Accessibility links

محمد البراهمي.. ضحية اغتيال جديدة لليسار التونسي


القيادي اليساري التونسي الذي اغتيل في تونس محمد البراهمي

القيادي اليساري التونسي الذي اغتيل في تونس محمد البراهمي

هل هو قدر محافظة سيدي بوزيد الواقعة في عمق الغرب التونسي أن تواصل تقديم مزيد من الضحايا للثورة التي ألهمت "الربيع العربي"؟

فبعدما قدمت ذات شتاء من عام 2011 محمد البوعزيزي كأول ضحية أشعلت ثورة تونس، انضم الخميس 25 يوليو / تموز محمد آخر من أبناء سيدي بوزيد إلى مواكب "القرابين" الذين قدمتهم المدينة.

محمد البراهمي 58 سنة، اغتالته 14 رصاصة وهو خارج من منزله، أفرغت في مختلف أنحاء جسده، اخترقت صدره لتنتقل آثارها إلى تونس الوطن وتصيبها في نفس الموضع الذي أصيبت منه قبل ستة أشهر، يوم اغتيال المعارض اليساري البارز شكري بلعيد.

يحتفظ التاريخ الدراسي لمحمد البراهمي الذي رأى النور عام 1955 في أحد أرياف محافظة سيدي بوزيد مهد الثورة التونسية، بتبنيه فكر اليسار. هو ناصري الهوى والمذهب، ظهر ذلك منذ انتسابه إلى الجامعة لدراسة المحاسبة ونشاطه ضمن فصيل "الطلاب العرب التقدميون الوحدويون"، والذي يعتمد أدبيات المفكر البعثي السوري ميشيل عفلق مرجعية له.

ترواح مساره العملي بين التدريس بعد حصوله على الإجازة عام 1982 والعمل في هيئة حكومية قبل أن يغادر إلى المملكة العربية السعودية، التي عمل فيها سنتين لا غير، يعود بعدها محمد البراهمي إلى تونس.

وبنوع من التماهي مع أفكاره اليسارية يتوارى البراهمي في الظل كما هو حال اليسار في العالم منذ أواخر الثمانينات، نٌسي كأنه لم يكن، لكن عناد الرجل منعه من الاستمرار في التخفي حتى وإن اضمحلت الرؤى اليسارية التي ظلت دائما نبراسه في الحياة.

سنة 2005 بدأ حلم بعث اليسار يداعب خيال البراهمي، فبادر إلى تأسيس حركة الوحدويين الناصريين، مما جعل أبواب سجن الرئيس السابق زين العابدين بن علي تستقبله لمرتين.

وما كانت المدتان لتكونا الأخيرتين، لولا أن رياح ثورة قادمة من منطقته ومسقط رأسه سيدي بوزيد والتي هبت لتعصف ذات شتاء من سنة 2011 ببنعلي ونظامه.

وفاءا لمبدأ "خذ وطالب" الذي عرف به نظام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، انخرط البراهمي في العملية السياسية لتونس ما بعد الثورة رغم ما أفرزته من مشهد سياسي سيطرت عليه حركة النهضة الإسلامية، فأسس مع رفيقه السابق أحمد الصديق محامي الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حركة الشعب قبل أن يقرر لاحقا الخروج منها نظرا "لجمودها السياسي والتنظيمي".

أسس إثر ذلك حركة جديدة هي "التيار الشعبي"، انضم من خلاله للجبهة الشعبية المعارضة التي أقامها المعارض اليساري المغتال شكري بلعيد. لقد كانت الجبهة عبارة عن تحالف علماني ضم 10 أحزاب أريد لها أن تحمل راية المعارضة في وجه الترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية.

داخل ائتلاف الجبهة الشعبية، ظل البراهمي وفيا لمنهج النقد العنيف من الداخل لكن من دون رفع السلاح، وهذا ما جعله يصنف إلى جانب شكري بلعيد ضمن خانة صقور المعارضة.

ولم يسجل التاريخ السياسي الحديث للرجل أنه هادن الائتلاف الحاكم رغم قربه فكريا من الرئيس المؤقت منصف المرزوقي، إذ أنه كان يصر على ضرورة أن تنتهي الشرعية الحالية باستقالة الحكومة وإجراء انتخابات جديدة.

حين اغتيل شكري بلعيد كانت تصريحات البراهمي تصب في تحميل حركة النهضة المسؤولية المعنوية عن عملية الاغتيال لكونها الشريك الرئيسي في حكم تونس.

اليوم وبعد اغتياله والتحاقه برفيقه في اليسار والمسار والمصير، ليس للشارع التونسي سوى طرح الاسئلة: من قتل محمد البراهمي؟ من وراء السلاح الاتوماتيكي الذي انطلقت منه رصاصات من 9 ملم لتستقر في جسده أمام منزله كما استقرت ذات الرصاصات منذ ستة أشهر في جسد شكري بلعيد؟
  • 16x9 Image

    عبد الله إيماسي

    عبد الله إيماسي حاصل على بكالوريوس في الإعلام سنة 2007، بدأ محررا للأخبار بالقناة الثانية المغربية إلى أواخر 2009، انتقل بعدها إلى الفضائية المغربية الثامنة، حيث ظل يمارس مهام رئيس تحرير نشرات الأخبار إلى حين التحاقه بالفريق الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN.

XS
SM
MD
LG