Accessibility links

السلطة لـ'داعش' في الليل


أطفال عراقيون يحتفلون بعيد الفطر في المدينة القديمة في الموصل

بقلم حازم الأمين/

عاد "داعش" ليطل برأسه في عدد من "الفراغات السنية". في محافظة صلاح الدين في وسط العراق قال شيوخ عشائر إن الساحة هناك هي للتنظيم في الليل وللحكومة في النهار. في محافظة نينوى نفذ "داعش" عدة عمليات خطف، وتحرك مقاتلوه براحة شديدة بحسب شهود عيان. في كركوك أيضا الوضع لا يؤشر إلى أن هناك مناعة تحول دون عودة التنظيم إلى نشاطه. أما الأنبار، فصحراؤها الهائلة تتسع لما لا يمكن تخيله من احتمالات، والتنظيم مختبئ هناك، كما اختبأ سلفه، تنظيم "القاعدة" لسنوات ثم عاد ليطل برأسه في ظل الشقاق الأهلي والمذهبي.

كان النصر العسكري على "داعش" الوسيلة الوحيدة للحرب على التنظيم. العراق يكرر التجربة نفسها، حين انتصرت حكومة نوري المالكي على تنظيم "القاعدة" وأخلت بوعودها بإشراك الجماعات السنية التي شاركت في قتال التنظيم، فما كان من الأخير إلا أن استقطب مجددا مقاتلي العشائر واستتبع شيوخها. واليوم يأتي النصر على "داعش" في سياق الإمعان في هزم السنة. لا أثر لهؤلاء في العملية السياسية، ولا حساب لهم في توزيع "مغانم" الحرب. إنهم الجماعة المغلوبة بالمعنى الحرفي للكلمة. مدنهم مدمرة وعشائرهم مرتهنة وجماعاتهم موزعة على مخيمات اللاجئين، وفي هذا الوقت يخوض العراق غمار تجربة سياسية لا تأخذ في حسابها هذا الواقع ولا تطرح على نفسها مهمة تصويبه.

جردت الحكومة الحشود العشائرية من السلاح في الكثير من المناطق السنية، ولم تتولَ هي ملأ الفراغ

هذا وضع نموذجي لكي يطل التنظيم برأسه من تلك المساحات الهائلة في الصحراء العراقية. ويبدو أنه باشر خطواته الأولى على هذا الصعيد. فالرهان على أن البيئة السنية اختبرت سلطة التنظيم وعانت من سطوتها ومن إجرامها لا يكفي لكي تطمئن القلوب إلى أن ذلك أكسبها مناعة. المرارة اليوم لا تقل عن مرارة العيش في ظل التنظيم. ثم أن "داعش" نفسه قد يقدم عروضا جديدة أو مختلفة لهذه الجماعة المغلوبة، والقول بأنه تنظيم أعمى ولا شيء عنده ليقوله للجماعات المحلية، هو قول غير دقيق، فـ"داعش" تنظيم أهلي أيضا، وهو مركب مسخي من عدد من الخبرات الإجرامية التي تشكلت في هذه البيئة، ومنها "القاعدة" والبعث والعشائر، وهذه منفردة ومجتمعة يمكنها أن تستجيب لظلامة الجماعة في ظل تحول الأخيرة إلى "جماعة مغلوبة".

اقرأ للكاتب أيضا: المباراة كانت بين الأمويين والساسانيين

ثمة شيء غير طبيعي على الإطلاق في العملية السياسية التي أعقبت النصر على "داعش". ثمة جماعة أهلية استتبعها التنظيم وحكمها بقسوة وتمكن من استمالة مقاتلين منها، هذه الجماعة تعامل اليوم وكأن النصر على التنظيم أصابها بالهزيمة. الموصل مدمرة وكذلك تكريت والرمادي وتلعفر وغيرها من مدن السنة ومن بلداتهم. الحواضر الرئيسة للجماعة السنية العراقية هي اليوم كتل ركامية. النكبة هناك فيما العملية السياسية، بغثها الكثير وسمينها القليل، سائرة في بغداد بعيدا عن هذه الحقيقة.

المرارة اليوم لا تقل عن مرارة العيش في ظل التنظيم

ثمة أصوات نسمعها اليوم تردد أصداء ما كان يردده قادة ما كان يسمى بـ"الصحوات العشائرية" عندما خذلتهم حكومة نوري المالكي في أعقاب "النصر على القاعدة"، ففي حينها تخلت الحكومة عن التزاماتها السياسية حيال القوى السنية التي شاركت بالحرب على التنظيم، وكان هذا كفيلا بانبعاث "داعش". اليوم جردت الحكومة الحشود العشائرية من السلاح في الكثير من المناطق السنية، ولم تتولَ هي ملء الفراغ. السلطة في النهار في هذه المناطق لقوى محلية حكومية والسلطة في الليل لـ"داعش". هذا ما قاله أحد شيوخ العشائر. وهو قول يذكرنا إلى حد بعيد باستغاثات قادة الصحوات ممن انتصروا على "القاعدة" وممن عادت الحكومة وخذلتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: 'قصة حرق معلن' في بغداد

وفي مقابل ذلك ما زال "الحشد الشعبي"، وهو الموازي الشيعي لـ"الحشد العشائري"، محتفظا بسلاحه، لا بل إنه تحول إلى قوة سياسية راجحة في البرلمان العراقي. يطلق تهديدات لقوات التحالف الدولي في أعقاب غارة إسرائيلية على مواقعه في سورية، ويستقبل وفودا من الحوثيين ويقيم مهرجانات تضامن معهم. وهو إذ يتلقى دعما ماليا من الحكومة، لا يبدو أن للأخيرة أدنى سلطة عليه.

هذه الوقائع تشكل وصفة لولادة جديدة لـ"داعش" أو لما يوازيه من كائنات مسخية. إبعاد الجماعة السنية عن المشهد السياسي، واحتجاز كتل سكانية منهم في مخيمات أقيمت في محيط مدنهم المدمرة، وتضخم الأنا المذهبية على طرفي الانقسام، والاندراج في أحلاف إقليمية وحروب خارج الحدود، وفساد الإدارة السياسية والاقتصادية، هذه كلها مؤشرات استئناف لزمن "داعش" في أعقاب هزيمته.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG