Accessibility links

logo-print

وديع دده.. عراقي لعب دورا محوريا في ولاية كاليفورنيا


وديع دده مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وزوجته نانسي

وديع دده مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وزوجته نانسي


سان دييغو-كاليفورنيا

أمام منزله المتواضع في ضاحية مدينة سان دييغو، وقف السناتور السابق في ولاية كاليفورنيا وديع دده.. وبادرني بترحيب.. "أهلا وسهلا" قالها بلهجة عراقية لا يزال يحافظ عليها رغم أنه وصل إلى بلاد العم سام عام 1947.

جمع وديع دده، صاحب الـ92 عاما، في شخصه تناقضات الشرق والغرب.. عاش آلاما كثيرة.. لكنه حقق أحلاما كبيرة.

دده مع ريغان يوم كان حاكما لكاليفورنيا

دده مع ريغان يوم كان حاكما لكاليفورنيا

​عرفته ولاية كاليفورنيا بأنه "أبو قانون كالترانز"، نسبة إلى قانون إنشاء الإدارة المسؤولة عن الطرق السريعة والجسور وخطوط السكك الحديدية وخطوط النقل وأعمال البناء والصيانة في ولاية كاليفورنيا، ويفتخر هو بأنه ساهم في إنجاز تشريع على هذا القدر من الأهمية.

في غرفة، علقت على جدرانها صوره إلى جانب كبار من عصره كالرئيس الأسبق رونالد ريغان يوم كان حاكما لكاليفورنيا، والسناتور الراحل إدوارد كينيدي إضافة إلى صور أحفاده وغيرها من قطع الموبيليا التذكارية لاسيما الصناعات اليدوية العراقية والكثير من الكتب، قال وديع "أنا كاثوليكي كلداني، ولدت عام 1920 في بغداد حيث كانت أمي تزور عائلتها.. وفي عمر الشهرين أخذتني والدتي إلى مدينة الأهواز الإيرانية حيث كان والدي وأعمامي قد لجأوا هربا من الخدمة في الجيش العثماني".

يغوص وديع في ذلك الماضي القديم الذي يتذكره بشكل واضح، ويسرد التفاصيل الصغيرة.. ثم يربطها بمفصليات من حياته.

ويقول "انتقلت إلى بغداد في عمر الـ14، بعد أن مات والدي.. أنا البكر لأمي ولي ثلاثة اخوة وأختان.. التحقت بالمدرسة اليسوعية لثلاث سنوات.. ثم بدأت العمل في النهار لمساعدة والدتي والدراسة في الليل، كان راتبي خمسة دولارات في الأسبوع.." ويردف قائلا "كانت حياة صعبة.. لكن تخطيناها".
شغف المهاجر الكاثوليكي وديع بالسياسة كان بسبب ذلك "الكاثوليكي الشاب الذي أراد أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية" جون كينيدي

منذ نعومة أظافره، أراد وديع أن يهاجر إلى الولايات المتحدة. وعن ذلك يقول "تعلمت عند الآباء اليسوعيين الأميركيين، وأحببت أميركا من خلالهم". غير أن ذلك لم يكن السبب الوحيد الذي دفعني إلى الهجرة، لم ينصفنيِ العراق في مطلع حياتي، ولم يسمح لي أن أحقق أحلامي"، قالها بغصة.

وتابع "بعد أن أنهيت دراستي الثانوية، أردت الالتحاق بكلية الحقوق، لكنني رُفضت بحجة وجود كوتا للطوائف، وكان للطائفة الكلدانية أربعة مقاعد فقط"..."تألمت كثيرا"، قالها وديع، "ولا أزال إلى اليوم أشعر بألم الحرمان.. لكني لا أحمل ضغينة".

ولفت وديع إلى أنه تقدم بشكوى إلى وزارة المعارف العراقية "حتى أني التقيت بالوزير آنذاك. يومها. وقال لي: لغتك الانكليزية جيدة، لماذا اخترت الحقوق؟ أنصحك بالالتحاق بدار المعلمين العالية فرع الانكليزي والآداب"، وهو ما حدث بالفعل.

توق إلى الحرية

غير أن "موّال أميركا" لم يغادره، وعام 1947 وصل إلى الولايات المتحدة عبر نيويورك، "هناك تمثال الحرية استقبلني بكلماته التواقة إلى الحرية.. يومها بدأت مشواري مع الحلم الأميركي، رغم أني وصلت إلى هذه الديار من دون مال".

من مرفأ نيويورك انتقل وديع إلى ديترويت في ولاية ميشغين حيث كان أقاربه يعيشون، وعمل في البقالة وذهب إلى الجامعة حيث حصل على شهادة ماجيستر في العلوم السياسية والقوانين الدولية والدستور الأميركي.

دده مع السناتور إدوارد كينيدي

دده مع السناتور إدوارد كينيدي

بعدها قرر أن يجد عملا مختلفا.. "فأنا لم آت إلى أميركا لأعمل في البقالة.. أرسلت طلب توظيف إلى معهد اللغات العسكري في مونتري بولاية كاليفورنيا".
ومن معهد اللغات في مونتري، انطلق وديع إلى مرحلة جديدة من حياته في الولايات المتحدة.

في مونتري استطاع وديع الاستقرار ماديا، كما أنه وجد ماريلين.. حب حياته.
.. وعن الحب يقول وديع "تعرفت إلى ماريلين بالصدفة.. دعيتها إلى العشاء في ليلة من عام 1949.. ومنذ ذلك الحين نحن نتناول العشاء معا".. "تزوجنا عام 1951، ورزقنا بابني بيتر وهو قاض منتخب في محكمة سان دييغو العليا".

وبعد ترحال وتنقل دائم بين ولايتي كاليفورنيا وميشغين، استقر وديع وعائلته في مدينة سان دييغو، حيث التحق كل من وديع وماريلين بمدرسة ثانوية ومارسا مهنة التعليم.

وديع، كينيدي والسياسة

شغف المهاجر الكاثوليكي وديع بالسياسة كان بسبب ذلك "الكاثوليكي الشاب الذي أراد أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية" جون كينيدي.

لم يكن وديع يعرف هذا الشاب الوسيم الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة، لكنه رغم ذلك كان سببا في انتماء وديع إلى الحزب الديموقراطي سنة 1959 حتى أنه تطوع للعمل في الحملة الانتخابية لكينيدي في بعض مدن مقاطعة سان دييغو.

​عام 1959، كان عاما محوريا في حياة الأستاذ الثانوي، فقد انتقل وديع من مرحلة مهاجر يسعى للاستقرار في أميركا إلى مرحلة المواطنة والنضال السياسي في الحزب الديموقراطي.
قال لي البعض: ألا تخاف أن تترشح لمنصب رسمي وأنت كلداني؟ فأجبت هنا أميركا وليس العراق

جهد وديع الشخصي للتعمق بالدستور الأميركي، وإتقانه اللغة الانكليزية، كانا من العوامل التي قدمته على زملائه في الحزب.

عام 1966، ترشح وديع دده العراقي الكلداني المهاجر، وانتخب عضوا في مجلس نواب ولاية كاليفورنيا عن منطقة "أمبيريال بيتش-سان دييغو".. وبذلك أصبح وديع دده أول عراقي منتخب لمنصب رسمي في الولايات المتحدة.

يتذكر وديع تلك الأيام بشغف، وترتسم على ثغره ابتسامة الرضا خلال سرده لوقائع تلك الأحداث، ويرتفع رأسه عاليا عندما يأتي على ذكر أقربائه وأبناء طائفته الكلدان وكيف ساعدوه ببعض المال لحملته الانتخابية، وكم كانوا فخورين به.

"في الانتخابات الأولية، تقدمت على ثلاثة منافسين لي منهم من كان رئيس بلدية أو نائبا لرئيس بلدية.. فدعاني أهلي في ديترويت لزيارتهم.. أذكر أنه في أحد تلك اللقاءات، قال لي البعض: ألا تخاف أن تترشح لمنصب رسمي وأنت كلداني؟ فأجبت هنا أميركا وليس العراق.. ثم سألني البعض عما أريده من مساعدة.. ثم انبرى ذلك الرجل واسم الياس من بين الحضور، وقال لي: هل سيكون اسمك على لائحة الانتخاب إلى جانب المرشحين الآخرين؟ فقلت طبعا. فما كان منه إلا أن أخذ من جيبه 500 دولار ووضعها على الطاولة قائلا: يكفيني فخرا أن يكون اسم كلداني عراقي على هذه اللائحة. فما كان من الحاضرين إلا أن حذو حذوه.. وعدت إلى سان دييغو ومعي ثمانية إلى تسعة آلاف دولار.. وربحت تلك الانتخابات بفارق يفوق ألف صوت".

انتخب وديع دده ثماني مرات عضوا في مجلس نواب ولاية كاليفورنيا، وثلاث مرات عضوا في مجلس شيوخ الولاية.

منذ ترشحه لأول مرة عام 1966 وحتى سنة تقاعده عام 1993، آمن وديع بأن السياسة هي فن ممارسة السلطة للمنفعة العامة.. فكان رجل دولة يفكر بالجيل المقبل وليس سياسيا يفكر بالانتخابات فقط.

وبعد 66 عاما على قدومه إلى هذه البلاد، كيف يقيم وديع رحلة حياته؟ فيجيب "سأجيبك بسؤال: لو بقيت في بغداد، هل كنت سأصل إلى ما وصلت إليه وأنجزته في حياتي في أميركا؟ الجواب كلا.. فأنا لم أستطع الدخول إلى كلية الحقوق، فهل كنت سأدخل إلى الحياة النيابية؟"

.. وبعد زيارة استمرت حوالي ساعة ونصف، استمعت خلالها إلى حكاية رجل من شرقنا صنع من الصعاب نجاحات.. تركت وديع دده بين كتب التاريخ والسياسة التي يحب قراءتها.. على أمل أن أقرأ كتابا عن حياته.

  • 16x9 Image

    أمل شموني



    حائزة على ماجستير في الصحافة الإلكترونية والإعلام والعلاقات العامة من الجامعة الأميركية في واشنطن، وليسانس في الصحافة ووكالات الأنباء من الجامعة اللبنانية. عملت الكاتبة في صحيفة الأنوار ومجلتي الصياد وفيروز، وصحافية مستقلة في أسبوعية الوسط وصحيفة الحياة. وقامت بتغطية العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط والولايات المتحدة. التحقت بموقع راديو سوا منذ عام 2003.

XS
SM
MD
LG