Accessibility links

logo-print

تحليل: ما مستقبل الأقباط في ظل حكم الإخوان؟


صورة تعود إلى عام 2008 لأقباط يتظاهرون أمام البيت الأبيض احتجاجا على "اضطهاد" الأقباط في مصر، أرشيف

صورة تعود إلى عام 2008 لأقباط يتظاهرون أمام البيت الأبيض احتجاجا على "اضطهاد" الأقباط في مصر، أرشيف

بقلم: هاني نور

جاءت أزمة دهشور الأخيرة وما شهدته من مواجهات عنيفة بين مسلمي ومسيحي هذه القرية كأول اختبار حقيقي لنظام الرئيس المصري محمد مرسي، المنتمي لحزب الحرية والعدالة الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين.

فالأقباط الذين يقولون إنهم يشعرون بالتمييز والتهميش، برون أنهم يفقدون المكاسب التي تمتعوا بها لسنوات تحت نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

ففي حكومة تتألف من 33 وزيرا كان نصيب الأقباط وزيرة واحدة تتولى مسؤولية البحث العلمي، إضافة إلى ما أكدته منظمات قبطية بشأن تزايد الهجرة بين الأقباط إلى مستويات مقلقة على نحو جعل التساؤل حول مستقبل الأقباط في ظل حكم الإخوان المسلمين أمرا ملحا، فهل سيختلف نظام مرسي عن نظام مبارك في التعامل مع الأقباط؟ وهل سيكون ذلك نحو الأفضل أم الأسوأ؟.

اضطهاد ممنهج

"استبشرنا بثورة يناير خيرا في أن يتغير الظلم الذي طال الأقباط إلا أن سيطرة التيار الإسلامي وحكم الإخوان المسلمين زاد الأمر سوءا"، بهذه العبارة بدأ الناشط الحقوقي القبطي رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان نجيب جبرائيل، حديثه حول مستقبل الأقباط.

وأضاف أن "ما حدث في دهشور وما تعرض له الأقباط من حرق لمنازلهم وتهجيرهم منها دون أن يحرك الرئيس مرسي أو حكومته ساكنا يزيد من مخاوفنا "، على حد تعبيره.

وأشار جبرائيل إلى أن "الأمر قد ترك للمصالحات العرفية وكان الأولى بمرسي أن يذهب لدهشور ليتعرف على معاناة واحتياجات الأقباط "، مؤكدا " أن ذلك يكشف عدم وجود إرادة سياسية حقيقية في إعطاء الأقباط الحقوق الكاملة للمواطنة في ظل اضطهاد ممنهج يمارس ضدنا"، على حد قوله.

في المقابل، أكد القيادي في جماعة الإخوان المسلمين عضو الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة حلمي الجزار أن "أزمة دهشور هي خلاف بين شاب مسلم ومكوجي مسيحي تطور إلى خلاف ومواجهات بين عائلتي الطرفين".

وأضاف أن "هذه القرى في صعيد مصر تحكمها الأعراف بمعنى أن الحكومة والجهات الرسمية لا تتدخل إلا بعد الاحتكام للقضاء العرفي".

وردا على سؤال حول السبب خلف عدم تقديم المسؤولين عن تهجير الأقباط في هذه القرية للمحاكمة، قال الجزار إنه "لم يحدث تهجير قصري للمسيحيين في هذه القرية، بل هم من تركوا بيوتهم طواعية تحسبا من وقوع شيء ما، ثم عادوا بصحبة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة".

يذكر أن الأقباط اشتكوا على مدار عقود من التمييز كما تعرضت كنائسهم لهجمات متفرقة قبل سقوط نظام مبارك كان آخرها في يناير/كانون الثاني عام 2011، أي قبل أسابيع على اندلاع الثورة المصرية حينما تعرضت كنيسة في الإسكندرية لهجوم ليلة رأس السنة خلف 23 قتيلا على الأقل ولم تتبن أي جهة المسؤولية عنه حتى الآن.
كنيسة القديسين عقب تعرضها لهجوم مطلع عام 2011

كنيسة القديسين عقب تعرضها لهجوم مطلع عام 2011


غير أنه بعد ثورة 25 يناير تزايدت الهجمات التي استهدفت مصالح ودور عبادة قبطية كان أبرزها اشتباكات بين مسلمين وأقباط في ضاحية إمبابة بالجيزة خلفت ستة قتلى بسبب ما قيل عن احتجاز فتاة مسيحية أشهرت إسلامها داخل كنيسة في المنطقة، فضلا عن حوادث متفرقة بسبب خلافات فردية تطورت لتأخذ شكلا أوسع نطاقا.

لكن رغم هذه الحوادث يستبعد الجزار أن يكون هناك اضطهاد ممنهج للأقباط، معتبرا أن ما يحدث يندرج تحت ما يمكن تسميته بالحوادث الفردية.

من جانبه أوضح أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس رئيس مركز بحوث الشرق الأوسط للدراسات المستقبلية الدكتور جمال شقرة، أنه "إذا كان هناك اختلاف أيدولوجي بين جماعة الإخوان المسلمين والأقباط فإن الأمر لن يصل إلى درجة الصدام لأن لدى صانعي القرار من الهموم والأزمات ما يكفيهم ولن يلتفتوا لمشاكل الأقباط لحلها".

وأضاف أنه "إذا ما حدثت أزمة أو فتنة فسيتم تصويرها في وسائل الإعلام التابعة للدولة على أنها عمل فردي وأننا وطن واحد لا فرق فيه بين مسيحي ومسلم كما كان يفعل إعلام النظام السابق".

حكومة مخيبة للأقباط

ورغم وعود الرئيس مرسي في حملته الانتخابية باختيار نائب له من الأقباط، فإن حصول الأقباط على حقيبة واحدة فقط في الحكومة الجديدة جعلهم يتشككون في هذا الوعد.

وعن ذلك يقول جبرائيل إن الحكومة الجديدة برئاسة هشام قنديل "جاءت مخيبة لآمال الأقباط ومؤكدة نهج الإقصاء والتهميش والهيمنة إذ تم تعيين وزيرة دولة قبطية تتحمل مسؤولية البحث العلمي، من أصل 33 وزيرا تم اختيارهم بخلاف رئيس الحكومة".

وأضاف جبرائيل أن الأقباط يشكلون نحو 17 بالمئة من عدد سكان مصر، حسب تقديره، بما يعني أنه من حقهم ست حقائب وزارية في الحكومة وليس حقيبة واحدة فقط بنسبة نصف بالمئة، حسبما قال.

ومضى الناشط القبطي يقول إن "هذا التهميش بدا واضحا حينما أعلنت أخيرا حركة التنقلات في جهاز الشرطة لنكتشف أنه وبين 27 مدير أمن لا يوجد قبطي واحد، أضف إلى ذك غياب الأقباط عن تولي قيادة أي من الصحف القومية أو الجامعات المصرية".

وتقدر إحصاءات رسمية عدد الأقباط في مصر، التي يبلغ تعداد سكانها نحو 84 مليون نسمة، بين سبعة إلى ثمانية بالمئة من عدد السكان، غير أن الكنيسة القبطية تقول إن العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.

من جانبه اعترف الجزار "بضآلة تمثيل الأقباط في حكومة قنديل" متمنيا أن "يتم تدارك هذا الأمر في المستقبل بحيث يحصلون على ثلاث حقائب وزارية بما يتناسب مع نسبتهم في المجتمع".

من جهته، قال جبرائيل "لقد رفعت دعوى للنظر في عدد الأقباط وعمل إحصاء جديد لهم وهو ما سيثبت أننا نمثل ما يقارب ال17 بالمئة من سكان مصر، وعليه نستحق تمثيلا سياسيا أكبر".

وعن احتمالية اختيار نائب قبطي للرئيس مرسي، قال جبرائيل" لا أعتقد أنه سيتم اختيار نائب للرئيس يكون قبطيا حيث لن يرضي الإسلاميون في حال غياب أو مرض الرئيس أن يحكمهم مسيحي ، وربما يتم اختيار قبطي كمعاون أو مساعد للرئيس وبصلاحيات محدودة للغاية".

في المقابل، قال الجزار إن "مجرد وجود قبطي ضمن الفريق الرئاسي أيا كان المسمى هو مكسب كبير للأقباط".

تزايد الهجرة

وحول انعكاسات المخاوف القبطية على واقعهم في مصر، يقول جبرائيل إن "الأقباط بدأوا في الهجرة" قلقا من الوضع في مصر.

وتابع قائلا "لقد بدأت الهجرة المطردة للمسيحيين منذ الإعلان الدستوري في مارس (آذار) الماضي وما عرف ب "دستور الجنة والنار "، حيث بدأ تخوف الأقباط من سيطرة الإسلاميين فوصلت الأرقام حسب إحصائياتنا إلى 100 ألف مهاجر حتى الآن في ظل توقعات بأن يرتفع العدد إلى 250 ألفا مع نهاية هذا العام".

وأضاف أن "عدد الأقباط المهاجرين بلغ بعد وصول مرسي للسلطة في يونيو/حزيران الماضي 20 ألفا في أقل من شهرين بينما كان الرقم في عهد حسني مبارك لا يتجاوز 30 ألفا طوال العام".

وحول تزايد هجرة الأقباط في ظل حكم الإخوان، أجاب الجزار "هذه الهجرة إن وجدت تستند على الخوف من الوهم وليس على حقائق".

من جانبه، يعتقد رئيس مركز بحوث الشرق الأوسط للدراسات المستقبلية الدكتور جمال شقرة أن "هذه الأرقام فيها مبالغة نوعا ما، وإن كنت لا أنكر وجود خوف عام عند الأقباط تجاه حكم الإخوان المسلمين لمصر".

ولا توجد أرقام رسمية تقدر أعداد المهاجرين من الأقباط منذ يناير/كانون الثاني من العام الماضي، كما تشكك الكنيسة القبطية بدورها في الأرقام التي تصدرها منظمات قبطية تقول إنها تستند في إحصائياتها إلى محامين ومنظمات في الخارج.

العنف الطائفي

وعن أهم القوانين التي ينادي بصدورها الأقباط، قال جبرائيل إن الأقباط يطالبون بسن "قانون بناء دور العبادة الموحد، وقانون يجرم ويعاقب كل من يتعامل مع الآخر على أساس الهوية الدينية، وقانون يكافح العنف الطائفي إضافة إلى تقديم كل من اعتدى على رمز أو شخص قبطي للعدالة بشكل سريع".

في المقابل، نفى الجزار الحاجة إلى قانون يكافح العنف الطائفي أو الاعتداء على المقدسات الدينية، معتبرا أن أن "هناك قوانين تجرم وتعاقب كل من تسول له نفسه الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة والأفراد بغض النظر عن ديانتهم وهو ما يكرس مفهوم المواطنة وأن لكل مواطن كامل الحقوق وعليه ذات الواجبات ".

وحول صدور قانون العبادة الموحد الذي يساوي بين شروط بناء المساجد والكنائس، اعتبر الجزار أن"المهم أن يضمن القانون لأتباع الديانات السماوية أن يكون لهم أماكن كافية للعبادة".

من جهته أوضح شقرة أن "جماعة الإخوان المسلمين أو من يمثلهم في الحكم لن تبدي سوى مرونة محدودة تجاه مطالب الأقباط لأغراض سياسية حتى لا يخسروا حلفائهم من السلفيين، مما يعني أنه لن يحدث إصلاحا جذريا تجاه الأقباط".

الحماية الدولية

و حول الخطوات التي سيتخذها الأقباط في المستقبل إذا ما استمرت الأوضاع على حالها، قال جبرائيل "ستستمر وقفاتنا الاحتجاجية، كما أننا بصدد تنظيم مؤتمر كبير يناقش قضية تهميش وانتقاص حقوق الأقباط يعقبه تنظيم مظاهرة سلمية ضخمة من شبرا إلى ماسبيرو للمطالبة بحقوقنا المشروعة".
مرسي خلال لقائه بوفد من الأقباط

مرسي خلال لقائه بوفد من الأقباط


ومضى يقول "سنطالب كذلك المجتمع الدولي بالضغط على مرسي وحكومته لحماية الأقباط وضمان حقوقهم وفقا للأعراف والاتفاقيات الدولية"، غير أنه قال في الوقت ذاته أنه يرفض "أي استقواء بالغرب أو طلب الحماية الدولية" للأقباط.

بدوره، قال الجزار إن "الأصوات التي تنادي بالحماية الدولية للأقباط، هي نشاز لا تعبر عن صوت الكنيسة القبطية الوطنية، كما أننا كمصريين نرفض أي نوع من الضغط علينا أو التدخل في شؤوننا، يتوافق في ذلك المسلم والمسيحي".

من جهته يرى شقرة "أن مصر لن تقبل بالتدخل الأجنبي لحماية الأقليات"، مؤكدا أن هذا السيناريو يظل "مستبعدا لأن مصر لاعب رئيس في الشرق الأوسط ،والدولة المصرية عميقة وتاريخها يحصنها ضد هذه الأزمات".

وقال إن " النخبة المصرية من مختلف التيارات لن تقف صامتة في حال تعاملت الدولة المصرية مع الأقباط على أساس طائفي أو ديني".

الأقباط بين نظامين

وعما إذا كان نظام مرسي سيتعامل بشكل مختلف مع الأقباط مقارنة بنظام مبارك، قال شقرة إن "جماعة الإخوان المسلمين ستتصرف بسياسة لا تختلف كثيرا عن تلك التي كان يتعامل بها الحزب الوطني مع الأقباط".

وتابع قائلا "على الأقل في السنوات الأولى من حكم الإخوان المسلمين، لن تقوم الجماعة باتخاذ أي موقف راديكالي أو متطرف تجاه الأقباط ".

في المقابل، نفى الجزار وجود أي مجال للمقارنة بين نظام مبارك ونظام مرسي فيما يتعلق بالتعامل مع الأقباط، مشددا على أن "الجميع سيشعر بهذا الفرق نحو الأفضل قريبا".
  • 16x9 Image

    هاني نور

    حاصل على بكالوريوس الإعلام قسم الصحافة من جامعة القاهرة عام 1998، إضافة إلى دبلوم الترجمة من كلية ديفيد جيم ببريطانيا عام 2010. تدرب في جريدة الأهرام المصرية وعمل صحافيا في جريدتي "البيان" و"الخليج"، كما عمل سكرتيرا للتحرير في مجلة "سيدتي" وموقع "سيدتي.نت."
     
    حاصل على عدة دورات في الصحافة الإلكترونية والتلفزيونية والوسائط المتعددة.

XS
SM
MD
LG