Accessibility links

logo-print

بعد الكشف عن برنامج بريزم.. هل آن أوان الهجرة من الإنترنت؟ شارك برأيك


هل هناك من يراقب كل ما تفعله على الانترنت؟

هل هناك من يراقب كل ما تفعله على الانترنت؟

ارتفعت فجأة مبيعات كتاب "1984". رائعة جورج أورويل التي صدرت قبل 66 سنة صارت تطير مجدداً عن رفوف المكتبات، إثر الكشف عن قيام الإدارة الأميركية بـ"التجسس" على الإنترنت.

العبارة الأثيرة في رواية "1984" وهي: "الأخ الأكبر يراقبك" كانت أول العبارات التي تبادرت إلى ذهن كل من اطلع على المعلومات التي سربها إدوارد سنودن إلى صحيفتي واشنطن بوست الأميركية والغارديان البريطانية في الأسبوع الأول من يونيو/حزيران، مطلقاً موجة عارمة من التساؤلات دارت حول كلمة واحدة: "بريزم"، وهو اسم البرنامج السري الذي تراقب عبره وكالة الأمن القومي (NSA) محتوى بعض شركات التكنولوجيا والمعلومات منذ عام 2007 وحتى اليوم، وبالاتفاق معها.

وحين تكون هذه المواقع هي مايكروسوفت، وياهو، وغوغل وفيسبوك وبالتووك ويوتيوب وسكايب وAOL، ثم، أخيراً، أبل، فمن المنطقي تشبيه البرنامج بالأخ الأكبر ذي الشاربين العريضين الذي يراقب أناس العام 1984 في الرواية المتخيلة. الفارق الوحيد هو أن "بريزم" يراقب الحيوات الافتراضية الأخرى للبشر، وهي حياة تبدأ برسم ابتسامة صغيرة في رسالة داخلية بين شخصين، وتمر بمجموعة من الصور الخاصة جداً، وقد تنتهي أحياناً بمؤامرة يعدها أشخاص تضر بأمن الولايات المتحدة الأميركية، لكنها قد لا تنتهي هنا أيضاً.

أوباما يدافع عن البرنامج

لم تنتظر إدارة الرئيس الاميركي باراك أوباما طويلا قبل أن تحكي عن "بريزم" وتدافع عنه. أوباما نفسه أعلن أن البرنامج "لا ينطبق على المواطنين الأميركيين ولا على المقيمين في الولايات المتحدة الأميركية"، وقال إن "برامج وكالة الأمن القومي قد أجازها الكونغرس بشكل متكرر، وكانت تخضع لمراجعة مستمرة من لجنة الاستخبارات في الكونغرس ومن محكمة مراقبة الاستخبارات الخارجية".


كما أن مدير وكالة الأمن القومي كيث ألكسندر قال في شهادته أمام لجنة من الكونغرس، إنه "تم إحباط أكثر من 50 مخططا إرهابيا منذ العام 2001 بفضل جهود الاستخبارات الأميركية، وذلك في معرض دفاعه عن برامجي رصد المكالمات الهاتفية واتصالات الإنترنت التي وصفها بأنها ضرورية.

مدير NSA خلال جلسة الاستماع غليه في الكونغرس

مدير NSA خلال جلسة الاستماع غليه في الكونغرس

وأشار إلى أنه سيتم إعلان تفاصيل أربعة من تلك المخططات التي تم إحباطها من بينها مخططات لتفجير بورصة نيويورك والمترو فيها. ووجد البرنامج تأييداً من نواب ديموقراطيين وجمهوريين على حد سواء.

هذا الكلام لم يوقف نقاشاً كبيراً فتح ويبدو أنه سيستمر مفتوحاً داخل أميركا وخارجها، حول ماهية البرنامج، وحول الجمهور الذي استهدف وما زال مستهدفاً، وقبل ذلك وبعده، حول الأسئلة الأساسية المتعلقة بالخصوصية المخترقة على الإنترنت، وبحقوق الفرد "العالمي" الذي وجد أن الشركات التي يثق بها ثقة عالية، لا تعنيها هذه الثقة كثيراً، وهي مستعدة للتفريط بها عند الحاجة.

