Accessibility links

أزمة إنسانية خانقة تحول حياة السوريين إلى "جحيم"


طفل سوري يحمل ربطات خبز على رأسه

طفل سوري يحمل ربطات خبز على رأسه

"أن تكون بحاجة إلى ربطة خبز فأمامك خياران، الأول أن تقف في الطابور من السادسة صباحاً إلى العاشرة مساءا، والثاني شراء ربطة بمبلغ 40 ليرة من طفل ترك مدرسته ليقوم بدورك في الوقوف في الطابور ويبيعك ربطة الخبز بأسعار مضاعفة".

هكذا يلخص عابد من حي الهامة في ريف دمشق معاناته في الحصول على قوته اليومي، مضيفا أن "المشكلة الأخرى هي خطورة الوقوف على الفرن" وإمكانية تعرضه لإطلاق نار من قبل الأحياء الموالية للحكومة قصد التخويف.

ويضيف "عندما نرسل أطفالنا لشراء الخبز، نقوم بتوصيتهم حول كيفية تفادي الرصاص والمكان الذي يجب عليهم اللجوء إليه".

ويدلل عابد، الذي طلب عدم ذكر اسمه العائلي، على كلامه بمقطع فيديو للفرن الذي يتردد عليه، تم تصويره في منتصف فبراير شباط العام الجاري، ويظهر حالة الزحام وعدد كبير من الأطفال داخل الطابور وحوله.

أما عامر أسعد الذي كان يعمل موظفا لدى دائرة حكومية قبل بدء الأزمة في حلب، فلا يجد سوى السخرية للتعبير عن معاناته في سبيل الحصول على حصته من الخبز يوميا، مشددا لمرات عدة أن "جميع الكلمات لا تصف حالة الانتظار وخطورتها في بعض الأحيان".

يعتبر أسعد الذي ينحدر من ريف حلب، أن السوريين بدؤوا في بعض لحظاتهم بوضع أولوية بين "الحياة" أو "الخبز" حين يضطرون للوقوف في طوابير ويقترب أزيز الطائرات من المنطقة، متذكرا لحظة قرر فيها النجاة بحياته وترك موقعه في الطابور بعد ساعات من الانتظار، خشية قصف الفرن.

"الحياة" أو "الخبز"

ويجيب أسعد على سؤال عن الساعات التي يقضيها يوميا في طابور يقدر عدده بالمئات بالقول بنوع من التهكم "من حسن الحظ أنني عاطل عن العمل حاليا وأجد الوقت الكافي للوقوف بانتظار قوتي اليومي"، لكنه أضاف "كل ما أستطيع أن أقوله هو أن حياتنا اليومية تحولت إلى جحيم".
كل ما أستطيع أن أقوله هو أن حياتنا اليومية تحولت إلى جحيم
لكن صديقه الذي كان يشارك بالحديث بين فينة وأخرى، أفاد أن الانتظار لساعات طويلة بات أمرا عاديا، لكن الصعوبة تكمن في اضطراره للقيام بجولة على الأفران، وإمكانية تعرضها للقصف.

ويستطرد الشاب الذي رغب بالتعريف عن نفسه كـ"مواطن من حلب" أن معظم الأفران في منطقته توقفت عن العمل منذ أشهر، مما دفع الأهالي للتوجه إلى الفرن الوحيد في مدينة الأتارب، ولم يسلم الأخير من القصف مما تسبب بمقتل ثلاثة مواطنين جراء سقوط قذيفة مدفعية قرب الفرن.

وهو ما عبر عنه ناشطون من حلب في صورة على موقع تويتر لأحد أفران المدينة تظهر اكتظاظه بعد توقف عمله إثر انقطاع الدقيق عنه، حسب وصف المصور.

طوابير خبز للنازحين

ويشتكي مواطنون في مدن مختلفة مما يعيشه أهالي حلب، ولاسيما تلك المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة، من نقص حاد في الخبز، وتعطل عمل الكثير من المخابز نتيجة الوضع الأمني وتضييق السلطات السورية عليها، حسب زعم ناشطين، وهو ما يسبب زحاما على الأفران العاملة.

سعر "ربطة الخبز" التي كانت تباع بـ15 ليرة قبل اندلاع الأزمة وصل إلى 450 ليرة في بعض المناطق
وفي قدسيا بريف دمشق قرب العاصمة السورية، قال علاء صالح "إن الحال وصلت بالقائمين على تنظيم طوابير الخبز، بإنشاء طوابير خاصة بأهالي المدينة وطوابير أخرى للنازحين من مناطق أخرى "بسبب النقص الشديد في الطحين، وإعطاء الأولوية لأهالي المدينة".

