Accessibility links

رشيدة طليب.. عربية في طريقها إلى الكونغرس


رشيدة طليب

رابح فيلالي

قلة قليلة من الذين كانوا حولها كانوا يؤمنون بقدرتها على صناعة ذلك الانتصار التاريخي غير المسبوق في مدينتها "ديترويت" بولاية ميشيغان في الشمال الشرقي من الولايات المتحدة.

ومع ذلك ظلت المرشحة للانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديموقراطي الفلسطينية الأصل رشيدة طليب تطرق الأبواب في دائرتها الانتخابية بلا توقف ولا تردد وهي في كامل إصرارها على أنها قادرة على صناعة التاريخ مرة ثانية في المدينة التي احتضنتها وعائلتها لأكثر من أربعة عقود من الزمن.

رشيدة وأنا أسألها عن مصدر ذلك الإصرار تقول لي إنها تعلمت من جدتها في وطنها الأم التي تتابع أخبار حملتها الانتخابية عبر ما يتوفر لها من وسائط التواصل الاجتماعي وهي تكرر على مسامعها في كل مساء أنها دخلت هذا السباق لا لتخسره بل ليكون أمامها خيار واحد ووحيد فقط وهو الفوز، لاعتقادها أنها الآن تعلمت بما فيه الكفاية من تجاربها السابقة.

ذلك الفوز الذي ليس بالجديد في حياة رشيدة في هذه المقاطعة الانتخابية من مدينة ديترويت كونها وقبل سنوات حققت سبقا آخر بصناعة التاريخ في المدينة عند انتخابها كأول امرأة من أصل عربي مسلم للعضوية في كونغرس الولاية.

هذه التجربة على المستوى المحلي علمت رشيدة الإيمان أكثر بقدرها وبقدرتها على إدارة حملة انتخابية لمنصب أعلى وبطموح أكبر. إنها الآن تطمح للفوز بترشيح الحزب الديموقراطي لها للانتخابات العامة المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وفي حالة الفوز فيها عن دائرة ديترويت، ستكون المرشحة الأوفر حظا للفوز بمقعد المقاطعة في مبنى الكونغرس بواشنطن هذه المرة في غياب أي منافس جمهوري لها في هذه الدائرة، لذلك يبدو واضحا أن الفائز في السباق الداخلي للحزب الديموقراطي سيكون هو الفائز في انتخابات التجديد النصفي وبالتالي الدخول إلى مبنى الكابيتول مطلع العام المقبل.

تأخرت بي الطائرة عن الموعد المفترض في اليوم الانتخابي.

كانت العاصفة الرعدية تملأ سماء واشنطن إلى الحد الذي تعذر معه الإقلاع في الموعد المقرر من مطار العاصمة الوطني باتجاه مطار ديترويت.

اعتذر قائد الطائرة بعد انتظار في المدرج، لأكثر من نصف ساعة لأجد نفسي مضطرا للانتظار لمدة عشر ساعات كاملة في المطار قبل اللحاق بموعد رشيدة طليب في مدينتها إضافة إلى قرابة ساعتين من الطيران.

كان الحظ بجانبي وأنا أجد من فريقها الانتخابي كل التفهم للتعديلات التي اضطررت لإجرائها على موعد لقائنا قبل أن تحط بي الطائرة في ديترويت عند منتصف الليل وقليل.

تحتاج كمراسل صحفي إلى بعض الحظ أحيانا للنجاح في مهامك وسط ظروف مستحيلة وذلك تماما ما حدث معي عندما فتحت هاتفي على خجل والساعة تقترب من الواحدة صباحا لترد مساعدة رشيده وتقول لي مرحبا بك نحن لانزال ننتظر إعلان النتائج والواضح أن ليلتنا سوف تكون أطول من كامل توقعاتنا السابقة.

وسط موجة من اليافعين تتحرك بلا توقف، والهواتف من حولها لا تتوقف هي الأخرى عن الرنين، وأفراد عائلتها الثلاثة يملؤون مجالسها، والقلق الكبير يسكن ملامحها حتى وتلك الابتسامة الهادئة لا تغادر ووجهها.

هنا وجدت الفرصة مناسبة لأسأل الصديق والزميل أسامة سبلاني مدير ومؤسس صحيفة صدى الوطن الناطقة بالعربية في مدينة ديترويت عن سر هذه اللحظة التاريخية في حياة العرب الأميركيين وهو الشاهد على تاريخ هذه الجالية لمدة تقارب نصف القرن معايشة إنسانية و مهنية.

أسامة يقول ان العرب في هذه المدينة انخرطوا باكرا في العمل الاجتماعي والسياسي على مستويات مختلفة وحققوا نجاحات محلية من خلال العضوية في مجالس التعليم والقضاء والمجالس المحلية وان ما يحدث حاليا مع رشيدة هو تتويج لمسار طويل من العمل اليومي ولأجيال متعاقبة.

لم يكن من السهل حتى والساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل في المكان القبول بفكرة أن رشيدة فازت في هذا السباق الانتخابي لأنها في لحظة تعب قررت أن تطلب من أعضاء حملتها و أنصارها أنها سوف تضطر للانتظار لليوم الموالي لإعلان نتيجة السباق فوزا أو خسارة.

وفيما كانت رشيدة تتحدث عن تلك التضحيات التي صاحبت قصتها السياسية في المدينة سواء في الانتخابات السابقة أو الحالية وجهود أولئك المتطوعين الذين ضحوا بكل ما يملكون من أوقات ووظائف وتفرغوا دفاعا عن حملة مرشحة يرون فيها جديره بالوصول إلى العاصمة واشنطن وتمثيل سكان مدينتها وكثيرين من ورائهم يتقاسمون معها الإيمان بتكافؤ الفرص في أميركا وأن العمل والجدارة هما القيمتان الحاسمتان في أي سباق سياسي أو اجتماعي.

تسلل مدير حملتها الانتخابية بين الصفوف ليقترب منها في هدوء لافت انقطعت أنفاس القاعة، ساد صمت كبير في المكان، قبل أن تغرق رشيدة في لحظة واحدة في سيل دموع لا ينقطع وتنطلق أصوات أنصارها في سماء مقر حملتها الانتخابية ابتهاجا بفوزها.

رشيدة فازت وتحقق الحلم التاريخي لها و لجيل كامل من أبناء المهاجرين إلى هذه الولاية الصناعية في الشمال الشرقي من أميركا.

بعيون دامعة قالت رشيدة للحضور "إذا كان هناك أحد في مكان ما من العالم يشكك في قيم أميركا فهذا الانتصار هذه الليلة هو تأكيد لحقيقة واحدة هي أن أميركا هي أرض الممكن المستحيل تحقيقه حتى في تلك الأوطان الأصلية لآبائنا وأمهاتنا".

في اللحظة هذه وصل أفراد عائلتها إلى مقدمة التجمع ليستغرق الفرح عائلة بكاملها جاءت هذه المدينة مهاجرة وباحثة عن حياة أفضل لها ولأطفالها وها هو ما هو أكبر من حلم تلك البدايات يتحقق هنا اللية في ديترويت.

اللحظة مكثفة بكل تأكيد لرشيدة، سألتها وأطلب منها أن تتحدث لآخرين وأخريات كثيرات في الشرق الأوسط، تلك الجهة التي جاءت منها رشيدة وعائلتها، لتقول لي "يجب أن نؤمن دائما بأنفسنا وبقوة أعمالنا وأننا قادرون دوما على أن نحقق ما هو حلم في حياتنا طالما نحن نملك القدرة على التضحية الكافية والعمل بالطريقة السليمة، ووحدها أميركا تسمح بأن يكون هذا الحلم ممكنا تحت سمائها".

عندما كنت أشرح لمشاهدي قناتنا طريق رشيدة الطويل إلى الكونغرس كانت في تلك اللحظة شمس مدينة ديترويت التي يسكنها ثاني أكبر عدد من العرب الأميركيين تشرق على يوم جديد ولكن هذه المرة بمشاعر جديدة للمهاجرين العرب وأبنائهم وأحفادهم وأصدقائهم من جميع الأعراق المكونة لساكني ديترويت.

XS
SM
MD
LG