Accessibility links

السينما في العراق.. من شاشات الأحلام إلى مخازن للخشب والأحذية


أغلفة اعداد من مجلة "السينما" الصادرة ببغداد 1956

علي عبد الأمير

من آخر العروض اللافتة للسينما الأميركية قبل غزو صدام للكويت في العام 1990، كان فيلم "باتمان" الذي تزامن عرضه الأول في صالة "سينما بابل" ببغداد مع عروضه في مختلف عواصم العالم، في مؤشر على أن السينما الأميركية حتى بجديدها كانت حاضرة وتجلب اهتمام كثيرين من متابعي "هوليوود" في العراق، مثلما كان العرض الأول لفيلم المخرج الأميركي برايان دي بالما "المحصنون" في صالة سينما "سمير اميس".

وإلى جانب تلك العروض كانت الموسيقى الأميركية المعاصرة: البوب والروك والجاز هي الأكثر مبيعاً في أسواق الموسيقى البغدادية، فضلاً عن أن إذاعة "بغداد أف أم" التي كانت تبث النغم الغربي، مخصصة تقريبا لبث جديد النغم الأميركي طوال ساعات وعبر برامج عدة.

ومع غزو النظام العراقي السابق للكويت، وفرض عقوبات عرفت بانها الأقسى في تاريخ منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها، ظلت دور العرض السينمائية عاجزة عن استيراد الجديد من الأفلام، لكن الموسيقى الأميركية ظلت تصدح لسنوات عبر أثير "بغداد أف أم" في جو من المفارقة اللافتة.

ففي الوقت الذي كان فيه الإعلام العراقي معبأ بالكامل للتحريض ضد الولايات المتحدة، كانت أغنيات مادونا، بروس سبرينغفيلد ومرايا كيري وغيرهم من نجوم الموسيقى الأميركية المعاصرة، تنقل ايقاعا منغّما إلى طائفة غير قليلة من أجيال عراقية شابة لم تكن عابئة كثيرا برطانة الإعلام الرسمي وخطابه التحريضي.

وفي الأيام الأولى التي تلت سقوط نظام الرئيس صدام حسين، توقع كثيرون أن تسود ثقافة ليبرالية، غير أن ما حصل هو صعود قيم أصولية دينية متشددة جاءت انعكاسا لوجود من يمثلها في النخب السياسية والاجتماعية الجديدة، فأغلقت صالات السينما، وانطفأت أنوار شاشاتها، ومثلها أغلقت، بل أحرقت أحيانا، مسارح أغلب المحافظات في المناطق العربية من البلاد.

وطال النسف محال بيع الموسيقى وأسطوانات الفيديو، مثلما قتل اغتيالا المئات من الكتاب والعلماء والفنانين والصحفيين والأطباء، وهم مركز التنوير الاجتماعي و ممثلو حيوية الطبقة الوسطى.

وشكلت رسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة لممثلي ذلك المركز الحي في المجتمع العراقي، إشارات واضحة دفعت بالآلاف إلى مغادرة البلاد والهجرة بحثا عن ملاذ آمن، ومن بينهم موسيقيون قاربوا أشكال النغم الغربي (الروك بخاصة)، وسينمائيون لطالما شعت في أرواحهم أنوار العروض الأميركية المبهرة.

اليوم لا صالات حقيقية للسينما في البصرة ثاني أكبر مدينة في البلاد، ولا في الموصل التي صارت للسنوات ما بعد العام 2003 نهبا للتطرف الديني والعرقي، ولا في معظم مناطق البلاد.

لا عروض لهوليوود كالتي كانت هي السائدة خلال عقود خلت وتحديداً بين أربعينيات القرن الماضي وسبعينياته، اللهم إلا تلك التي توفرها قنوات عربية وأميركية يمكن التقاط بثها في المنطقة، غير أنها تواجه حظرا من نوع آخر، هو "الحظر العائلي"، فبسبب صعود القيم الدينية المحافظة والمتشددة بين معظم العراقيين وتحديدا في مناطق وسط البلاد وجنوبها، باتت السينما والأغنيات وتحديدا الغربية منها ممنوعة في معظم البيوت العراقية، والآباء يسارعون مع نصب معدات استقبال البث الفني إلى "تشفير" لائحة من القنوات الغنائية والسينمائية، فيما تتكلف رداءة خدمة الإنترنت الحكومية بجعل متابعة أي عرض فني أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلا لعموم المواطنين.

اليوم خرجت بغداد قليلاً من ظلام المحظورات على السينما، فثمة صالات في عدد من المراكز التجارية الحديثة (المولات) لكنها تظل غير متناسبة مع أساليب الفرجة الواسعة التي كانت توفرها أكثر من 20 صالة للسينما في بغداد تتوزع على أبرز مناطقها وشوارعها ومعها أكتسبت أجيال عدّة ثقافة جمالية متعددة المصادر، لكنها اليوم صارت مخازن للبضائع والخشب ومصانع للأحذية.

أغلفة اعداد من مجلة "السينما" الصادرة ببغداد 1956
أغلفة اعداد من مجلة "السينما" الصادرة ببغداد 1956

مجلة رائدة للسينما قبل 60 عاماً

في العام 1955 أكمل السينمائي العراقي الشاب حينها كاميران حسني دراسته في أميركا وتوجه إلى بغداد ليخرج فيها أول فيلم عراقي ينتمي إلى فنون السينما المعاصرة هو فيلم"سعيد أفندي".

إلى جانب هذا كانت تسيطر على الأستاذ حسني عندما جاء إلى بغداد، فكرة إصدار مجلة فنية تمثل البداية للعمل الذي يريد أن يقوم به، كان يريد أن يعرف الجمهور وأن يعرّف الجمهور على نفسه، وأن يجعل الجمهور يتعرف على فن السينما، فكانت "مجلة السينما" ولاحقا صدرت عنها مجلة "الفنون".

اليوم حين نتعرف على أعداد من مجلة "السينما" الرائدة حينها والتي تسنّى لموقع "الحرة" مراجعة أعداد منها صادرة في العام 1956، فأننا نتعرف على حيوية ثقافية رائدة في تاريخ بغداد المعاصرة، ومقاربةٍ لفنون السينما الراقية، فثمة مراجعات لأبرز الأفلام الأميركية والأوروبية والعربية (المصرية) تجعل المتلقي البغدادي والعراقي بشكل عام على صلة مع نبض ثقافي حي قل نظيره.

وما بين مجلة "السينما" الرائدة حينها وصالات الأحلام السينمائية المغلقة اليوم في معظم المدن العراقية، حكاية توجز تحولات البلاد العاصفة وتغيرات سياسية واجتماعية صاحبتها غالباً موجات من العنف والتخريب وراحت ضحيتها، قبل كل شيء، ملامح الثقافة التنويرية وطبقة متوسطة منفتحة.

XS
SM
MD
LG