وهناك نقاش أيضا حول الرجل العشريني الذي أطلق هذا الجدل: إدوارد سنودن، والذي انقسم المحللون في تصنيفه، بين طرفي نقيض، كما دائماً: بطل، أم خائن.

ما هو "بريزم"؟

تشرح مجلة wired بأن البرنامج الذي تديره وكالة الأمن القومي الأميركية يسمح لها بالدخول إلى البيانات والمعلومات الرقمية الخاصة على الشبكة، من صور ورسائل بريدية، إضافة إلى كل النشاطات التي يقوم بها متصفح المواقع التي وردت أسماؤها سلفا.

هل كل ما نفعله على الإنترنت يمكن الوصول إليه، وتسجيله من قبل الحكومة الأميركية؟

أعلنت شركتا غوغل وفيسبوك أنهما أعطتا معلومات خاصة بناء على أوامر محددة من المحكمة تتعلق بأشخاص محددين، ووفق ما تنص عليه القوانين الأميركية.

لكن في المقابل هناك مزاعم تقول إن بريزم كان يستخدم من دون تمييز بغض النظر عما إذا كانت المعلومات المطلوبة تتعلق بشخص مشتبه بأنه إرهابي، أو بمواطن أميركي بريء.
يكتب المحرر العلمي في جريدة الحياة أحمد مغربي: ترجمة كلمة «بريزم» هي: الموشور الذي يرشح الضوء ويكسّره الى موجات وألوان طيف. وربما تشي الصورة بفكرة عن عمل «بريزم»: حتى لو كانت المعلومات المطلوب مراقبتها متدفقة كضوء الشمس، يمكن اعتراضها وترشيحها وتصنيفها.

ويصف مغربي البرنامج بالعملاق المتجسس الذي يملك يداً هائلة أخرى اسمها Boundless Infromat أي المخبر بلا حدود".

تتمحور مواصفات "المخبر" في تنظيم المعلومات وتصنيفها، لكن هذه العمليات تُنجز على مدى أسطوري كليّاً. فخلال أقل من شهر، استـطاع «باوندليس إنفورمانت» جمع 3 ملايين معـلومة منتقاة (بمعنى أنها متـّصلة بموضوع مُفرد، هو التفجير في بوسطن) من كومبيوترات تعمل في الولايات المتحدة، إضافة إلى 100 مليار معلومة مشابهة من كومبيوترات خارج أميركا. وجمع البرنامج 14 بليون تقرير معلوماتي عن إيران، و13.5 بليون عن باكستان، وقرابة 12 بليوناً عن مصر وأقل منها قليلاً عن الأردن".

وبهذا الحجم من المراقبة، يصير جدياً، السؤال التهكمي الذي طرحته wired عما إذا آن الأوان لترك الإنترنت؟ وكانت إجابتها حاسمة أيضاً: أجل، إلا إذا كنتَ من مدرسة "لا شيء لدي أخبئه، لا شيء لدي لأخاف منه".

مسلمون وعرب.. وخصوصية

من الذي عليه أن يسأل نفسه ما إذا كانت أميركا تحدق في صندوق بريده؟ هل على المسلمين والعرب أن يتوجسوا بشكل خاص من مثل هذا الخرق للخصوصية؟
يقول المدون والناشط في مجال الحقوق على الإنترنت عماد بزي لموقع قناة "الحرة"، إن متطرفين إسلاميين من خصوم أميركا قد يتوجسون من البرنامج، ويبحثون عن بدائل للاتصال فيما بينهم، لكنه بالتأكيد سيزعج الكثير من المسلمين المعتدلين أو حتى غير المتدينين الذين يستخدمون المواقع المنخرطة في البرنامج".

ويرى بزي أنه في مجتمعات شرق أوسطية محافظة على شركات مثل غوغل وغيرها أن تنتبه إلى أن الناس "لن يحبوا أبداً من يراقبهم. ولأسباب دينية بحتة، قد يوقف الكثير من الناس تعاملهم مع هذه الشركات والبحث عن شركات أخرى. بمعنى آخر، فإن صورة تظهر فيها شعر إمرأة محجبة في الأصل، لن يعود من السهل بعثها في رسالة خاصة على جي مايل أو عبر فيسبوك".

في مجتمعات شرق أوسطية محافظة على شركات مثل غوغل وغيرها أن تنتبه إلى أن الناس "لن يحبوا أبداً من يراقبهم. ولأسباب دينية بحتة، قد يوقف الكثير من الناس تعاملهم مع هذه الشركات والبحث عن شركات أخرى


وتوافقه الرأي مديرة قسم حرية التعبير الدولية في منظمة EFF جيليان يورك. وتقول لموقع قناة "الحرة" إن على المسلمين والعرب أن يتوجسوا أكثر من غيرهم بسبب هذا البرنامج، وتضيف أن "أميركا تجمع المعلومات من أشخاص في بلدان عدة، أولها إيران ومصر والأردن. هذا يعني أنه بالإضافة إلى التجسس الذي على مواطني هذه الدول أن يخافوا من أن حكوماتهم تقوم به، عليهم أن يقلقوا أيضاً من تجسس أميركا عليهم".

وترى يورك أن العالم يشهد اليوم تطبيعاً لعمليات المراقبة وانتهاكاً لخصوصية الأفراد تحت ستار حماية الأمن القومي، وتضيف "من المهم هنا الإشارة إلى أن الفرق بين الولايات المتحدة والصين مثلاً هو أن المواطنين الأميركيين يعيشون في ظل سلطة القانون ويمكنهم اللجوء إلى إجراءات قضائية لتحدي مثل تلك الممارسات. لكن هذا لا يسري على غير الأميركيين. أيضاً نشهد ارتفاعاً في نسبة العرب والمسلمين المستهدفين طبقاً لقوانين توفير الدعم المادي للارهابيين، وفي هذه الحالات باتت تُستخدم وسائل التواصل الإلكترونية بشكل مضطرد".


أميركا تجمع المعلومات من أشخاص في بلدان عدة، أولها إيران ومصر والأردن. هذا يعني أنه بالإضافة إلى التجسس الذي على مواطني هذه الدول أن يخافوا من أن حكوماتهم تقوم به، عليهم أن يقلقوا أيضاً من تجسس أميركا عليهم

سؤال الديموقراطية والحرية الفردية

طرح برنامج التجسس قضية سياسية في المقام الأول حول الأولوية بين الأمن وبين الحرية والخصوصية الفرديتين. وهي القضية التي دفعت إلى تشبيه الولايات المتحدة بالأخ الأكبر، مع أن الكاتب في حينها كان يتنبأ بدولة بوليسية هي نتاج حكم الأحزاب الشيوعية لدول مثل روسيا بعد الحرب العالمية الثانية، أي نقيض أميركا.

يقول المحرر العلمي في جريدة الحياة أحمد مغربي لموقع قناة "الحرة" إن "فضيحة "بريزم" تذكر بالتحديات الكثيرة التي يفرضها العصر المعلوماتي، خصوصاً مع الدخول لما يسمى عصر البيانات الكبيرة Big Data Eara. والأرجح أن هذه التحديات تستنفر الأفراد للدفاع عن حرياتهم وحقهم في الحصول على المعلومات والحق في الاتصالات، من دون الوقوع في هيمنة "الأخ الأكبر".

ويتضمن هذا التحدي، بحسب مغربي "إعادة صياغة خطوط التحدي الديموقراطي في الدولة الأكثر انخراطاً في تجربة الديموقراطية، وهي الولايات المتحدة".

"بريزم" يذكر بالتحديات الكثيرة التي يفرضها العصر المعلوماتي، خصوصاً مع الدخول لما يسمى عصر البيانات الكبيرة Big Data Eara والأرجح أن هذه التحديات تستنفر الأفراد للدفاع عن حرياتهم وحقهم في الحصول على المعلومات والحق في الاتصالات، من دون الوقوع في هيمنة "الأخ الأكبر".

بزي من جهته، يعتبر أن الولايات المتحدة الاميركية باتت "تشبه الحكومات التي تخترق خصوصية أفرادها بشكل عادي. والتوجس الأمني يجعل أميركا تعبر الخيط الرفيع بين الأمن العام والخصوصية الفردية. وعلى أميركا أن تبحث عن بدائل لتضييق مساحة التجسس والمراقبة على المستخدمين".

وترى يورك بدورها أن ما تفعله وكالة الأمن القومي "غير دستوري"، وتؤكد أن التجسس الجمعي أمر غير دستوري، وتشدد على أنه "إذا كان علينا القبول كمجتمع بالمراقبة، فعليها أن تتم من دون أن يخرق ما جاء في التعديل رقم 4 من الدستور. من واجب الحكومة أن تبرهن عما إذا كان التجسس مبرراً، وحكومة الولايات المتحدة لم تفعل ذلك بعد. أنا أرفض كل أنواع التجسس الجمعي".

بطل أم خائن أم فاعل خير؟

أخرج الكشف عن قضية التجسس المعلوماتي فرداً مجهولاً إلى بؤرة ضوء هائلة. ادوارد سنودن هو "النجم" الذي تخلى عن وظيفة تدر عليه 200 ألف دولار سنوياً، وفرّ إلى هونغ كونغ، ليسرّب أوراقه من هناك، فهل هو بطل أم خائن؟

بزي يقول إن سنودن لم يسرب معلومات تتعلق بأمن الدولة، ولا تمس بسياستها الخارجية بشكل ضار كما في وثائق ويكيليكس، وأن جل ما فعله هو أنه فتح طريق المعرفة أمام المواطنين حول العالم، وجعلهم على دراية بوجود مشروع رسمي يتعلق بالمس بحرياتهم الشخصية.

صورة ادوارد سنودن مرفوعة في هونغ كونغ تضامناً معه

صورة ادوارد سنودن مرفوعة في هونغ كونغ تضامناً معه

ويضيف: "إذا كانت حاجات الأمن المجتمعي والقومي مفهومة تماماً، فإن عبور الخط الرفيع بين الأمن والخصوصية هو أمر يمس بكل مواطن أينما كان حول العالم. إنه كما التسمية التي أطلقت عليه".

هو "فاعل خير" بحسب الوصف العربي لتعبير whistleblower . هذا التعبير الذي يشرحه موقع ويكيبيديا بالقول: إنه الشخص الذي يخبر العامة أو شخصا ذا سلطة عن نشاطات غير قانونية أو غير مسلكية تحدث في مؤسسة حكومية أو شركة خاصة أو منظمة.

وإذا كان سنودن يعتبر ما قام به قانونيا، فإنه يخاف من أنه لن يرى بلده ثانية.

وحسب استطلاع أجرته صحيفة غارديان فإن 40 بالمئة من المستطلعين وجدوا في سنودن "بطلاً".

أما هو، ففي أول مقابلة له مع الصحيفة نفسها بعدما كشف عن نفسه، يقول: "وكالة الأمن القومي أقامت بنية تحتية يمكنها اعتراض كل شيء تقريباً. بهذه القدرات يمكن تسجيل كل الاتصالات البشرية وبطريقة أوتوماتيكية من دون تحديد هدف معين بذاته. يمكنهم الوصول إلى بريدك وهاتف زوجتك وكلمات السر الخاصة بك وبطاقات الاعتماد. لا أريد أن أعيش في مجتمع يقوم بمثل هذه الأشياء. لا أريد أن أعيش في عالم كل شيء أقوله يسجل. هذا أمر لا أريد أن أعيش في ظله".

في كلام سنودن الكثير من الاعتراض على أميركا التي تتهم اليوم بأنها "الأخ الأكبر" الذي خرج من رواية أورويل، ليدخل إلى صناديق البريد الإلكترونية حول الكوكب، وفي التفاصيل الصغيرة لحياة الناس الافتراضية، منقباً فيها بلا هوادة.
  • 16x9 Image

    جهاد بزي

    صحافي لبناني خريج قسم الصحافة المكتوبة في كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة  اللبنانية. عمل في جريدتي "السفير" اليومية و"المدن" الإلكترونية وكتب في دوريات عدة قبل أن ينضم إلى MBN Digital وهو القسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN.

XS
SM
MD
LG