Accessibility links

logo-print

حقوق الإنسان في تونس: ماذا تغير بعد سنتين من حكم الثورة؟


استمرار المظاهرات المطالبة بتحسين ظروف المعيشة

استمرار المظاهرات المطالبة بتحسين ظروف المعيشة


مرت سنتان على اندلاع الشرارة الأولى التي أطاحت النظام التونسي السابق بقيادة زين العابدين بن علي، غير أن المسيرات والمظاهرات ما زالت تملأ الشارع التونسي تعبيرا عن مطالب بتحقيق ثلاثي "الكرامة والشغل والحرية"، وهو الشعار الذي حملته الثورة التونسية.

وبعد مرور سنتين ما زالت الحكومة التونسية تلقى انتقادات واسعة من الداخل وحتى من منظمات حقوق الإنسان، حول ممارسات تتعلق بملف حقوق الإنسان التي ترى أنها ما زالت مستمرة.

ويعترف وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية التونسي، سمير ديلو، بأن ما تم تحقيقه خلال السنتين الماضيتين في مجال حقوق الإنسان لا يرقى إلى تطلعات الشعب التونسي بعد الثورة.

وقال ديلو في حديث مع موقع "راديو سوا" بعبارة صريحة "ما زلنا بعيدين عن تحقيق تطلعات الشعب التونسي في مجال حقوق الإنسان"، مضيفا أن "الإرادة متوفرة. هناك بعض الخطوات أنجزت لكن نقطة الوصول ما زالت بعيدة المنال".
ما زلنا بعيدين عن تحقيق تطلعات الشعب التونسي في مجال حقوق الإنسان


واستدل المسؤول التونسي الذي يشغل أيضا منصب المتحدث الرسمي باسم الحكومة، بما وصفه بالانتهاكات التي ما زالت مستمرة، ومنها "حالات من التعذيب وسوء المعاملة، والمظاهرات لا تتم في ظروف تحترم الممتلكات العامة والخاصة والحرمة الجسدية للمواطن. وما دام كل هذا مستمرا فالطريق ما زال طويلا".

وتمضي المحامية والحقوقية بشرى بلحاج حميدة في الاتجاه ذاته، وتعتبر أن لا شيء تحقق من مطالب الثورة التونسية التي قامت، حسب قولها، من أجل الحرية والكرامة وتوفير فرص العمل، مشيرة إلى أنه "لا يمكن إلا أن نعترف اليوم أننا نبتعد كل يوم عن تحقيق هذه الأهداف".

وعددت المحامية جملة من الانتهاكات التي يعيش على وقعها التونسيون يوميا، قائلة إن "القضاء ردي للغاية ولم تتحقق استقلاليته وما زال هناك مساجين رأي ومساجين بدون محاكمة ومواطنون يسجنون رغم قرارات المحكمة بإطلاق سراحهم".

وأضافت أن تونس تشهد انتهاكات تتعلق بالحريات وخصوصا في مجال حقوق المرأة، مشيرة إلى وجود رابطات تقوم مقام الأمن التونسي في فرض النظام العام "يعتدون يوميا على كل من يخالفهم الرأي ويمنعون الناس من التجمع".

أما بالنسبة لمشكلة البطالة، فترى الحقوقية أن حكومة النهضة "لا تملك أي برنامج جدي للحد من هذه الظاهرة"، مضيفة أن التعيينات تتم وفق معايير حزبية وليس الكفاءات، ناهيك عن غياب الاستثمار في ظل انعدام الأمن.

من المسؤول؟

وتحمل الانتقادات في ثناياها اتهامات للحكومة الحالية بقيادة حركة النهضة، التي تهيمن أيضا على المجلس التأسيسي (البرلمان)، بالمسؤولية عما يصفه المنتقدون بالانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان.

ويقر المتحدث باسم الحكومة بأن "السلطة تتحمل القسم الأكبر من المسؤولية"، التي تقوم بمساعي كبيرة لمعالجة الوضع، غير أنه يعتقد أن الأوضاع "ليست مسؤولية السلطة فقط وإنما مسؤولية الجميع".

ومن جانبه يرى نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان التونسية، صلاح الدين جورشي أن الحكومة التونسية تبذل مجهودا وأنشأت وزارة لحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، غير أنه أشار إلى بطء في إصلاح المؤسسات، وخصوصا المنظومات الأمنية والقضائية والإعلامية.

ويحمل المتحدث جزءا من مسؤولية الواقع الهش لحقوق الإنسان في تونس للمجتمع المدني الذي "لا يجب أن يقتصر على الجانب الاجتماعي وإنما عليه أن يقدم اقتراحات وإقناع الحكومة باقتراحاته".

وتقف الحقوقية بشرى بلحاج حميدة على نقيض ذلك، وتتهم صراحة حزب حركة النهضة الحاكم بالمسؤولية عما تصفه بالتراجع في مجال حقوق الإنسان والحريات الفردية.
البلد أصبحت منقسمة في ظل حكومة النهضة بين مسلمين وكفارا وبين أزلام الحزب الحاكم وأزلام الثوريين


وقالت إن "البلد أصبحت منقسمة في ظل حكومة النهضة بين مسلمين وكفارا وبين أزلام الحزب الحاكم وأزلام الثوريين"، مشيرة إلى غياب "إرادة سياسية حقيقية" لدى الحزب الحاكم لتطوير وضعية حقوق الإنسان.

واتهمت المحامية حكومة النهضة بالتناقض في معالجة المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، مستدلة على ذلك بمعالجتها لملف التعويضات التي طالب بها الحزب لصالح مناضليه الذين سجنوا في عهد بن علي.

ورأت المتحدثة أن الحزب الحاكم تعامل مع هذه القضية باعتبارها انتهاكا لحقوق الإنسان لمواطنين تونسيين في العهد السابق، في حين "يرفض تنصيص مسألة حقوق الإنسان في الدستور التونسي".

"عراقيل كثيرة"

ويقول المتحدث الرسمي باسم الحكومة إن تحقيق مطالب الثورة التونسية في ملف حقوق الإنسان يواجه عراقيل كثيرة، منها ما هو مرتبط بظروف الانتقال الديموقراطي وهشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي وحتى النفسي.

وأضاف أن "بناء دولة ديموقراطية مستقلة بمؤسساتها يحتاج إلى وقت، إذ أن تونس ما زالت بدون دستور مستقر وكل شيء فيها مؤقت"، مشيرا إلى أنه "من باب الحرية حققنا الكثير ولكن في باب تنظيم الحرية ما زال الطريق طويلا".

وبدوره، يعتقد نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان في تونس أن بلاده تعيش حالة ارتباك واسعة النطاق نتيجة "تراكم الملفات والتركة الثقيلة التي ورثناها عن المرحلة السابقة"، مضيفا أن تغلب الصراع الإيديولوجي والسياسي على الكثير من الملفات جعل من مسألة حقوق الإنسان تعرف تأخرا في الإصلاح.

وأشار المتحدث إلى أن الحكومة التونسية ذاتها تعيش تناقضات بين مكوناتها مما "جعلها وكأنها مهددة بالانفجار أو الانقسام وهذا ما زاد في إرباك الوضع العام".
التونسيون ينتظرون تحقيق مطالب الثورة

التونسيون ينتظرون تحقيق مطالب الثورة


وتسير بشرى بلحاج حميدة في هذا الاتجاه، متهمة حركة النهضة بعدم قدرتها على تسيير المرحلة الانتقالية، ذلك أنها "فوجئت بوجودها في الحكم ولم تكن جاهزة للوضع الجديد". وأضافت أن طريقة تعاملهم مع الملفات المطروحة كان بمثابة أحد العراقيل أمام الرقي بملف حقوق الإنسان.

ماذا تحقق؟

وبالرغم من الصورة القاتمة التي رسمها المتحدث باسم الحكومة، تحدث سمير ديلو عن بعض "التحسن" في عدد من القطاعات. وقال إن "هناك بعض المجهود المقدر والمحترم في الإصلاح التشريعي، وربما بشكل أقل في إصلاح المؤسسات".

وأضاف الوزير أن تونس تعرف تحسنا في التعامل مع الواقع، ذلك أن الايديولوجية "لم تعد قائمة على إنكار التجاوزات والسعي لتجميل صورة الحكومة أو تضخيم منجزاتها وإنما على أساس التعاطي مع الواقع كما هو".

وثمن المتحدث ما أسماه بالتعاون في "بعض مشاريع القوانين التي تم إعدادها بالتشارك مع المجتمع المدني"، منها المتعلق بالعدالة الانتقالية والآلية الوطنية للوقاية من التعذيب، إضافة إلى مناقشة إلغاء قانون مكافحة الإرهاب.

ومن جانبه يرى صلاح الدين جورشي أن سقف الحريات في البلاد ارتفع "بشكل كبير في العديد من المجالات"، منها حرية التعبير والتنظيم، مستدلا على ذلك بالأحزاب الكثيرة التي دعمت الساحة السياسية بأكثر من 130 حزبا وأكثر من ثلاثة آلاف جمعية.

وأضاف أن علاقة السلطة بالمجتمع السياسي تغيرت بدورها وارتفع سقف المعارضة للسلطة ونقدها.

وعلى النقيض من ذلك، تعتبر بشرى بلحاج حميدة أن أوضاع حقوق الإنسان عرفت تراجعا في ظل استمرار التعذيب والمواجهات العنيفة للانتفاضات والتحركات الاجتماعية.

كما أشارت إلى أن الحق النقابي "أصبح مهددا بنفس رجال الأمن ومليشيات النظام السابق للقضاء على الحريات النقابية"، مضيفة أن حركة النهضة أصبحت "تستعمل حتى الإسلام لإقصاء جزء كبير من المجتمع التونسي"، من خلال الدعوة في المساجد إلى تحريم الإضراب.

تصورات المستقبل

ويتوقع صلاح الدين جورشي أن يكون الدستور القادم الذي ما زال محل نقاش، المفصل الأساسي في ملف حقوق الإنسان. ويرى أن هذه الوثيقة ستنص على الكثير من هذه الحقوق، مشيرا إلى أن حقوق الإنسان في تونس رغم التعثرات، غير مهددة بانتكاسة واسعة.
حقوق الإنسان في تونس رغم التعثرات، غير مهددة بانتكاسة واسعة


ومن جانبه، يراهن المتحدث باسم الحكومة على إصلاح المؤسسات والإطار القانوني، كأداة مهمة للتقدم في ملف حقوق الإنسان، مع الأخذ في الاعتبار مراعاة الحزم في تطبيق القانون.

وقال إنه "لا مجال لنجاح انتقال ديموقراطي دون النجاح في احترام حقوق الإنسان".

أما المحامية بشرى بلحاج فتتوقع أن "المعركة ستبقى مستمرة"، مشيرة إلى أن المجتمع المدني في تونس أصبح أقوى من السابق، وأن المكاسب التي حققتها الثورة "يصعب على النهضة محوها حتى لو حاولت فرض منطقها".

انتقادات غربية

وكانت دول غربية قد وجهت مؤخرا انتقادات للحكومة التونسية بشأن التجاوزات التي ترتكبها الرابطة الوطنية لحماية الثورة، التي توصف في تونس بالذراع العسكري لحركة النهضة.

وعبرت تلك الدول عن قلقها من أن تعوض هذه الرابطة القوات النظامية في إحلال الأمن في البلاد، الأمر الذي جعل العديد من السياسيين التونسيين يطالبون بحلها.

وفي هذا الشأن قال وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية إن الانتقادات الأوروبية "توحي بأن هذه الأجهزة غير نظامية وهذا غير صحيح. الأمر يتعلق بجمعيات وإذا فعلت ما يجعلها تدخل تحت طائلة المحاسبة والمساءلة القانونية فليس هناك أحد فوق المساءلة".

وأضاف سمير ديلو أن العديد من أنصار حركة النهضة الحاكمة موقوفون وسيحالون على القضاء "ولن يشفع لهم انتماؤهم ولا مساندتهم لحركة النهضة أو الحكومة. ومع ذلك نرحب بكل الملاحظات والانتقادات".
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG