Accessibility links

الحالة الشيعية في لبنان: بين النهوض والتبعية


أراد الإمام موسى الصدر للبنانيين الشيعة النهوض، وربط هذا النهوض بتأصيل الانتماء للوطن وتمتينه

استمع إلى المقال:

​بقلم حسن منيمنة/

خلال لقاء قبل أشهر قليلة مع عدد من الإيرانيين المقيمين في لبنان، وفق ما نقلته إحدى وكالات الأنباء الإيرانية، أورد الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله اعتزازه بأن تاريخ لبنان شاهد على تواجد شيعي في جميع مناطقه. أجواء التشنج الطائفي التي تسود لبنان جعلت من هذه الأقوال مادة للشحن، ولاسيما لتواتر الأخبار عن انتشار أمني لحزب الله في جرود بعيدة عن مناطق نفوذه، ولاستقواء أوساط تابعة له أو مؤيدة له في مناطق محسوبة لطوائف أخرى. فكان على حزب الله إنكار ما نسب إلى نصر الله، وكان على وكالة الأنباء الإيرانية سحب الخبر.

ولكن، في حال شذبت الأبعاد السياسية لأقوال نصر الله هذه، فإن ما جاء به الأمين العام لـ"حزب الله" لا يتعارض مع السجل التاريخي. وفي ذكره، بالإضافة إلى المخاطر التي صاغت ردود الفعل، إيجابيات حول العلاقة بين الحالة الشيعية والفكرة اللبنانية. بالفعل، لا تخلو منطقة من مناطق لبنان المعاصر من رصيد تاريخي شيعي، على مدى أكثر من ألف سنة من التدافع والتداول والتجاور.

لا أحادية في هذا السجل الشيعي، فالتشيع في أكثر من موقع وحقبة كان عنوانا عاما للرفض، ليس بالمعنى اللاصق بمصطلح "الرافضة" والذي يشنع به حشد الفقهاء والإسلاميين السنة، إذ يُحصر بالاعتراض على أوائل الخلفاء، بل بمعنى الامتناع عن الانصياع لجبروت الدول السلطانية، والخروج عن طاعتها. فالالتجاء إلى مسمى "الشيعة"، عقيدة أو شعارا، طرح كمزايدة، ضمنية أو صريحة، في الولاء للحدث المؤسس للإسلام، كدين وكدولة.

أصر الصدر وشمس الدين على أن البعد الديني لا يستوجب تجاوز الهوية الوطنية، بل على النقيض يقتضي التزامها

"ألست أولى بكم من أنفسكم"، قالها رسول الإسلام ثلاثا وفق أمهات كتب الحديث لدى أهل السنة والجماعة. "قالوا بلى" وهم الجمع الغفير من الصحابة والأنصار، نواة "الأمة الإسلامية" كما جرى التوافق عليه لاحقا، حين استمهلهم الرسول عند غدير خم. ليأتي الأمر القاطع منه بحق من هو، وفق السيرة المعتمدة، أقرب الناس إليه، نشأ في بيته وتزوج من ابنته: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار". دعاء الرسول بعرف المسلمين، وفق إجماع فقهائهم، مستجاب دوما. في هذا الحديث بالتالي مادة هامة ذات عواقب سياسية واضحة، ارتأت الدول الإسلامية السلطانية المتتالية إهمالها، واستدعت للأمر طاقات الفقهاء وقدراتهم على التخصيص والتعميم، والإطلاق والتقييد، والإجمال والتفصيل. لا بأس. رغم الجهد المبذول، استقرت الدول السلطانية مع هذا الحديث، ولا حاجة لغيره، في موقع الدفاع. وبقي المجال متاحا لمن أراد الخروج إشهار التشيع.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (1) ما هو مصير الكتاب العربي؟

ليس في هذا التصوير انتقاص من صدق المتشيعين، بل الإشارة وحسب أن التشيع، قبل أن تغلب عليه بدوره بعد قرون طويلة فقاهة الأصوليين والأخباريين، كان بابا للحرية، فتحه ودخل منه كثيرون في مختلف الأصقاع، وكان للبنان، بجباله وتضاريسه ووعورة مسالكه، حصة بارزة.

"الضنية" في شمالي لبنان ما زالت تفيد أن أهلها، وهم اليوم من صلب أهل السنة، كانوا من "الشيعة الظنية". بلاد جبيل في عمق جبل لبنان، وبنت جبيل على مسافة كبيرة منها، شاهدتان على تاريخ يتداخل فيه التذكر والتوقع. قرية الحصين المنسية في وسط كسروان، بأهلها الشيعة، قد تكون وريثة من نجا من حملة بطش قاتل للمماليك قبل سبعة قرون، انطلاقا من دمشق، لاقتصاص وإخضاع، بل لإفناء كاد أن يتم، فبقي الحدث برواية الغازي، وضاعت هوية المستهدَفين. هذه نماذج وحسب.

حين تشكل تاريخ لبنان، هذا الوطن المتألق انطلاقا من جبله، قلبه وأساسه، استدعيت كتب أخبار أعيانه، وفيها كان "المتاولة" الشيعة خطرا جاثما في أكثر من مناسبة عند تخومه الشرقية. كُتِب تاريخ لبنان المستقل في زمن كانت كلمة "متاولة" فيه تعييرا، وكان الزعيم الأبرز في هذه الطائفة يعلن كفاية أن ابنه يتعلم، فلا حاجة لباقي أبناء الطائفة أن ينالوا نصيبهم من الدراسة.

لا شك أنه كان في قيام دولة لبنان الكبير، قبل زهاء قرن، انتقاص وتهميش لأطراف الدولة المستحدثة. البعض، كما أعيان المدن الساحلية، سعى إلى الاستفادة من الواقع الجديد، رغم امتعاضه منه ابتداء. "الأقضية الأربعة" وجدت نفسها منقطعة عن عمقها، غير أن صرامة القطع لم تكن قاضية. الخسارة الكبرى في هذا الواقع الجديد كانت لجبل عامل.

نشاط مشهود ودراسات عدة سعت في العقود القليلة الماضية إلى إعادة الاعتبار لجبل عامل، والجهود في هذا الشأن لا تزال في بداياتها. ما هو جلي للتو، هو أن هذا الجبل كان حلقة هامة، بل أساسية وأولية، في شبكة تعبر المشرق باتجاه إيران، من أيام الصفويين وفرضهم التشيع عليها، وصولا إلى مأسسة هذا التشيع، بما يفرغه من طاقته الرافضة، وكبح الظواهر الساعية إلى تجديد هذا الرفض، الشيخية، الكشفية، البابية.

لا شك أنه كان في قيام دولة لبنان الكبير، قبل زهاء قرن، انتقاص وتهميش لأطراف الدولة المستحدثة

في ما يتعدى البعد العلمائي، حيث ثابر جبل عامل على تخريج أفواج تقصد العتبات وحواضرها وما بعدها، واجه جبل عامل بأهله من "المتاولة" قسوة عثمانية، من الباب العالي حينا ومن الولاة أحيانا. ويوم أصبح جبل عامل الجزء الجنوبي من لبنان، زالت هذه القسوة المتعمدة، لتحل محلها أخرى، تقترب منها في الناتج وإن اختلف القصد، تبتدئ بالطمس الاعتباطي للهوية والرصيد التاريخي، وتتعمق في العزل الفعلي لهذه النواحي، والتي كان الجليل وعموم بر الشام عمقا طبيعيا لها، فإذ بها محافظة حدودية متاخمة لواقع انتدابي منفصل، ثم لحالة عداء مطلق مع قيام دولة إسرائيل.

"مذكرات بيروتي" كتاب مميز من أربعينيات القرن الماضي، يتصور مؤلفه المسلم، أي السني، مستقبل مدينته ووطنه الجديد. الجدلية التي يراها هذا المؤلف في لبنان هي بين المسلم والمسيحي، بين الهوية العربية والخصوصية اللبنانية المتماهية مع الغرب. كلمة مختصرة بحق المسلمين من المتاولة هنا. هم بحاجة إلى ارتقاء من واجب أشقائهم (السنة) معاضدتهم على تحقيقه. هي الأبوية في الجهار، المصاحبة للمعيارية في السر. الارتقاء هو من هذا العوز الحضاري الذي يطال كل من لا يستوفي مواصفات العروبة الكاملة، بما في ذلك السنية غير المعلنة.

ثم جاء الأمام موسى الصدر. هذا المهدي، بالمعنى المجازي طبعا، والذي حرر الهوية الشيعية اللبنانية، وفطم مؤسساتها من وصاية أشقائها، بيد ممدودة للجميع. هذا الإيراني اللبناني، الأمانة التي أعادتها إيران إلى لبنان بعد قرون من مساهمة أقاربه وأنسبائه بتشكيل الإطار العقائدي والفكري في بلاد الفرس. هذا المعتكف بالمسجد اعتراضا على الاقتتال والاحتراب في ظلام حروب لبنان، هذا الداعي إلى رفع الحرمان عن أهل لبنان، كما عن أهل فلسطين. هذا المغيب، كما يغيب المهديون، بفعل طيش طاغية أو كيد عدو. "لنا الصدر دون العالمين أو القبر"، والتماهي بين معنى الصدر المقام وقيمة الصدر الرجل هنا تكاد أن توحي أن هذا الشطر الشعري هو له من يوم خطه القلم.

موسى الصدر، الإمام، يوم لم يكن اللقب من نصيب أحد من علماء الشيعة، أراد للبنانيين الشيعة النهوض، وربط هذا النهوض بتأصيل الانتماء للوطن وتمتينه، وسار في خطه خلفه الإمام محمد مهدي شمس الدين. هذا وذاك أصرا على أن البعد الديني لا يستوجب تجاوز الهوية الوطنية، بل على النقيض يقتضي التزامها. الإيراني موسى الصدر طالب اللبناني الشيعي أن يكون لبنانيا بهويته وولائه، شيعيا بإيمانه وأخلاقه.

عقود الحرمان في لبنان منذ استقلاله، والتي عاشها أهل أطرافه، ولا سيما جبل عامل، إذ فرض عليه أن يكون ساحة المواجهة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، طوقت جبل لبنان بحزام بؤس كبير. والنزوح من هذه الأطراف المنهكة إلى العاصمة بيروت كرر الحالة بأن طوقها بحزام بؤس صغير.

تصحيح آخر لا بد منه، وهو الانتهاء من حالة التبعية، والتي تريد اللبنانيين الشيعة على نقيض الصيغة التي نادى بها موسى الصدر، أدوات لطرف خارجي

بعد جحيم الحروب، كان لا بد من السعي إلى إنماء متوازن. لم يحصل ذلك، بفعل طبيعة النظام السياسي اللبناني المحكوم باعتبارات المحاصصة بين زعماء الطوائف والتوافق بين الجهات الخارجية المديرة للواقع السياسي فيه. بدلا من الانماء المتوازن، حصل لبنان على الإنماء المتوازي. نظام رأسمالي زبائني لمعظم اللبنانيين تتناطح ضمنه مقومات الدولة الحديثة والاستقطاع النفعي من جهة، ونظام شمولي "مقاوم" لجمهور حزب الله، يجسد أقصى طموحات الثورة الإسلامية في إيران في إمساكه بحياة رعاياه من مختلف الأوجه ومن المهد إلى اللحد وما يتعداه.

هي دولة حزب الله، والتي يريدها المرشد الأعلى في طهران نموذجا وقدوة لحالات تتكرر في دول الجوار، ويكون معها أهل البلاد من الشيعة جنودا في جيش الولي الفقيه، لا مواطنين في أوطانهم. ولكن الحالة الشيعية في لبنان تتجاوز التبعية التي يعلنها حزب الله دون حرج.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي: (2) ضياع المرجعية العالمية السياسية

الخطأ التاريخي، والذي دفع جبل عامل وعموم الأطراف إلى التراجع والانكسار، صححه أهل هذا الجبل، وسائر المناطق، في هوية لبنانية هم في صلبها. لا المسعى الشمولي لحزب الله ولا الاحتلال الإسرائيلي المنهك على مدى أكثر من عقدين، ولا رداءة العناية التي توفرها الدولة اللبنانية قد اعترضت واقع أن الانتاج الثقافي والعلمي والعملي لدى هذه الأوساط قد تصاعد إلى حد انتفت معه مقولة "الحرمان"، بل إن أداء الأوساط المنتجة ذات الأبعاد الشيعية، داخل الوطن وخارجه، متواصل بزخمه إلى ما يفوق ما يقابلها على المستوى الوطني العام، وذلك رغم التبعية التي يفرضها حزب الله على أجزاء واسعة من هذه الأوساط.

تصحيح آخر لا بد منه بالتالي، وهو الانتهاء من حالة التبعية، والتي تريد اللبنانيين الشيعة على نقيض الصيغة التي نادى بها موسى الصدر، أدوات لطرف خارجي. لا يبدو الأمر سائرا باتجاه التحقق الفوري، ولكن، إذا كان الماضي دليلا على احتمالات سير المستقبل، فإن هذه القبضة الطائفية الممسكة بمصير جمع من اللبنانيين، لن تكون قادرة على تقييدهم خارج مصلحتهم الطبيعية، وإن تطلب الأمر ظهورا لمن يحاكي موسى الصدر في دعوته الوطنية، أي لمهدي جديد. بالمعنى المجازي طبعا.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG