Accessibility links

السودانيون يواجهون الدولة العميقة


محتجون سودانيون أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم

يقول المتظاهرون السودانيون الذين نجحوا في الإطاحة بالرئيس عمر البشير من السلطة إن ثورتهم لن تكتمل ما لم يفككوا ما يصفها كثيرون "بالدولة العميقة" التي يهيمن عليها الإسلاميون الذي دعموا حكم البشير على مدار 30 عاما.

هذا الأمر أسفر بالفعل عن تصعيد التوترات مع المجلس العسكري الانتقالي، ما أدى إلى استقالة ثلاثة أعضاء إسلاميين الشهر الماضي بعد أن رفض المتظاهرون الاجتماع معهم.

قال حزب سياسي إسلامي إن المتظاهرين هاجموا أحد اجتماعاته، ما أسفر عن إصابة أكثر من 60 عضوا في الاشتباكات، بينما ألغى واعظ متشدد مسيرة كانت تهدف لدعم الشريعة الإسلامية خوفا من اندلاع أعمال عنف.

يمكن للخلاف بين المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية والإسلاميين أن يزيد من تعطيل الانتقال إلى الحكم المدني، وهو بالفعل موضوع مفاوضات متوترة بين المحتجين والجيش.

كان الانقلاب العسكري الذي وقع عام 1989 والذي جلب البشير إلى سدة الحكم قد دبره حسن الترابي، وهو مفكر يحظى بجاذبية، أسس الحركة الإسلامية الحديثة في البلاد.

تجنبا لرد فعل غربي غاضب، ألبس الترابي ثورته الإسلامية حلة الانقلاب العسكري، حتى أنه عرض نفسه للاعتقال لفترة وجيزة في محاولة لإخفاء دوره.

بموجب توجيهات الترابي، فرضت الحكومة صيغة متشددة للشريعة الإسلامية في التسعينيات اشتملت على بتر الأطراف والرجم كعقاب على بعض الجرائم، كما فرضت قيودا مشددة على حقوق المرأة.

واستقبلت الحكومة أيضا المسلحين الإسلاميين من كافة أنحاء العالم، ومن ضمنهم أسامة بن لادن، قبل أن تقوم بترحيله عام 1996 نتيجة الضغط الدولي.

اختلف البشير والترابي في وقت لاحق، لكن حتى عندما تبنى البشير موقفا أكثر واقعية في الألفية الجديدة، ظل ملتزما بالإسلام السياسي.

تقول روزاليند مارسدن، الخبيرة في شؤون السودان بمركز "تشاتام هاوس" للأبحاث بلندن، إن البشير والحركة الإسلامية "بذلا جهودا كبيرة لتأسيس دولة إسلامية عميقة"، من خلال إنشاء قوات أمنية متعددة وميليشيات ظل.

وتضيف أنهم "أسسوا الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى ومكنوا المطلعين على أسرار النظام من السيطرة على القطاعات والشركات الرئيسية في الاقتصاد".

وتوضح أن "هذه الدولة الإسلامية العميقة تشكل عائقا ضخما أمام التغيير الحقيقي".

ليس من الواضح حجم الدعم الذي يحظى به الإسلاميون خارج الحكومة.

كان حزب المؤتمر الشعبي، الذي أسسه الترابي بعد خلافه مع البشير عام 1999، جزءا من المعارضة على مدى سنوات قبل أن ينضم إلى حكومة البشير عام 2017، بعد عام من وفاة الترابي. ولم يدعم الحزب رسميا الاحتجاجات ضد البشير لكنه انتقد الحملة ضد المتظاهرين، التي أسفرت عن مقتل حوالي مئة شخص.

قال أبو بكر عبد الرازق، العضو البارز في حزب المؤتمر الشعبي، إن للحزب "شهداء" بين المحتجين الذين قتلوا في الحملة، وهدد بانسحاب الحزب من الحكومة إذا قام البشير بتفريق الاعتصام الرئيسي بالقوة.

عقد الحزب اجتماعا الأسبوع الماضي قال إنه تعرض لهجوم من جانب المتظاهرين. وأدان كل من المجلس العسكري وتجمع المهنيين السودانيين، الذي قاد الاحتجاجات ضد البشير، أعمال العنف. لكن المحتجين غالبا ما كانوا يرددون شعارات مناهضة للإسلاميين في مسيراتهم، مشيرين إليهم بكلمة "الكيزان" العامية.

انجذب حزب المؤتمر الشعبي وغيره من الإسلاميين إلى المجلس العسكري في الأسابيع التي تلت إطاحة البشير في 11 نيسان/إبريل.

وتقول ويلو بيريدج، وهي أستاذة بجامعة نيوكاسل ألفت كتابا عن الترابي والإسلاميين في السودان، إن "معظم الجماعات الإسلامية دعمت دورا قويا للجيش في الفترة الانتقالية، ربما لأنها ترى أنه درع محتمل ضد العلمانيين في قوى الحرية والتغيير المعارضة".

في احدى خطب يوم الجمعة في أواخر الشهر الماضي، اتهم عبد الحي يوسف، وهو واعظ متشدد في الخرطوم له أتباع كثر، حركة الاحتجاج بالسعي إلى "إملاء إرادتها على الشعب".

تسائل يوسف قائلا "هل خرجتم إلى الشوارع لفرض قوانين تناقض هوية الشعب ولفصل شريعة الله (الشريعة الإسلامية) عن الحكومة؟". ورفض يوسف مخطط الانتقال إلى الحكم المدني الذي اقترحه المتظاهرون ودعا الجيش إلى حماية دور الإسلام في الحكومة.

ويرأس المجلس العسكري الفريق أول عبد الفتاح برهان، وهو من الأعضاء غير الإسلاميين النادرين بين كبار القادة العسكريين.

استقال ثلاثة أعضاء إسلاميين في المجلس الشهر الماضي بعد أن اشتكى المحتجون من أنهم كانوا قريبين جدا من البشير، الذي سجن في الخرطوم مع العديد من كبار المسؤولين الآخرين.

ولم يتفق الطرفان بعد على مخطط لنقل السلطة، وتعهد المتظاهرون بالبقاء في الشوارع حتى يسلم الجيش السلطة للمدنيين.

تقول مارسدن، الخبيرة في الشأن السوداني، إن "أي تغيير واضح (للنظام السابق) يتطلب تفكيك ميليشيات الظل الإسلامية وإصلاحا شاملا للقطاع الأمني تحت إشراف المدنيين".

وتضيف أن "هذه العملية من المحتمل أن تستغرق بعض الوقت حيث أن تأسيس الدولة العميقة تم على مدار 30 عاما".

XS
SM
MD
LG