Accessibility links

القوة الناعمة للإسلام.. 'مليارات وأقليات ووسطية'


مسلمون يؤدون الصلاة

بينما يركز الباحثون والدارسون للإسلام في عالم السياسة على الجماعات الإسلامية غير الحكومية والحركات المتشددة، فإن تعامل الحكومات في الدول الإسلامية مع الإسلام واستخدامها إياه كأداة سياسة خارجية، لا يلقى في الغالب اهتماما مماثلا.

دراسة لمعهد "بروكنغز" الأميركي نشرت الأربعاء تقول إن تراجع القومية العربية وصعوبة ترويج الوطنية المحلية خارج الحدود يظهران الإسلام كـ "عملة أيديولوجية" شديدة الأهمية وأحيانا وحيدة لدى تلك الحكومات.

وركزت الدراسة على ثلاثة نماذج في العالم الإسلامي لاستخدام الدين كأداة في السياسة الخارجية: أولها الصراع السعودي الإيراني بين ضخ الرياض لاستثمارات مالية في نشر نموذج الإسلام الوهابي وبين اعتماد طهران على الأقليات الشيعية في المنطقة للحصول على نفوذ إقليمي.

وتشير الدراسة إلى "صراع على الهيمنة الإسلامية" تخوضه الرياض وطهران، موضحة أن "المنافسة طويلة الأمد بين السعودية وإيران هي معركة طائفية، لكنها أولا وقبل كل شيء سباق جيوسياسي تقليدي تطور ليصبح معركة بقاء".

والنموذج الثاني هو حالة "الإسلام الوسطي" الذي تحاول دول كالأردن والمغرب ومصر نشره في سياساتها الخارجية.

وتقول الدراسة إنه في أعقاب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 وثورات الربيع العربي وبزوغ تنظيم داعش، سعت أنظمة كثيرة في الشرق الأوسط إلى تأكيد شرعيتها داخليا عبر مزيج من المصادر الدينية والتاريخية وكذلك خارجيا لإقناع الغرب بأن مؤسساته التي تقدم "إسلاما معتدلا" قادرة على التصدي للجماعات المتشددة.

والنموذج الثالث في حالة تركيا وإندونيسيا كأمثلة للقوى الناشئة التي لديها عناصر متكاملة من التوعية الدينية في استراتيجيات القوة الناعمة الأوسع في آسيا وإفريقيا.

القوة الناعمة السعودية

"ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية. ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنة، وكذلك لدينا مسلمون شيعة"، كان ذلك تصريحا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان في نيسان/أبريل الماضي لمجلة "ذي أتلانتك" الأميركية.

الدراسة التي كتبها الباحثان شادي حميد وبيتر ماندافيل لمعهد "بروكنغز" تقول إنه قبل "دفعة الحاكم الفعلي للسعودية محمد بن سلمان الظاهرية نحو الوسطية، كان هناك دعم سعودي للتفسيرات الصارمة للإسلام".

وتقول الدراسة إن ذلك الدعم توافق بشكل كبير مع مساعي المملكة إلى "تحجيم" منافستها الإقليمية إيران.

وتشير الدراسة إلى أن "تصدير السعودية للوهابية كان محط تركيز الجدل والنقاش على مدى عقود، لكن ما لا خلاف عليه هو أنه منذ ستينيات القرن الفائت، أنفقت هيئات عديدة بالمملكة أو مرتبطة بها عشرات مليارات الدولارات للترويج للتفسير شديد المحافظة والمتشدد للإسلام حول العالم".

وينقسم المراقبون حول مدى تأثير هذه الأنشطة، فبعضهم يربط مباشرة بين الدعم السعودي لـ "التدين المحافظ" وبين الإرهاب فيما يرى آخرون الأمر في إطار تداول الأفكار الدينية العابر للحدود والذي يفضي إلى نتائج متباينة، حسبما تقول الدراسة.

ويشير الباحثان إلى أن دوافع السعودية للانخراط في "نشاط التصدير الديني تطورت بمرور السنين، حيث شهدت المملكة تحولات في السياسة الداخلية كما المناخ الإقليمي حولها وهو ما ساهم في تشكيل استخدامها للترويج الديني كقوة ناعمة".

