر وتصير أشد ضراوة، موجات جفاف وتصحر، ارتفاع لمنسوب المياه في المحيطات يؤدي إلى اختفاء الكثير من المدن الجزرية وزيادة الملوحة بما يقضي على الأراضي الزراعية.. إلى غير ذلك من الظواهر المدمرة والخطيرة.

إن الآثار المباشرة للأزمات سوف تتجاوز قدرة المجتمعات على التعامل معها. يكفي أن نتذكر أن فيضانات نهر السند أدت إلى نزوح 20 مليونا في باكستان عام 2010. على أن الآثار الأخطر للتغير المناخي تتعلق بانتشار الجفاف والمجاعات، كتلك المجاعة التي ضربت الصومال في 2010 وأدت إلى مقتل 260 ألف شخص. هناك أيضا مشكلات تقاسم المياه التي يمكن أن تؤدي إلى صراعات طاحنة في أحواض النيل (مصر وأثيوبيا)، والسند (بين الهند وباكستان)، والميكونغ الذي ينبع من الصين، وتتقاسم مياهه ست دول. خلال الـ 25 عاما الماضية جف نحو 28 ألف نهر في الصين، بما يؤثر على حياة 500 مليون إنسان، خاصة في شمال الصين الذي يشكل قلب البلد الصناعي.

اقرأ للكاتب أيضا: ست عدسات لرؤية العالم المعاصر (1/3)

"عالم أكثر حرارة" هو عالم تؤدي فيه اضطرابات المناخ ونقص الموارد المائية والزراعية إلى اضطرابات سياسية كبرى. لا يمكن مواجهة هذا السيناريو الكارثي سوى بصفقات سياسية شاملة بين الدول الكبرى، وبخاصة بين الصين والولايات المتحدة.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

وأخيرا.. إن صورة العالم الذي نعيش فيه أعقد من أن تحيط بها زاوية نظر واحدة، أو عدسة بعينها. العالم لا تحركه فكرة واحدة أو قوة منفردة. الاقتصاد والعلم ومنافسات القوى الكبرى والأفكار الليبرالية وتغير المناخ وتجذر الهوية.. كلها عناصر ترسم صورة عالمنا المعاصر. من بين هذه "المحركات" جميعا أجد نفسي منحازا إلى "التطور التكنولوجي" بوصفه العامل الحاسم في فهم العالم والتنبؤ بمستقبله.. إلى أي الرؤى تنحاز أنت؟

XS
SM
MD
LG