Accessibility links

logo-print

رائد الجاز الشرقي يوسف لطيف.. مات الموسيقار عاشت الموسيقى


يوسف لطيف في مهرجان جاز بفرنسا (أرشيف)

يوسف لطيف في مهرجان جاز بفرنسا (أرشيف)

يوسف لطيف، الموسيقار الأميركي الحاصل على جائزة غرامي، وأول من فتح موسيقى الجاز الأميركية الخالصة على إيقاعات وألحان الشرق، توفي الاثنين في أميرست، بولاية ماساشوستس، عن 93 عاما.

امتدت مسيرة لطيف الموسيقية 75 عاما، عازفا على الساكسفون والمزمار والفلوت، وملحنا للعديد من المجموعات والمؤدين وفرق الأوركسترا، في رحلة نقلته من نوادي ديترويت إلى غابات إفريقيا ومن قاعات التدريس الجامعي إلى دور الأوبرا.

استمع إلى مقطوعته "السيدة النوبية":


تقاليد محلية في وعاء الجاز

تميزت مسيرة لطيف بالمحاولات المستمرة لتجاوز الحدود بين الثقافات. ففي أعماله تلتقي صوفية الشرق وإيقاعات إفريقيا، وتحضر آلات من مصر والهند والصين وتركيا ونيجيريا. وتظهر أيضا الابتهالات الروحية ذات السمة الإسلامية، لكنها الأميركية في صميمها.

للأذن العربية، أعمال لطيف أليفة وغريبة في الآن ذاته. يحضر الأرغول والمزمار بروح شديدة المحلية لكنها تطوف بك حول العالم. في اللحظة التي تستكين فيها للمألوف، يفاجئك بنغمة من جغرافية موسيقية بعيدة.

الخلطة الموسيقية التي تميز بها لطيف تهرب من محاولات التصنيف، فعندما منح جائزة غرامي الموسيقية عن فئة موسيقى "العصر الجديد New Age" صرح أنه لا يعرف معنى المصطلح.

وقبل أن ينتشر استخدام تصنيف "الموسيقى العالمية World Music" كانت أعمال لطيف أمثلة نموذجية عليها.

لكن رغم التجريب، ظلت ألحان لطيف ناطقة بسمات موسيقى البلوز، حيث شجن الأفارقة الأميركيين معبرا عنه بآلات النفخ والطبول التي أحضرها العائدون من الحرب العالمية الأولى إلى ولايات الجنوب، موسيقى متوثبة، رشيقة، وشجية.

متأثرا بالإسلام (على الطريقة الأحمدية)، الذي اعتنقه شابا، نظر لطيف لموسيقى تعبر عن توافق الجسد والروح والعقل.

لكن موسيقى لطيف، غير المعروف في العالم العربي، لا تكرر الموسيقى الصوفية أو الابتهالات والأناشيد الآسيوية أو الإفريقية، بل تقدم خلقا جديدا: موسيقى صافية، إفريقية أميركية، روحية، بصبغة إسلامية.

استمع إلى مقطوعته "طفل يتيم الأم":


من هو يوسف لطيف؟

بدأ لطيف حياته كعازف ساكسفون، ثم درس الفلوت وكان من أوائل من أدخلوه إلى فرق الجاز، ليدخل أيضا (لاحقا) المزمار واليرغول ومعهما ملامح الموسيقى الشرقية إلى عالم الجاز، ويبدأ رحلة من التجريب الذي لم يتوقف.

ولد لطيف باسم ويليام إيمانويل هوديلستون في شاتانوغا بولاية تينيسي في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1920، وهاجر مع عائلته وعمره خمس سنوات إلى ديترويت. سجل أولى أسطواناته تحت اسم بيل إيفانز وحول اسمه إلى يوسف لطيف عندما اعتنق الإسلام عام 1948.

بدأت مسيرة لطيف الموسيقية عازفا على آلة "ساكسفون ألتو"، ثم تحول إلى طبقة أخرى مع "ساكسفون تينور"، وذلك خلال دراسته الثانوية، حيث احترف العزف وعمره 18 عاما.

انتقل لطيف إلى نيويورك عام 1946، ليعمل بدءا من 1948 مع فرقة ديزي غيليسبي التي اشتهرت بتجديدها في موسيقى الجاز وتبنيها ألحان بيبوب Bebop السريعة، المتقنة، والمليئة بالارتجال. ثم ما لبث أن عاد إلى ديترويت عام 1950، حيث بدأ في دراسة نظريات وتاريخ الموسيقى، وعمل في النوادي المحلية.

في الخمسينيات، واصل لطيف دراسة العزف على الساكسفون وتدريسه، وتعلم العزف على الفلوت والمزمار، وأبدع مجموعة من أكثر ألحانه أصالة.

في 1960، عاد لطيف مرة أخرى إلى نيويورك، حيث حصل على شهادات أكاديمية في الموسيقى وتدريسها، وحاضر في معاهدها خلال عقدي الستينيات والسبعينيات.

وبعد جولات مع كبار مغني العصر، قدم لطيف عمله الأوركسترالي الأول "المقطوعة 16" عام 1969 قبل أن يقدم سيمفونيته الأولى "طاهرة" وهو اسم زوجته الأولى (بعد أن توفيت تزوج من زوجته الثانية عائشة لطيف).

الفلوت آلة نخبوية، استمع إلى يوسف لطيف كيف يقدمها بروح الجاز:


العالم في سلام

رفض لطيف أن يعزف في أي مكان يشرب فيه الخمر وتدخن السجائر، وقرر الانتقال إلى نيجيريا عام 1981 حيث قضى أربع سنوات دارسا للفلوت الفولاني (آلة نفخية تشبه الشبابة تسمى في نيجيريا ساريوا)، ثم عاد إلى الولايات المتحدة بشهية موسيقية منفتحة على ثقافات العالم المختلفة، وألف مقطوعات للأوركسترا من أبرزها "العالم في سلام The World at Peace" مع عازف الإيقاع آدام رودولف، و"السيمفونية الصغيرة" التي فاز بها بجائزة غرامي عام 1987 وأدى فيها كل الأدوار.

روى لطيف قصة 400 عام من معاناة الإفريقيين الأميركيين في مقطوعته الأشهر "أسطورة الإفريقيين الأميركيين" التي أدتها فرق أوركسترا ومجموعات موسيقية عدة مرات منذ 1993.

كأكاديمي، كرس لطيف حياته لدراسة التقاليد الموسيقية حول العالم، وأتقن العزف على العديد من آلات النفخ (فلوت البامبو الإفريقي، الشاناي الهندي، الشوفرا العبرية، الأرغول المصري، ساريوا، الكوتوا التايواني) محاولا تكريس إطار منهجي لنظريته في "موسيقى الروح والجسد والعقل". وكان لطيف، حتى وفاته، أستاذا في جامعة ماساشوستس في أميرست، حيث حصل على شهادة الدكتوراة عام 1975 بناء على أطروحة بعنوان "عرض للتربية الإسلامية والغربية".

نشرت للطيف رواية "ليلة في حديقة الحب" ومجموعتان قصصيتان "مجالات" و"أشكال المطر".

في عام 2010، حصل لطيف على التكريم الأكبر الذي يمكن أن يحصل عليه فنان جاز، ومنح لقب "معلم Jazz Master" من الوقفية الوطنية للفنون.

قالت الوقفية في قرارها "ظل يوسف لطيف طاقة كبرى في المشهد الموسيقي العالمي لأكثر من ستة عقود، وكان من أوائل من مزجوا الموسيقى العالمية بالجاز التقليدي من خلال تمكنه الكبير كعازف على آلات النفخ الآسيوية والشرق أوسطية".

هذا يوسف لطيف كما تقدمه موسيقاه:

XS
SM
MD
LG