Accessibility links

هواية الموت تحصد عددا أكبر من ضحايا الحروب في السعودية


شبان سعوديون يمارسون هواية التفحيط الخطرة

شبان سعوديون يمارسون هواية التفحيط الخطرة

يستفيق سكان دول الخليج يوميا على أخبار مفجعة عن قتلى ومصابين خلال حوادث طرق مصدرها هواية المغامرة بالسيارات التي تلقى إقبالا لدى فئة من الشبان في مختلف دول الخليج ويطلق عليها اسم "التفحيط".

ويقول الشباب في هذه الدول إنهم يجدون متعة حقيقية في هذه الهواية تحقق لهم شعورا بالنشوة، يمتد كذلك ليشمل المشاهدين الباحثين عن الإثارة والمغامرة والمشاهد غير التقليدية.

ولعل أكبر مؤشر على انتشار ظاهرة التفحيط في دول الخليج، هو استعانة مغنية الهيب هوب الأميركية ميا بمشاهد التفحيط السعودية في أغنيتها فتيات متمردات (bad girls).

لكن مشاهد الأغنية التي تظهر حجم الإثارة والمغامرة والتشويق في تلك الظاهرة، تغفل الجانب المميت منها والذي يتسبب بسقوط آلاف الضحايا الذين يفوق عددهم ضحايا الحروب سنويا.

والتفحيط أو التقحيص أو التفحيص أو التمتيع أو التشفيط، هي تسميات مختلفة لظاهرة القيام بانزلاقات بالسيارة بحيث يتم تسييرها بسرعة فائقة وبنفس الوقت الضغط على الكوابح مما يؤدي لانحرافها.

وتتسبب تلك الهواية التي تحظى بشعبية كبيرة لدى شبان الخليج، في وقوع أعداد كبيرة من القتلى سنويا مما يشكل مصدر قلق دائما للأهالي والسلطات التي تسعى لوقفها.

هواية خطرة

ويقول رامي نوفل المقيم في أبو ظبي، إن مشهد دوران السيارة بشكل سريع، يجذب المارة ويشد انتباههم، معتبرا أن نسبة لا بأس بها من شبان الإمارات ينظرون لتلك الظاهرة على أنها هواية ممتعة كأي من الهوايات الأخرى.

لكن رامي يؤكد بالوقت نفسه أن تلك الهواية محفوفة بالمخاطر، وكثيرا ما ينتهي الشعور بالإثارة إلى حالة من الهلع والخوف مع انقلاب الموازين وانحراف السيارة لتنقلب رأسا على عقب، أو تصطدم بأحد المارة.

وتنتشر آلاف مقاطع الفيديو على الانترنت لشبان يمارسون هواية التفحيط في مختلف دول الخليج ولاسيما السعودية التي تحتل المرتبة الأولى ضمن تلك المقاطع، وسط تجمهر عدد كبير من الشبان على أطراف الشوارع، وقد اخترنا لكم هذا المقطع:


انتشار كبير

ويؤكد المواطن الإماراتي سلطان الهملي أن الظاهرة تزداد انتشارا وأن لها جمهورا واسعا من الشباب المراهقين، مشيرا إلى أن "عمليات التفحيط غالبا ما تزداد عقب هطول الأمطار التي تمكن من انزلاق السيارات بسهولة ودورانها".

وانتقد سلطان الظاهرة بشدة، عازيا ذلك إلى خطورتها، وإلى الإزعاج الذي تسببه للمارة والسكان بسبب الأصوات العالية، علاوة على تخريب الهواة لسياراتهم، مؤكدا أنه شاهد بنفسه حادثة لانقلاب سيارة أثناء ممارسة سائقها لهوايته تلك.

وفي وقت تحفل فيه صفحات الانترنت بمئات مقاطع الفيديو التي تظهر مشاهد مروعة لحوادث تسببت بها تلك الظاهرة وأدت إلى مقتل ركاب السيارة أو أحد المتفرجين، فإن حكومات دول الخليج تجهد للحد من تلك الظاهرة.

شاهد مقطع فيديو لظاهرة تفحيط تنتهي بصدم أحد المتفرجين:

ووفق آخر إحصائيات المملكة السعودية، فإن حوادث السير تحصد أكثر من سبعة آلاف شخص كل عام.

وحسب إحصائية رسمية سعودية، فقد وصل عدد حوادث السيارات في المملكة خلال العام الماضي لأكثر من 544 ألف حادث مروري تسببت في وفاة 7153 شخصا، وإصابة ما لا يقل عن 40 ألف شخص، بمعدل 64 حادثة كل ساعة، تؤدي إلى سقوط 20 قتيلا في اليوم.

ووفقا لهذه الإحصائية، فإن السعودية تخسر أكثر من 13 مليار ريال سنويا نتيجة الحوادث المرورية، فيما يقدر جهاز المرور بالبلاد التلفيات في المركبات بتسعة ملايين و400 ألف مركبة.

وفي هذا الإطار، أعلن اللواء عبد العزيز أبو حيمد المدير العام لإدارة مرور منطقة الرياض أن "دراسات تجرى لإقرار أحكام تعزيرية صارمة ورادعة لمعاقبة المفحطين باعتبار أن هذه الظاهرة مسؤولة عن ذلك الرقم الكبير من الحوادث".

وقال أبو حيمد إن إدارة المرور رصدت انخفاضا في بلاغات "التفحيط" في منطقة الرياض بسبب ما تم إقراره مؤخرا من إجراءات أكثر حزما للحد من هذه الظاهرة، مضيفا أن وزارة الداخلية ممثلة في جهاز المرور تعمل على القضاء على ظاهرة التفحيط منذ أعوام عدة، لما سببته من أضرار.

لكن إحصائيات منظمة الصحة العالمية حول حوادث السير، تنفي تلك المزاعم وتوضح أن السعودية تحتل مرتبة متفوقة في حوادث السير في الخليج وأن معدلاتها في ارتفاع متواصل خلال السنوات الماضية، مقارنة بدول أخرى مثل الإمارات.

إرهاب الشوارع

وقد كشف مدير الأنظمة واللوائح بمرور منطقة المدينة المنورة العقيد زهير شرف، أن عدد ضحايا الحوادث في المملكة في العشرين سنة الماضية بلغ أكثر من 86 ألف ضحية، وهو رقم يتجاوز عدد ضحايا عدة حروب مجتمعة، كما قال.

ووصف شرف في محاضرة له بالجامعة الإسلامية الحوادث المرورية بـ"إرهاب الشوارع"، لافتاً إلى أنَّ المملكة تحتلُّ المركز الأول عالمياً في عدد حوادث الطرق.

وأوضح المسؤول المروري السعودي أن عدد ضحايا حوادث الطرق في المملكة الذي بلغ 7153 شخصاً، يتجاوز عدد ضحايا العنف في العراق خلال العام نفسه والذي بلغ حوالي 4200 شخص ، كما يتجاوز أيضاً عدد ضحايا حرب الخليج الذي بلغ 5200 شخص فقط.

وأشار شرف إلى أن الدراسات والأبحاث أثبتت أن أكثر الحوادث تقع بسبب أخطاء العنصر البشري وخاصة السرعة، واستخدام المركبات لغير ما أُعدت له مثل التفحيط.

لكن الإعلامي السعودي تركي الدخيل اعتبر في مقال له بجريدة الرياض ، أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة التي ينبغي عليها " إيجاد آلية تنظيمية وقانون صارم ضد المفحطين والمتفرجين أيضاً".

وعزا الدخيل الظاهرة التي تعاني منها بلاده، إلى عدم وجود أنظمة رادعة من جهة، و"عدم وجود متنفس شبابي يحتضن هؤلاء الشباب بسبب البيروقراطية القاسية التي تهيمن على كل أدوات الترفيه الشبابي".

غير أن انتشار الظاهرة في دول أخرى غير السعودية تختلف ظروفها المعيشية بشكل كبير وتشهد انفتاحا أكبر يثير تساؤلات ملحة حول الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة.

وقال أحد سكان الإمارات مفضلا عدم الكشف عن اسمه، إن عددا لا بأس به من ممارسي الهواية ينتمون إلى طبقات اجتماعية تمنع الشرطة من توقيفهم، أو يرتبطون بصلات قرابة أو صداقة برجال الشرطة.

واتهم الشرطة بالتهاون مع المغامرين الشباب، وهو ما يظهر في عشرات مقاطع الفيديو التي توضح ممارسة هواية السرعة على مرأى من سيارات الشرطة.


لكن المواطن الإماراتي سلطان الهملي أكد في هذا الإطار أن حالة من الوعي بدأت تسود في أوساط الشباب الذين تحول بعضهم لممارسة تلك الهواية وفق ضوابط السلامة والأمن.

وأضاف أنه يتردد سنويا على مهرجان "تل مرعب" للفرجة على مغامرات السيارات، وهو مهرجان لهواة السيارات في تلال مرعب الرملية التي تحيط بها إجراءات السلامة للهواة والمتفرجين.

مشهد من مهرجان تل مرعب لهواة المغامرة بالسيارات:

الموقف الديني

وإلى جانب الوازع القانوني فإن حكومات الخليج ومجتمعاتها تسعى للحد من الظاهرة عبر فتاوى شرعية أطلقها رجال دين حرمت "التفحيط".

فقد أطلق الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، مفتي عام المملكة السعودية فتوى حرمت التفحيط، فيما ذهب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، عضو اللجنة الدائمة للإفتاء والبحوث، إلى أكثر من ذلك قائلا إن "من مات بسبب التفحيط كمن قتل نفسه، وأن من يشجع على ذلك فهو آثم".

ووصل الأمر ببعض رجال الدين إلى حد تحريم الفرجة على التفحيط بوصفها تشجيعا عليه يندرج تحت "التشجيع على المعصية".
  • 16x9 Image

    محمد زيد مستو

    حصل محمد زيد مستو على الإجازة في الإعلام وأخرى في الحقوق وعمل في مجال الصحافة لسنوات متنقلا بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، ثم الموقع الإلكتروني لقناة العربية، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة الأميركية وعمله في الموقعين الإلكترونيين لقناة "الحرة" و "راديو سوا".

XS
SM
MD
LG