Accessibility links

الحالة السنية في المشرق (1): مقدمة في الأبعاد الدينية


طفل يلهو بينما يصلي الكبار صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد الهند

بقلم حسن منيمنة/

"السنة" اليوم مصطلح فضفاض، حمال لأوجه. ورثة أئمة الدعوة النجدية من السلفيين، المبايعون منهم لولاة الأمر، وكذلك الجهاديون الخارجون عن البيعة أو الممسكون عنها، تحصر كل فرقة منهم الصفة بنفسها، وتصدر الفتاوى من علمائهم وشرعييهم باسم "أهل السنة والجماعة"، لتُخرج من الجماعة.. معظم الجماعة. وكذلك حال خصومهم، من الذين يضيفون صفة "الأشاعرة" إلى أنفسهم حينا، و"الوسطية" أحيانا، فهم يعترضون، مع الإمعان بالإدانة، على جنوح "الوهابية" إلى التكفير، قبل أن يرموا "الوهابية" نفسها بدورهم بأشد نعوت الكفر ويطالبون بإخراجها من تعداد "السنة". ويدينون قباحة أفعال الجهاديين، والتي تتعارض من وجهة نظرهم مع حرمة الإنسان التي أقرها الإسلام، قبل أن يطالب وجهاؤهم بإنزال حد الحرابة بهؤلاء الجهاديين، وقطع أيديهم وأرجلهم ثم صلبهم.

ليس هذا التجاذب بغريب، إزاء اتساع تعريف مصطلح "السنة" ليشمل المتناقضات ويفقد قدرته على التوضيح والتحديد. فـ"السنة" اليوم، بما يزيد على مليار وثلاثمئة مليون في أرجاء العالم، هم أكبر "طائفة" من أي دين على مدى التاريخ والجغرافيا. والأهم أن تعريف "السنة" هذا لا يشمل المتنابذين والمتكافرين وحسب، بل يجمع كذلك فئات متباعدة في فهمها للدين والتدين.

الواقع، اليوم كما بالأمس، وفي كل حاضرة إسلامية، فهو أن الغلبة كانت ولا تزال للتدين المحافظ

أصبح من المعتاد فرز "السنة" إلى "سلفيين" و"وسطيين" و"صوفيين". ومحاولات عدة قد جرت لاستقصاء التوجهات العقدية التفصيلية في أوساط هؤلاء جميعا. مع الإقرار بالأهمية المسحية لهذه الجهود، فإنها في أكثر من حالة تعاني من إرباكات منهجية: من تثبيت المتحوّل في ساحات فكرية متباعدة كل منها يواجه جدليات خاصة به، إلى تشكيل الانطباع العام بقدر من الندية بين هذه التوجهات من حيث الانتشار والتأثير خلافا للواقع من خلال التركيز المتوازن على مضمون طروحاتها، مرورا بالاضطرار إلى جمع المواقف الفردية في أطر مجموعات متجانسة دون أن تكون هذه بالفعل متحققة، والتحبيذ عن قصد أو غيره للتوجهات التي تحاكي همّ المتسقصي.

بل الإشكال الأول في هذا الفرز هو إسقاط التشعب في صفوف علماء "السنة" على جمهورهم، وإلزام هذا الجمهور بخلافات العلماء وتوافقاتهم، في حين أن مواقف الأفراد في وسط هذا الجمهور وقراءاتهم الدينية لا تنتهي عند حدود طروحات علماء الدين.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة الشيعية في لبنان: بين النهوض والتبعية

من الناحية العملية، يمكن توزيع جمهور "السنة" إلى ثلاث فئات. وانطباق هذا التوزيع لا يقتصر على السنة، بل يتعداهم إلى الشيعة وسائر الطوائف الإسلامية وغيرها.

الفئة الأولى هي فئة الملتزمين، والذين يشكل الدين بالنسبة لهم الأساس الأول في هويتهم ونظرتهم إلى أنفسهم ومجتمعاتهم وعالمهم. المسلم السني الملتزم قد يكون سلفيا أو وسطيا أو صوفيا، وهو يجتهد لأداء الفرائض ويعمل على إدراج أوجه حياته كافة في الإطار الجامع المانع للدين. والمسلم السني الملتزم قد يميل إلى التيارات الإسلامية، غير أنه كذلك قد يرى في طروحات هذه التيارات ما يتعارض وقناعاته الدينية.

الفئة الثانية هي فئة المحافظين، والذين يشكل الدين بالنسبة لهم عنصرا هاما في الهوية والمرجعية. وهو إذ يغلب في أوجه عدة، فإنه يتراجع في أوجه أخرى ويتيح المجال لغيره من الاعتبارات بأن تكون ذات وزن أو صدارة في الانتماء والسلوك، من الوطنية والقومية والعشائرية والمناطقية والطبقية واللغوية إلى الهويات الفكرية والسياسية. المسلم السني المحافظ يقر عادة بوجوب الفرائض، ولكنه قد يجنح إلى منطق "دين ودنيا" في حياته اليومية، فيؤدي بعض الطاعة ويترك بعضها الآخر. جاذبية التيارات السياسية الإسلامية بالنسبة له، على محدوديتها النسبية بالمقارنة مع ما هي عليه في أوساط الملتزمين، محكومة عادة بتواجد البدائل أو غيابها.

الفئة الثالثة هي فئة المنفتحين، والذي يشكل الدين بالنسبة لهم رصيدا فكريا وحضاريا وروحيا، ضمن منظومة هوية ومرجعية لا تضعه بالصدارة. المسلم المنفتح قد يثمن الإيمان على تفاوت، وصولا إلى اقتصار أدائه الديني على شكليات الشعائر، أو حتى غياب هذا الأداء. ويندر، ولكن لا ينتفي، أن يميل المسلم المنفتح إلى التيارات الإسلامية، في حين أن الغالب في أوساطه الريبة منها ومواجهتها.

التصويرات للمجتمعات التي للإسلام السني حضور بارز فيها، حين تحصر الفرز بين السلفية والوسطية تغيّب التوزيع الأكثر أهمية من حيث تبين الحالة الدينية في هذه المجتمعات، وهو نسب حضور الملتزمين والمحافظين والمنفتحين، وحجم دخول التيارات الإسلامية في أوساط كل من هذه الفئات، ومدى توفر البدائل.

ثمة توافق ضمني، خطير ومؤذ، قد ترسخ منذ عقود، بين المفكرين الملتزمين في الأوساط المسلمة، والدوائر الجامعية والبحثية في الغرب، في اعتمادها المفرط إلى حد الحصرية على المادة المكتوبة لقياس التوجهات الدينية. الناتج عن هذا التوافق هو اعتماد صيغة التدين الملتزم كأساس معياري وافتراض ما يخرج عنها حالة طارئة أو عابرة أو استثنائية.

فالمادة المكتوبة، على مدى التاريخ الإسلامي العام، وهي التي أعدها الفقهاء وعلماء الدين من السلف والخلف، ترسم التدين على أساس الواجب والطاعة، من منطلق توجيهي لا استقرائي. وهذه المادة هي أساس الصورة الغربية للتدين الإسلامي. والقراءة الغربية، من موقعها خارج المنظومة الفكرية الإسلامية، إذ تتحف بالإدانات من أكثر من جانب، تنسب إليها الموضوعية حين تطرح الالتزام معياريا ويجري استدعاؤها لتعزيزه.

في تفوق الصيغة المحافظة استمرار للتعددية بالفعل وإن دون القول

أما الواقع، اليوم كما بالأمس، وفي كل حاضرة إسلامية، فهو أن الغلبة كانت ولا تزال للتدين المحافظ. أي أن عموم المسلمين، على مدى تاريخهم، قد ثابروا على ممارسة لشعائرهم وفروضهم تقر في العديد من الأحيان، اسميا ونظريا، بالأولوية للدين، ولكنها لا تحافظ على هذه الأولوية بانتظام، لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا سلوكيا. والأهم أنها لا تجمع على ماهية هذه الأولوية ومضمونها، بل ترضى بالفعل والامتناع أن تأتي الممارسة على أقدار واسعة من الاختلاف والتعدد، دون حرج أو تصادم على الغالب.

تعليقات الفقهاء، في كتبهم على مر الدهور، والتي تكرر الشكوى من تفشي العصيان والكسل، بل جهودهم المنصبة على عواقب افتقاد العامة للكمال في دينهم، هي الدليل الراسخ على أن التدين المحافظ، لا التدين الملتزم، هو الصيغة "المعيارية" على مدى الوجود الإسلامي، وفق الاعتبارات الوقائعية الموضوعية، وإن كانت المعيارية الإيمانية الذاتية للملتزمين أنفسهم ولنسبة واسعة من المحافظين، تجعل المعيارية في التدين الملتزم.

أهمية هذه القراءة للواقع التاريخي تكمن في الدفع إلى التخلي عن مقولة السير المحتوم باتجاه التدين الملتزم، وهي المعتمدة في أوساط الإسلاميين (المتفائلين) كما لدى خصومهم (المتشائمين)، وفي الكشف عن الطابع الطارئ أو المرحلي أو المفروض، وبالتالي غير القابل للاستدامة، لما شهده المشرق تحديدا من انتشار للتوجهات السلفية والجهادية، وصولا إلى حد يقارب الاستئثار الميداني في كل من العراق وسورية، وارتفاع حاد بالتأثير في الأردن وفلسطين، مع مقادير من الاختراق في لبنان.

جميع هذه المجتمعات كانت ولا تزال محافظة في تدينها، وهي وإن شهد صلبها المحافظ مقدارا من الانكماش، فإنه كان من الجانبين، أي نتيجة ارتفاع لكل من الانفتاح والالتزام في التدين، على التوالي ثم بالتوازي في الفترات الزمنية المتعاقبة، دون إنزال التدين المحافظ من مقامه المتقدم.

ثورات منتصف القرن الماضي، في كل من سورية والعراق كما التوجهات الثورية في أوساط الفلسطينيين، جاءت بطروحات داعمة للانفتاح نظريا، فيما كان لزخم الحداثة في لبنان ثم في الأردن دفعا في الاتجاه المماثل. فشل ما تقدمت به هذه الثورات من مزاعم تحرير ووحدة وعدالة اجتماعية، مع غياب البدائل التفصيلية، أتاح المجال للحركات السياسية الإسلامية، بإجماليتها، على كسب مقادير متباينة من التأييد. ورغم أن هذه بدورها لم تفِ بوعودها، فإن اعتناقها خطاب الهوية واستفاضتها بالدعوات العصبية الفئوية أبقى لها بعض المساحة. غير أن ما ضمن استمرارها إلى زمن الربيع العربي وما يليه هو غياب البدائل، لا قوة الحجة، ولا التماهي مع شكل التدين. بل كان على المنظمات المعتنقة للسلفية بأشكالها المتباينة اللجوء إلى الترويع من موقع القوة لفرض شكل تدينها.

اغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في دمشق بعد عامين من مراوحة الانتفاضة على النظام مكانها، على ما يمثله الشيخ البوطي من صيغة محلية للتدين المحافظ، يندرج على الراجح في سياق تمكين التشدد السلفي عبر إزالة بدائله. تنظيم "الدولة الإسلامية"، الأكثر وضوحا في طرحه المتشدد، التزم علنا موقف "أن يعامل أهل الشام معاملة المسلمين ما لم يظهر منهم ناقض من نواقض الإسلام"، أي الامتناع عن التسليم التلقائي بإسلامهم وتعقب هفواتهم بالحدود والتعزير (وهو في عرف هذا التنظيم القتل على الراجح)، فيما عمد بعض جنوده ومجاهديه إلى المجاهرة بافتراض الكفر أصلا لهذا الجمهور، والتصرف معه من موقع الغصب والغلبة والاحتلال.

ما ضمن استمرار حركات الإسلام السياسي إلى زمن الربيع العربي وما يليه هو غياب البدائل، لا قوة الحجة، ولا التماهي مع شكل التدين

وعلى الرغم من الضخ العقائدي الفوقي، والذي تمارسه الأنظمة السلطوية عبر موظفيها من العلماء، وتنشط به المنظمات الجهادية التي تجيّش السلفية للاستفادة من تشددها وتحكمها بدقائق السلوك، بل وتقدم عليه التوجهات "الإصلاحية" البازغة من الخارج، في خطاب أصحابها المسفّه للعامة، فإن واقع التدين في الحالة السنية في المشرق لم يتبدل في جوهره، إذ تبقى الصيغة المحافظة في الصدارة، وعلى جانبيها كل من الصيغة الملتزمة والانفتاح، وإن تفاوتت نسب الفئات الثلاث بين دولة وأخرى.

وفي تفوق الصيغة المحافظة استمرار للتعددية بالفعل وإن دون القول، حيث أن هذه الصيغة، على الخلاف من نظيرتها الملتزمة والتي تسعى بدرجات متفاوتة من النجاح إلى التأحيد القسري، وعلى الخلاف من التوجهات المنفتحة المصبوغة بالنخبوية، يغيب عنها المسعى العقائدي، ما يتيح المجال للتخصيصات المحلية وللقراءات المتداخلة، والتي تبدد الاستقطاب بطبيعتها.

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة الدرزية في المشرق: الاختبارات، المغامرات، الدروس المستفادة

قد يكون المطلوب بالتالي التواضع إزاء نجاح هذه المجتمعات بالتوازن في تدينها بين الإصرار الملتزم والإصلاح المنفتح من خلال الترجيح المتواصل للصيغة المحافظة، وعدم الانطلاق من افتراض أزمة دينية لدى العموم، وإن كانت التحديات الفكرية لعلماء الدين، من العلوم الطبيعية والإنسانية والسياسية، جلية وواضحة.

الإشكالية في الحالة السنية المشرقية ليست في التوفيق بين المُعاش والمفترض في التدين، ولا في شحة الانتاج الفكري الديني، وإن كان الجيل الحالي لم يبلغ مقام محمد سعيد رمضان البوطي أو وهبة الزحيلي أو عبدالله العلايلي، بل هي في عدم توفر الطرح الصادق الكفيل بفض الإبهام حول الهوية والمرجعية والمعيارية والمتواصل على مدى القرن الفائت. واستتباب الصدارة للتدين المحافظ، رغم استهدافه من جانبيه، ينفي عن هذه الإشكالية الصفة الدينية بالمعنى الحصري أو الأولي والذي قد يقتضيه التدين الملتزم. وإذ يتفاوت توزيع صيغ التدين بين دول المشرق، كما يختلف مضمون التجربة التاريخية لهذه الدول ويتباعد، فإن المتابعة المجدية للحالة السنية فيها تكون على مستوى الأوطان المنفردة، وإن تواصلت بالخطوط العريضة للأبعاد الدينية.

في المساهمات المقبلة متابعة لهذه الحالات في سياقاتها الوطنية، كل على حدة.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG