Accessibility links

11 سبتمبر أو العرب والإرهاب


تضع ورودا عند النصب التذكاري لضحايا أحداث 11 أيلول/سبتمبر

بقلم محمد المحمود/

لا يزال يوم الثلاثاء الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001 يلقي بظلاله على كثير من مسارات السياسة الأميركية الخارجية وتجاذباتها الداخلية، وهي السياسة التي تؤثر بدورها على كثير من مسارات السياسة العالمية/ الغربية ذات العلاقة المباشرة بالعالم العربي؛ نظرا لضخامة الحدث وقسوته، في ذاته، وفي أبعاده الرمزية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لكون العالم العربي ـ من حيث أراد أم لم يرد ـ طرفا أساسيا في الحدث الذي يشكل نقطة فاصلة في التعاطي مع الإرهاب.

إن مقاربة هذا الحدث الضخم وتداعياته بعد كل هذه السنوات (17 عاما) بات ضروريا للعالم العربي الذي لا يزال عالقا في علاقة متوترة ومعقدة مع الغرب، سواء في الفترة السابقة لهذا الحدث أو في الفترة اللاحقة التي تلته، ولا تزال مستمرة إلى اليوم.

فطبيعة العلاقة في المرحلة السابقة لا تزال كما هي دون مراجعة؛ رغم أهميتها في كثير من صور الاضطراب في العالمين: العربي والإسلامي. بل هي فترة حاسمة في تشكيل الوعي القومي/ الديني الذي لم يكن 11 أيلول/سبتمبر إلا أحد إفرازاته التي وصلت بالتوتر إلى حده الأقصى؛ كما أراد له صراحة عرابو هذا الحدث الخطير من غلاة الأصوليين.

سواء اعترف بعض العرب أم لم يعترفوا، وأدان بعضهم الحدث أم لم يدينوا، فالحدث بما يحمله من رمزية للعنف والقسوة وإرادة التدمير ارتبط بالعرب

لقد اعترف الإرهابي الكبير أسامة بن لادن بمسؤوليته المباشرة عن الحدث، ولم يكتف بذلك حتى أخرج هذا الاعتراف بمبررات تستنطق التراث الجمعي المقدس عند عموم المسلمين وتتوسل به، بحيث يصبح الحدث ليس مجرد جريمة نكراء قامت بها مجموعة عصابية معزولة، بل ومجرمة رسميا في بلدانها، وإنما يغدو فعلا جمْعيا يحفز له تراث مقدس يدفع لمثل هذا الفعل بأعلى درجات التحفيز، بل وبأعلى درجات الإغراء. وهذا ليس رجما بغيب نوايا الأصوليين، كما أنه ليس تحليلا يأخذ بالقرائن ويتكئ على التوقع والتخمين. فقد قالها هذا الإرهابي الكبير صراحة، إنه يريد جر العالم العربي والعالم الإسلامي بأجمعه إلى مواجهة شاملة ومفتوحة مع الغرب المسيحي. ومن دون شك، نجد أنه حقق قليلا من النجاح، وكثيرا من الفشل في هذا المضمار؛ بفضل وعي جميع الأطراف بخطورة اندلاع صراع قومي/ ديني شامل كما أراد له سدنة الإرهاب.

اقرأ للكاتب أيضا: ربيع العرب السوري!

على أي حال، وجد العرب أنفسهم مدانين في سياق هذا الحدث العالمي المرعب الذي كانت ردود أفعاله تشي بكثير من الحظ السيء لعالمهم المتداعي أصلا. وجدوا أنفسهم مدانين؛ فسارعت الهيئات الرسمية إلى إدانة الحدث وتجريم الفاعلين. وهذا طبيعي ومفهوم ومتفهم. لكن كانت الأغلبية الساحقة من الجماهير تسلك طريقا آخر، طريقا تحكمه العواطف والشعارات والتوهمات الأيديولوجية، طريقا فيه كثير من الحيرة والاضطراب؛ بقدر ما فيه كثير من الغضب المكتوم.

بعض العرب/ المسلمين أدان الحدث، وفي الوقت نفسه جرم السياسية الأميركية بما يمكن اعتباره تبريرا ضمنيا للحدث. وبعضهم أعلن عن غضبه المكتوم، وصرح بأن ما حدث كان مجرد مقابلة إرهاب دولة بإرهاب عصابات. وبعضهم الآخر لاذ بنظرية المؤامرة ـ عن قناعة، أو عن مسلك ذرائعي دفاعي ـ وادعى أن العرب/ المسلمين لا علاقة لهم بالحدث لا من قريب ولا من بعيد، وأن من قام به هم الغرب أنفسهم، ممثلا ببعض مؤسساته الاستخباراتية، أو ببعض اللوبيات النافذة؛ حتى يبرروا لأنفسهم استهداف العرب/ المسلمين في معارك استعمارية أو شبه استعمارية مخطط لها سلفا. وكأن الغرب لو أراد ما يتوهمون من استعمار يحتاج أن يطعن نفسه مثل هذه الطعنة النجلاء في خاصرته؛ كي يفعل ما يريد بمهمشي العالم الثالث!

وإذا كانت الحيرة طبعت سلوك عموم العرب/ المسلمين في ردة فعلهم على هذا الحدث، فإن الحيرة تبدو كأشد ما تكون وضوحا وحدة في اضطراب القوى النضالية القومية/ الإسلامية بين الاعتزاز بهذا الحدث كرد فعل على سلسلة من الإهانات المتواصلة، وبين البراءة منه، وتنزيه الذات العربية/ الإسلامية عن فعل إرهابي بمثل هذا المستوى من البشاعة التي يستحيل تبريرها للعالم مهما كانت المبررات.

في تصوري أن الأمر أشكل من ثبوت التهمة أو عدم ثبوتها، فسواء اعترف بعض العرب أم لم يعترفوا، وأدان بعضهم الحدث أم لم يدينوا، فالحدث بما يحمله من رمزية للعنف والقسوة وإرادة التدمير ارتبط بالعرب؛ لا بقوة الاعتراف الذاتي الصادر من رأس منظمة القاعدة الإرهابية فحسب، وإنما أيضا بقوة إجماع دول مؤسساتية ـ ليست مشخصنة ـ على مسؤولية أفراد مسلمين عن الحدث؛ مع التصريح بعدم مسؤولية المسلمين. لكن، مثل هذا التصريح لا ينفي أن هوية منفذي هذا الحدث الإرهابي مسلمون، وأن الحدث ذاته نفذ تحت شعارات إسلامية، وبمبررات من تراث المسلمين.

صحيح أن الكل لا يؤخذ بذنب البعض، وأن وحدة الانتماء القومي أو الديني لا تكفي لفرض الشراكة في جريمة ما؛ ما لم يكن ثمة إعلان صريح بالتضامن مع فاعليها. لكن، يبقى أننا أمام حقيقة واضحة تمام الوضوح في هذا الحدث الذي هز العالم منذ سبعة عشر عاما، وهي حقيقة ينبغي التوقف عندها طويلا، ومناقشتها على أكثر من مستوى. الحقيقة تقول: إن هناك فرحا عربيا/ إسلاميا شعبيا غامرا بهذا الحدث، اجتاح الشعور القومي والإسلامي، وظهر في صور شتى، فضلا عن أولئك الذين كانوا صريحين في الإعلان عن هذا الابتهاج، من جماعات التكفير والعنف، وهذا الفرح والابتهاج الشعبي المعلن عبر وسائط لا حصر لها، لا يقلل من آثاره، ولا يغير من حقيقته الإدانة الرسمية للحدث، سواء من قبل المؤسسات المدنية أو الإسلامية أو من قبل الدول، لأنها إدانة لا تعكس الشعور القومي والإسلامي العام.

جميعنا قد شاهد التظاهرات الاحتفالية بالحدث في الشارع العربي، والكثير منا لا يجهل نبض المشاعر الشعبية إبان الحدث، خاصة إذا كان مندغما في شرائح مجتمعية، يلتهمها الشعور القومي أو الإسلامي. وليس هذا الشعور مقصورا على الإنسان العربي أو المسلم في داخل العالم الإسلامي، بل هو شعور ينتظم العربي والمسلم حتى في الغرب، أو في الدول المحسوبة على الغرب. هذا ما ظهر في التعبير العفوي الشعبوي، أما ما وراء ذلك، من خطاب أيديولوجي، فحدث ولا حرج، فما وقع هو في نظرهم: الغزوة الكبرى، وبداية النصر، وثمرة الجهاد، وفاتحة دولة الخلافة الإسلامية الموعودة... إلخ من توهمات التيارات الأصولية المسجونة في مقولات قرونها الوسطى.

إن الموقف الحقيقي لأية أمة لا يعكسه شيء كما يعكسه الشعور العام المتمظهر في السلوكيات العامة ذات الطابع الجماهيري. هذا الشعور هو الكاشف عن حقيقة الموقف دونما تزييف. ولا يهوّن من دلالته بعض الاستثناءات القليلة ذات الطابع النخبوي. ربما نغتر بما نراه من استنكار بعض أصحاب التوجهات الإسلاموية لهذه الجريمة، ونظنه تطورا في الوعي لدى بعض فئات التيار القومي والتيار الإسلامي. بينما الحقيقة التي تظهر لنا عندما نتأمل هذا الاستنكار والشجب أنه استنكار وشجب مسبب بسبب غير إنساني. فهم يرفضون هذا الحدث، لا بوصفه جريمة طالت الأبرياء وخلفت كثيرا من المآسي والدمار والرعب، وإنما يشجبونه فقط لأنه سيؤدي إلى الإضرار بالعرب/ المسلمين!

لا بد للعرب من الاشتغال على البراءة الجماهيرية الفعلية من الإرهاب، ليس بالشجب، بل بالعمل الحق على محاصرة الأنشطة الإرهابية في حواضنها الاجتماعية

إذن، العرب متهمون بالإرهاب، وهم غير قادرين ـ جماهيريا ـ على نفي هذه التهمة، أو هم يرون أنفسهم غير معنيين بنفيها. وإذا كانت التظاهرات في العالم كله تخرج منددة بالإرهاب، فإن العرب كثيرا ما خرجوا في تظاهرات لهذا السبب أو ذاك، ولكنهم لم يخرجوا ـ ولو لمرة واحدة ـ منددين بوقائع إرهابية طالت غيرهم. ما يعني أنهم غير واعين بخطورة الإرهاب كظاهرة، وغير معنيين بموقعهم في سياق هذه الظاهرة التي إن كانوا بعض جناتها؛ فإنهم أكثر من تضرر منها؛ كما يصرحون بذلك على سبيل الشكوى، وعلى سبيل نفي الاتهام.

للخروج من هذا المأزق، أو لتجاوز تبعات هذه التهمة التي لا يهم الآن صدقها من كذبها، لا بد أن يشتغل العرب ـ مؤسسات وجماهير ـ على ثلاثة محاور أساسية:

1ـ الاشتغال، ليس على تغيير الصورة، بل على تغيير الواقع. ففي تعاطي العرب/ المسلمين مع اتهامات الآخرين لهم بالإرهاب، اشتغلوا على تغيير الصورة الإعلامية، وكأن مبررات الاتهام مستمدة من صور إعلامية لا تعكسها حقائق الواقع بشكل أو بآخر، أو كأن كل الاتهامات مجرد تضليل إعلامي تقف خلفه مؤامرات الأعداء.

اقرأ للكاتب أيضا: أوهام الربيع العربي

2ـ البراءة الجماهيرية الفعلية من الإرهاب، ليس بالشجب، بل بالعمل الحق على محاصرة الأنشطة الإرهابية في حواضنها الاجتماعية، وترميز الإرهابيين كرموز إجرامية منبوذة، وليس كرموز نضالية تستحق التقدير. كذلك تأييد كل الإجراءات القانونية والعقوبات الرادعة التي تصدر بحق الإرهابيين ولو كانوا عربا أو مسلمين، بعيدا عن التبرير والاعتذار والتشكيك في الأدلة أو في الأحكام القضائية. إضافة إلى الانخراط الجماهيري مع المنظمات العالمية المناهضة للعنف أيا كان مصدر هذا العنف، وأيا كان المستهدف به؛ حتى يتكوّن وعي عربي/ إسلامي عام مناهض للعنف، ومن ثم ـ وعلى أساسه ـ يتكوّن وعي عالمي عام عن العرب/ المسلمين أنهم أبرياء من الإرهاب، بل ومعادون ـ حقيقة ـ للإرهاب.

3ـ مراجعة التراث ونقده وتفكيكه، ومن ثم وضعه في سياقات العصرنة ذات الطابع الإنساني، خاصة التراث ذا الطابع القدسي الموجه لسلوكيات الجماهير العمومية، ولسلوكيات الأفراد في خياراتهم المصيرية. وهذا المحور للأسف هو الأصعب، وهو أيضا الأقل حظا من ناحية الاشتغال عليه؛ رغم كل دعاوى مراجعة التراث. وحقا نقول، وبكل أسف وألم: لا تزال المرجعيات الكبرى، ولا تزال الرموز الدينية، المؤثرة في جماهير المؤمنين على امتداد العالم الإسلامي، تتبنى خطابا قروسطيا يبيح كثيرا من صور العنف ضد الآخر المختلف، حتى ولو كان من داخل دائرة الإسلام.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG