Accessibility links

logo-print

شخص في خطر.. هل تصوره أم تنقذه؟ شارك برأيك


شخص يلتقط صورة لإنسان يموت

شخص يلتقط صورة لإنسان يموت

في مدخل بناية، تنتظر طفلة صغيرة المصعد بعد عودتها من المدرسة. يقترب منها شاب في مقتبل العمر وبعد التأكد من عدم وجود شخص آخر غيرهما، يشرع في التحرش جنسيا بها دون أن تتمكن من مقاومته.

هذه ليست حكاية من نسج الخيال بل حادث حقيقي وثـّقه شخص مجهول في السعودية بواسطة شريط فيديو نشره على موقع يوتيوب.

وأثار الفيديو موجة غضب عارمة، إذ شجب عدد كبير من المغردين على موقع التواصل الاجتماعي تويتر ما تعرضت له هذه الطفلة. لكن، يبقى السؤال هو لماذا اختار هذا الشخص المجهول التخفي وراء عدسة هاتفه المحمول بدل إنقاذ الطفلة من المتحرش بها؟

ماذا كنت ستفعل أنت لو كنتَ مكان ملتقط الفيديو؟ أكنت ستستغل هذا الموقف الذي كنت شاهدا عليه والذي ربما لن يتكرر أمامك ثانية لتلتقط صورة أو فيديو؟ أم كنت ستتدخل لإنقاذ هذه الطفلة من الضرر النفسي والجسدي الذي سيلحق بها؟

شاهد الفيديو لتتخذ القرار:


هل أصبحنا أكثر أنانية؟

ليس هذا الفيديو سوى واحد من العشرات التي يطرحها الشباب هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي والتي توثق لمواقف، البعض منها طريف والبعض الآخر صادم.

بل صار شائعا إيجاد صور أو فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي توثق لمحاولات انتحار أو لحوادث سير مميتة. كما حصل لشاب بريطاني تجاهل رجلا كان ملقى على الأرض عقب تعرضه لحادثة سير واكتفى بأخذ صورة للضحية ونشرها على حسابه الشخصي في تويتر دون بذل أدنى مجهود لإنقاد الرجل.

وهناك مثال آخر لفتاة أميركية سعت جاهدة لأخذ صورة ذاتية تظهر خلفها رجلا يحاول الانتحار من أعلى جسر بروكلين بنيويورك.

ومن بين الفيديوهات الأكثر انتشارا، تلك المأخوذة عن حالات شجار والتي تبين مرة ثانية "سلبية" المتفرجين الذين لا يكلفون أنفسهم عناء الاتصال بالشرطة أو الإنقاذ كما هو الحال في هذا الفيديو:


مثل هذه المواد البصرية تنم عن" تغير أولويات الجيل الحالي خاصة عندما يتعلق الأمر بمد يد المساعدة للآخر"، حسب رأي المستشار النفسي والاجتماعي محمد الحباشنة.

وأضاف الحباشنة أنه" لم يكن ليخطر ببال أحد قبل عقد أو عقدين من الزمن أن يقدم أحد على تصوير شخص يحاول الانتحار مثلا لكن الفردية تعمقت بكل شيء فأصبحت الصورة المثيرة أهم من الحدث ذاته وملتقط الصورة يشعر بالفخر والاعتزاز لكونه هو من حصل على الصورة ونشرها."

و هذا يعزز الأنا الموجود لدى الفرد بـ"شكل شاذ"، حسب تعبير المحلل النفسي لأنه "كسر المعنى الإنساني الأولي والمبدئي بمساعدة الشخص أكثر من توثيق الشخص وفي منع المأساة أكثر من توثيق المأساة".


انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي غير من نظرة الأفراد للذات وللآخر
​وأوضح الدكتور الحباشنة أن انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة ووسائط التواصل الاجتماعي غيّر من نظرة الأفراد للذات وللآخر إذ" استبدلت وسائل التقييم السابقة للذات وهي وسائل إنسانية من خلال ثقافة الفرد وأخلاقه وعمله بوسائل ذاتية فردية من أدواتها وسائل التواصل الاجتماعي".

وهكذا أصبح الشخص "يقدر ذاته بقدر ما يأتيه من تعزيز من الآخرين"، ما يشكل تغييرا كبيرا في منظومة القيم العقلية والمجتمعية عامة.



انتهاك خصوصية الأفراد

فضلا عن الإخلال بالواجب الإنساني الذي يحتم مد يد العون لمن هو في حاجة إلى ذلك، هناك فئة أخرى من "المواد البصرية" تنتهك حق الفرد في الخصوصية بل وتقدم صورة سيئة عنه. ويأتي الأطفال والنساء على رأس قائمة المتضررين.

فقد انتشر في أكتوبر الماضي مقطع فيديو لطفل يناوشه كلب في منطقة صحراوية بالسعودية، ويبدو جليا أن المصور هو من سلـّط الكلب على الطفل ليستمتع بنشوة تصويره.

ووجهت انتقادات لاذعة لمصور الفيديو وناشره بسبب "الأذى النفسي والجسماني" الذي لحق بالطفل والذي بدا جليا في الفيديو.


وتشكل المرأة، خاصة في بعض المجتمعات الإسلامية حيث لا يزال ينظر إليها على أنها "عورة"، هدفا آخر للمهووسين بالتصوير والذين لا يأبهون بحجم الضرر الذي قد يلحقونه بها.

وتنتشر على موقع يوتيوب فيديوهات عديدة لفتيات خليجيات يتعرضن للمضايقة أو التحرش الجنسي في مراكز تجارية مثلا أو في حفلات موسيقية.


ما هو موقف القانون من هذه السلوكيات؟

يحتم القانون على الأشخاص مساعدة الآخرين في حالة احتياجهم لذلك و يكون الشخص مسؤولا قانونيا إذا لم يقدم المساعدة في العديد من الدول، حسبما قال المحامي مروان معلوف.

وأوضح معلوف أنه قبل الآن كان صعبا إثبات تواجد شخص ما في مكان حادث مثلا لكن الآن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أصبح المهووسون بالصورة يوثقون لعدم تقديم المساعدة. وأصبحت الأولوية للتصوير ولنقل الصورة.

على عائلات الضحايا رفع دعاوى ضد المهووسين بالتصوير لردعهم عن هذه السلوكيات
وبرأي المحامي، يجب على عائلات الضحايا رفع دعاوى ضد هؤلاء الأشخاص لردعهم عن هذه السلوكيات.

أما بالنسبة للحق في الخصوصية، فيرتبط تعريفه بالتقاليد والثقافة والقيم الدينية السائدة في كل مجتمع. ويدخل في هذا الإطار الحق في الصورة.

وعرّف هذا الحق في مؤلف "الحق في الصورة" بكونه ذلك "الاستئثار الذي يتيح للشخص منع غيره من رسمه أو التقاط صورة له دون إذن صريح أو ضمني منه وما يستتبع ذلك من حقه في الاعتراض على نشر صورته".

ويختلف تطبيق هذا الحق من دولة إلى أخرى، ففي الوقت الذي تمنع فيه دولة مثل فرنسا نشر أي صورة خاصة دون موافقة صاحبها سواء كان ذلك لأغراض تجارية أو غيرها، يغيب هذا المفهوم تماما في بريطانيا.

هل من جانب إيجابي للهوس بالتصوير؟

برأي الخبير في التواصل الاجتماعي نصري عصمت "ليس شرطا أن تضر عملية التصوير دائما بالضحية"، إذ أنه "في الكثير من الحوادث والوقائع يصبح التصوير هو الدليل على وقوعها فينشر نوعا من التوعية للرأي العام".

وضرب الخبير المثل بالاعتداءات وردود فعل قوى الأمن اتجاه المتظاهرين خلال الثورات العربية، وأوضح عصمت أن التصوير مكن من توثيق هذه الاعتداءات.

وأكد الخبير على أنه لا يمكن تناول هذه الظاهرة بمعزل عما يميز العصر الحاضر الذي أضحى "عصر التوثيق البصري" بامتياز.

كما أشار إلى أن التكنولوجيا الحديثة لا تفرض على الأشخاص سلوكيات جديدة ولكن تعطيهم فقط الأداة التي يمكنهم التعبير من خلالها عن رغبات موجودة لديهم.

وقد عرفت أحداث عدة طريقها إلى العلن بفضل فيديوهات وصور نشرها نشطاء للتعريف بما يتعرضون له من مضايقات أو تعنيف في بلدانهم، كما تمكن العالم بأسره من الاطلاع على أوضاع بعض البلدان بفضل الصحوة التي واكبت وسائل التواصل الاجتماعي.

إلا أنه تبقى هناك حالات يتساءل أمامها المرء عن جدوى أخذ صورة أو فيديو وعن الدوافع التي تقود شخصا ما إلى توثيق مأساة الآخرين عوض مد يد المساعدة أو إنقاذهم.
  • 16x9 Image

    حنان براي

    حنان براي صحافية بالقسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال والذي يشرف على موقعي قناة "الحرة" و "راديو سوا". حصلت حنان على شهادة الماجستير في الترجمة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بمدينة طنجة المغربية، وعلى شهادة البكالوريوس في اللسانيات.
    عملت حنان صحافية منذ سنة 2001 بوكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط، قبل أن تلتحق بمكتب الوكالة في لندن حيث غطت عددا من الأحداث والتظاهرات الدولية والمحلية.

XS
SM
MD
LG