ومن أبرز تلك التحولات الإقليمية والعالمية تحالف الرياض مع الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة، والثورة الإيرانية في 1979 والتي تقول الدراسة إنها آذنت "ببدء مرحلة جديدة من التنافس الديني-السياسي" بين إيران والسعودية.

مؤسسات وأنشطة خيرية

الدراسة تقول إن "التفكير بأن تصدير الوهابية هو جزء محسوب ومنظم من السياسة الخارجية للحكومة السعودية يتجاهل جزءا كبيرا من الواقع المعقد للأمر".

وجزء من ذلك الواقع المعقد يتمثل في الهيئات الدينية أو شبه الدينية الحكومية وغير الحكومية الناشطة في السعودية وخارجها.

وتضيف الدراسة "بالرغم من أن بعض الهيئات المنخرطة في (تصدير الوهابية) هي وزارات ومؤسسات حكومية إلا أن هناك هيئات خاصة أو شبه حكومية منخرطة كذلك. بعض الهيئات تمولها الأسرة الحاكمة، لكنها مستقلة عن البيروقراطية الحكومية. وهناك أيضا هيئات موصولة بالمؤسسات الدينية في المملكة والتي تمتعت في بعض الأوقات باستقلالية عن الحكومة وكذلك عن آل سعود".

ويقول الباحثان إن السعوديين اعتمدوا في بعض الحالات "على جماعات وشبكات مثل الإخوان المسلمين في السبعينيات والثمانينيات من أجل إدارة وتطبيق جوانب من تمدد المملكة الديني حول العالم".

وتلقي الدراسة الضوء على عدد من الهيئات والمنظمات السعودية المنخرطة في جهود "الدعوة ومن أبرزها وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد والتي يخدم بعض مسؤوليها كملحقين دينيين في سفارات وقنصليات السعودية حول العالم باعتبارهم حلقة وصل مع المجتمعات المحلية المسلمة والقيادات الدينية.

وكذلك رابطة العالم الإسلامي، وهي منظمة تأسست عام 1962 برعاية من الأسرة الحاكمة لدعم التضامن الإسلامي والحث على الدعوة للإسلام عالميا. وبالرغم من الاستقلال عن الحكومة إلا أن الرابطة يرأسها عادة سعودي ومقرها مكة وتعتمد في تمويلها على المملكة بشكل كبير.

وهناك أيضا الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهي منظمة تأسست في 1972 بالأساس لتجهيز الشباب السعودي والمسلم من جنسيات أخرى للدراسة في مجتمعات غير مسلمة للحفاظ على معتقداتهم الدينية، ونظرا لصلات المنظمة القوية بالمؤسسة الدينية السعودية على العكس من رابطة العالم الإسلامي، فإنها أصبحت بمرور الوقت أكثر انخراطا بشكل مباشر في أنشطة الترويج للوهابية، حسب الدراسة.

وتقول الدراسة إن "هناك أيضا طيفا واسعا من المنظمات الخيرية السعودية والممولة من السعودية والتي تدمج الدعوة بما تقدمه من دعم وإغاثة وخدمات اجتماعية حول العالم".

ومن بين هذه المنظمات مؤسسة الحرمين والوقف الإسلامي والهيئة العالمية للإغاثة والرعاية والتنمية، والمنظمات الثلاث "واجهت اتهامات (وفي بعض الأحيان إدانات) لأشخاص وبرامج فيها ارتبطت بتمويل جماعات متشددة مثل حماس والقاعدة".

وتوضح الدراسة أن السلطات السعودية "بدأت بعد 11 سبتمبر 2001 في تشديد القواعد التي تنظم عمل هذه المنظمات، غير أن ذلك لا ينسحب بالضرورة على المنظمات الخيرية الأصغر والخاصة وتلك المملوكة لأسر متنفذة والتي يتمتع بعضها بغطاء من بعض أفراد الأسرة الحاكمة".

إيران والاضطهاد

لا شك في أن الثورة التي حدثت في إيران وجلبت الحكام الإسلاميين إلى طهران قد غيرت من تركيبة الشرق الأوسط السياسية.

وتقول دراسة معهد "بروكنغز" إنه غداة الثورة في إيران "كانت هناك تكهنات حول سعي طهران لتصدير الإسلام الثوري إلى بلدان أخرى في الشرق الأوسط والمناطق الإسلامية المجاورة"، غير أنها توضح أن هذه الاحتمالية لم تكن أبدا مرتفعة وأن التركيز على هذا السيناريو "أبعد الأنظار عن حقيقة أن الإدارة الإيرانية كانت تطور أساليب أكثر تعقيدا لتعليب المحتوى الفكري لثورتها من أجل أهداف جيوسياسية".

وتوضح الدراسة أن "طهران لجأت عند محاولتها التمدد والتواصل مع الشيعة الذين يعيشون في الخليج (مثال: الأقلية الشيعية في السعودية)، إلى الأدبيات التاريخية حول اضطهاد الشيعة وهو ما كان أسلوبا ناجحا".

وكانت السعودية في 2011، على سبيل المثال، اتهمت "دولة خارجية تسعى للمساس بأمن الوطن واستقراره"، في إشارة لإيران من دون تسميتها على خلفية احتجاجات شهدت أعمال عنف في المنطقة الشرقية من السعودية والتي تشهد تركزا للأقلية الشيعية.

وسعت إيران لتصوير نفسها كـ "حامية الأقليات الشيعية المضطهدة وحتى في بعض الأحيان، في حالتي العراق قبل 2003 والبحرين حاليا، حامية للأغلبية المضطهدة"، حسب الدراسة.

وربما تكون الحالة البحرينية الأقرب إلى الأذهان والأبرز، إذ إن الخارجية الإيرانية وفي خضم التظاهرات التي شهدتها المملكة الخليجية الصغيرة في 2011 استدعت سفيرها في المنامة "احتجاجا على عمليات القتل الواسعة التي يتعرض لها الشعب البحريني على يد النظام".

وتضيف الدراسة أن طهران "وبأسلوب آخر، وباعتبارها الممول الدولي الرئيسي لحزب الله المهيمن على شيعة لبنان، تبنت قوة وكيلة عنها قادرة على فرض نفوذ عسكري وسياسي ذي اعتبار في منطقة الشام".

وأشارت إلى دور حزب الله في الدفاع عن نظام الأسد في سوريا، والذي يحظى أيضا بإطار ديني يتمثل في تبرير حزب الله تواجده في سوريا بالدفاع عن المزارات الدينية الشيعية.

وتوضح الدراسة أن إيران سعت في أعقاب الربيع العربي "لاستغلال نقص الاستقرار بإطلاق حملة من عمليات التنفذ العابرة للحدود في دول بمختلف أرجاء الشرق الأوسط وبالأخص في الخليج، حيث تتفق مظالم المجتمعات الشيعية هناك مع الثيمات التي أشعلت الثورات التي أسقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن".

وكانت حكومة البحرين اعتبرت موجة التظاهرات الحاشدة التي شهدتها البلاد في 2011، تدخلا إيرانيا. وربما كان ذلك "رواية خيالية من الحكومة في ظل وجود غضب حقيقي لدى الأغلبية الشيعية" في البحرين، لكن نفوذ طهران ليس غائبا كلية أيضا خاصة عندما يتعلق الأمر بالجماعات الشيعية المتشددة.

المغرب.. بعيدا عن دائرة الضوء

يحمل العاهل المغربي، بنص الدستور، لقب أمير المؤمنين بينما ينظر الغرب عادة إلى المغرب باعتباره أحد أكثر بلدان المنطقة علمانية، وبين هذا وذاك قد يقع استخدام الرباط للدين كأداة سياسية في الداخل والخارج.

دراسة "بروكنغز" تقول إن المغرب نموذج للاستخدام المزدوج الفعال، للدين من قبل الأنظمة العربية.

وتوضح الدراسة أن القوة الدينية الناعمة "تعزز شرعية النظام (في الداخل) عبر تدعيم الجذور الدينية للملكية، وكذلك تعظم من دور المغرب في الساحة الدولية باعتباره صوتا هاما للوسطية الدينية بعيدا عما تعنيه هذه الوسطية على أرض الواقع".

وتشير الدراسة إلى إعلان مراكش في 2016 والذي شدد على حماية حقوق الأقليات في البلاد.

وكان ذلك الإعلان، الذي خرج في مؤتمر حضره "300 شخصية من علماء المسلمين ومفكريهم ووزرائهم ومفتيهم على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم من أكثر من 120 بلدا"، أشار في سطره الأول إلى "الأوضاع المتردية التي تعيشها مناطق مختلفة من العالم الإسلامي بسبب اللجوء للعنف والسلاح لحسم الخلافات وفرض الآراء والاختيارات".

وتقول الدراسة إن الإعلان قوبل بترحيب دولي ودعم من مقومات المغرب وأبرز طموحاتها لتكون مدربا للأئمة "الوسطيين" في العالم الإسلامي.

وتنقل الدراسة عن سوزان هايوارد من معهد الولايات المتحدة للسلام قولها إن إعلان مراكش لم يلق اهتماما كبيرا داخل العالم الإسلامي ووصف بأنه "مبادرة فوقية ومثالية".

ولا ينفرد المغرب بسعيه لاستخدام مؤسسته الدينية في الاستجابة للمناخ الأمني الإقليمي والدولي، حسبما تشير الدراسة، إذ إن تطورات مشابهة في التعامل مع المؤسسة الدينية يمكن كذلك رصدها في الأردن حيث تحكم أيضا أسرة تستمد جانبا من شرعيتها من الجذور الدينية والتاريخية.

وتحيل الدراسة إلى رسالة "كلمة سواء" في العام 2007، وهي رسالة حول القيم المشتركة بين الأديان من أكثر من 100 عالم ومفكر مسلم كتب نسختها الأولى الأمير الأردني غازي بن محمد ووجهت إلى بابا الفاتيكان وقتئذ بيندكت وعدد من قادة الدين المسيحي.

ويذكر أن بن محمد يرأس مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في عمان والتي تأسست في 1980 وتضم في عضويتها شخصيات إسلامية بارزة مثل شيخ الأزهر ومدير منظمة المؤتمر الإسلامي.

وللأمير الأردني أيضا رسالة أخرى في 2014 وجهها إلى زعيم داعش أبو بكر البغدادي، حاول فيها الرد على أفكار التنظيم المتشدد.

وتشير الدراسة أيضا إلى قرار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في 2017 تشكيل مجلس وطني جديد مكلف بمكافحة الأفكار الدينية المتشددة.

وجاء ذلك بعد دعوات متكررة من السيسي لإصلاح الخطاب الديني وهيكلة المؤسسات الدينية فيما تقول الدراسة إنه "تحرك محسوب لتأكيد سيطرة الدولة على المؤسسات الدينية الرئيسية التي رأى البعض أنها أصبحت تتمتع باستقلالية أكبر في أعقاب ثورة 2011.

وتقول الدراسة "بينما لا يعد الإسلام الوسطي رسالة ذات صدى بالنسبة لعموم المصريين أو المغربيين أو الأردنيين، فإنه سيكون من الخطأ الحكم على هذه المبادرات بناء على هذا المقياس. فلا يوجد كثير من الأدلة تشير إلى أن هذه الحكومات ترغب بتغيير الثقافة الشعبية والممارسات المجتمعية للإسلام على مستوى الجماهير".

وتضيف أن "كثيرا من الدول التي تروج للإسلام الوسطي، وبينها المغرب والأردن ومصر، أصبحت قلقة كذلك من تأثير التشدد الديني السعودي داخل حدودها".

وتتابع: "التركيز على الوسطية الدينية كرد على القاعدة وداعش يمثل طريقة أكثر استساغة للرد على النفوذ الوهابي وكذلك طريقة أقل احتمالا لإثارة ضيق الرياض".

XS
SM
MD
LG