Accessibility links

logo-print

'التجربة الكندية'.. لاجئون سوريون أنقذتهم الكفالة من الضياع


لاجئون سوريون هربوا من الحرب في حلب

لاجئون سوريون هربوا من الحرب في حلب

في الوقت الذي ترحّل اليونان اللاجئين السوريين، وتصادر الدنمارك ممتلكاتهم، وتتعالى أصوات الاعتراض على وجودهم في ألمانيا، تقف سيدة كندية اسمها كيري ماكلورغ في إحدى الفنادق التابعة لمطار تورونتو حاملة لافتة باسم عائلة سورية قامت هي ومجموعة من معارفها بتبنيهم.

يقرأ محمد، رب العائلة السورية المتبناة مع زوجته وأربعة أطفال، لافتة كيري بصعوبة، وهو لم يتجاوز تعليمه الصف الثاني الابتدائي، ليلتقي بكفلائه والمسؤولين عن حياته خلال السنة القادمة.

حاله كحال معاذ وسوسن بلاني اللذين تزوجا في سن مبكرة وفرا من سورية بانتظار فرصة سلام كهذه.

وصلت عائلة محمد وغيرهم من اللاجئين السوريين إلى كندا، حسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، عن طريق قانون كندي يمنح مواطنيه حق تشكيل مجموعات صغيرة للتكفل بعائلة لاجئة من مناطق الصراع في العالم لمدة عام كامل، يقدمون خلالها الدعم المادي والعملي لمساعدة العائلة على إعادة ترتيب حياة أفرادها والاندماج في أرضهم الجديدة.

قبل أن تصل أسرة محمد، قامت مجموعة الكفلاء بتأجير شقة وتحضيرها لتكون مسكن العائلة للعام المقبل، ودرسوا المنطقة المحيطة لإيجاد احتياجات العائلة من متاجر ومدارس للأطفال وحتى جامع قريب إن لزم الأمر، وأجروا بحثا كافيا لإيجاد مترجمين عند الحاجة إلى جانب تطبيقات هاتفية تساعدهم في الترجمة الفورية للغة العربية.

وكانت الحكومة الكندية قد تعهدت باستقبال 25 ألف لاجئ سوري، لكنها رفعت هذا الرقم في النهاية لعشرات آلاف أخرى بعد أن تجاوز اللاجئون السوريون المكفولون من قبل مواطنيهم نصف العدد الذي التزمت به حكومتهم.

​وتتحدث مجموعة كيري، التي كان من ضمنها أطباء ومحامون، وربات منزل ومعلمون، عن التردد الذي سيطر عليهم في البداية من جهة درجة تدخلهم في حياة العائلة الوافدة، سواء من طريقة صرف المال المخصص للعائلة كل شهر، أو الضغط الذي يمارسونه على العائلة بعد فترة قصيرة من وصولهم للانخراط في متطلبات الحياة الجديدة، وهو أمر قد يصعب القيام به من قبل عائلة جاءت من أهوال الحرب بانتظار التقاط أنفاسها في بيتهم الجديد.

يتحدث معاذ بلاني في إحدى المناسبات الكثيرة التي جمعته بمجموعة كفلائه، كيف أن بداخله دائما شخص حزين وآخر سعيد، حزين مازال يعيش مع من بقي من أهله في سورية وبلاد الانتظار، وسعيد لأنه حظي بهذه الفرصة.

وجدت كيري لأبناء محمد برنامجا دراسيا لمن لم يسبق لهم دخول المدرسة، وألحقت الأم والأب بدورات لتعليم الانكليزية، بينما تناوب أفراد المجموعة لإعطاء دروس إضافية.

صعوبات الاندماج

ويشق الأطفال طريقهم في المدرسة مندمجين بسرعة أكبر من والدتهم التي وصلت إلى كندا في الشهر الخامس تقريبا من حملها، بينما يبذل الأب قصارى جهده ليتعلم من الانكليزية ما يكفي للبحث عن عمل.

الكل يبدو في سباق مع الزمن، فالكفلاء والمكفولون لديهم سنة واحدة فقط، تنتهي بعدها التزامات الكفيل ويستلم محمد زمام أمره وأمر عائلته. لذلك وبعد ثلاثة أشهر من لقائهم المربك الأول في بهو الفندق، صارح محمد إحدى كفيلاته، سارة ستيوارت بأنه يود البحث عن عمل، فرافقته بحماسة في رحلة البحث وحضرت أول سيرة مهنية له عند ذهابه لمقابلة عمل في سوبرماركت صاحبه سوري الأصل.

يصل كندا بعض اللاجئين السوريين من خلفيات اقتصادية جيدة أو متوسطة، ويبدأ بعضهم بالعمل بل وامتلاك عملهم الخاص بعد شهر واحد من الوصول، لكن معظمهم كحال محمد يواجهون وقتا عصيبا في التأقلم بدون اختصاص مهني ناهيك عن الفوارق الحضارية، والإحساس المثقل دائما بالوقوف مكان المتلقي وليس المعطي.

تلك أحد الأسباب التي دفعت محمد إلى ترك العمل في السوبرماركت بعد أيام فقط، لعجزه عن إجابة أسئلة بسيطة لزبائن المحل، لكنه أدرك في الوقت ذاته رغبة جديدة لم تكن متاحة له من قبل، فقبل قدومه إلى كندا كان يعمل في أي شيء وأي مكان لإعالة أسرته، أما اليوم فبإمكانه اختيار المهنة التي يحب، "أريد أن أصبح ميكانيكيا".

تجربة معاذ وسارة بلاني مع ابنهما عبدالله، تزخر بالمشاعر المتناقضة بين حزن على أخ قتل في اشتباكات بين النظام ومعارضيه (يحتفظ معاذ بصورة أخيه جثة دامية يعرّفه بها للآخرين)، وبين اختبار إحساس آخر بقيمة حياة الإنسان، كما عبر معاذ عندما أقامت مجموعته أول حفل عيد ميلاد له في حياته.

ولا يقتصر الضغط والتشجيع الذي يمارسه الكفلاء هنا وهناك خصوصا في شؤون الدراسة والصحة، على الرجال دون النساء، بل إن معظمهم لا يشعر بإنجازه إلا عندما تبدأ المرأة بالتفكير بمتابعة الدراسة أو ممارسة عمل، كما حصل مع سارة بعد موافقة معاذ الذي منعها من العمل في الأردن.

الكفالة.. بين النجاح والفشل

تبدو حالة عائلة محمد حالة نموذجية، تمكن أبطالها من العمل بتناغم اكتملت معه الدائرة عندما أجرت كيري عملية استئصال لورم سرطاني بعد أشهر من وصول عائلة محمد لكندا، لتحصل عندها على دعم لم تكن قد خططت له من أسرة محمد أنفسهم.

طبعا لم تكن لكل الحالات جودة النتائج التي تبدت خلال خمسة شهور من زمن العمل على هذا التقرير، فبعض الحالات سجلت فشلا بترك العائلة المكفولة بلا معين بعد الاختلاف مع الكفيل، أو سجلت حالات لعوائل أبدت اعتراضها على كفلاء كنديين كانوا ينشرون تفاصيل رحلة الكفالة على حسابهم في الفيسبوك، فيما اعتبروه خرقا لخصوصيتهم، وحالات أخرى اشتكت فيها عوائل سورية ميسورة الحال من الشقة المخصصة لهم.

وبين هذه التجارب وتلك، تسابق عائلتا محمد ومعاذ الزمن ليستقلوا بأنفسهم في رحلة بشجون متباين، وسيتمكن معاذ في وقت قريب من إعادة الكرة، ولكن من الطرف الآخر وهو يستقبل أقرباء له مطلع العام القادم، تبنتهم مجموعة كندية جديدة.

المصدر: نيويورك تايمز (بتصرف)

XS
SM
MD
LG