وأكد ذلك عبد الله قويدر الذي يسكن في نفس المدينة بطريقة ساخرة، معتبرا أنه اضطر للوقوف في طوابير خاصة بالنازحين بسبب عدم انحداره من العوائل الأصلية رغم أنه يعيش في المدينة منذ زمن طويل.

وتشهد طوابير الفرن حسب قويدر اشتباكات شبه يومية بالأيدي، وإطلاق نار في بعض الأحيان، فقد اضطر الأهالي إلى إسعاف أحد النازحين الذي كان واقفا في طابور للحصول على الخبز بعد تعرضه للطعن خلال مشادة كلامية مع أحد أبناء المدينة.

اشتباكات تزيد الطين بلة

ويزيد من معاناة الوقوف في طوابير طويلة وفق أيهم الحموي (اسم حركي) من منطقة حلفايا بحماة، تعرض الأفران للقصف الحربي والمدفعي، وهو ما دفع المجالس المحلية التابعة لقوات المعارضة إلى توزيع الخبز على المنازل بعد تعرض ثلاثة أفران في المنطقة للقصف المروحي من قبل قوات الحكومة السورية.

وقال الناشط الإعلامي زياد عواد من دير الزور، إن سعر "ربطة الخبز" التي كانت تباع بـ15 ليرة (70 ليرة للدولار الواحد) قبل اندلاع الأزمة، وصل إلى 450 ليرة في بعض المناطق خلال توقف إيراد الطحين إلى الأفران.

وأضاف، أن أسعار الطحين ارتفعت من 750 ليرة إلى 4500 ليرة سورية للكيس الواحد، وهو ما سبب بأزمة كبيرة لكثير من العائلات الفقيرة والتي توقف أفرادها عن العمل، مؤكدا أنه شاهد عائلات لجأت لإعادة استعمال الخبز الجاف.

أطول طابور للتزود بالغاز في العالم

تعاني محلات بيع الغاز من ذات المشكلة، حيث غالبا ما تنتهي أوقات توزيع الغاز التي يستعملها السوريون عادة بمشادات كلامية وعراك.

ويصف إبراهيم الخطيب الذي قال إنه توقف عن تنظيم الطوابير بعد عراك بالسكاكين بين مواطنين، الوضع بأنه "لا يطاق"، واعتبر أن الأزمة أفقدت الناس إنسانيتهم".

وخلال نهاية عام 2011 بث ساكنو حمص مقطعا مصورا لما قيل إنه "أطول طابور لانتظار الغاز في العالم":


وتعاني محطات الوقود في سورية من نفس المشكلة، حيث يتسبب نقص الوقود الذي خلفته الأزمة في سورية، بزحام كبير على محطات الوقود وشل حركة المواصلات، وهو ما أظهرته مقاطع فيديو عديدة نشرها سوريون على شبكة الإنترنت:

ولجأت عشرات الآلاف من العائلات السورية، إلى استبدال الوقود والغاز بالحطب بسبب عدم توفرهما في الأسواق.

وقال إبراهيم الخطيب إن منطقته خسرت آلاف الأشجار جراء لجوء الأهالي إلى استعمال الحطب في حياتهم اليومية بسبب النقص في الوقود الذي وصل سعره في بعض المناطق إلى أكثر من 220 ليرة سورية (ما يعادل أربعة دولارات أميركية)، كما وصل سعر الديزل 150 ليرة (ما يعادل دولارين)، وهي أرقام قياسية بالنظر إلى أسعار الوقود في سورية على مدى السنوات الماضية.

انقطاع متواصل للكهرباء

وإلى جانب أزمة الوقود والغاز والخبز، يعاني السوريون من انقطاع متواصل في التيار الكهربائي يتراوح بين ساعات وعدة أشهر كما في الغوطة الشرقية بريف دمشق.

وفي حين ظلت بعض أحياء دمشق بعيدة عن الانقطاع الكهربائي خلال الأحداث التي تعيشها البلاد، شهدت العاصمة انقطاعا واسعا في التيار الكهربائي شمل بعض الأفرع الأمنية في حادثة اعتبرت الأولى منذ اندلاع احتجاجات عام 2011.

أين المشكلة؟

وفيما يتفق الجميع على أن السوريين يواجهون أزمة إنسانية لا سابق لها، إلا أن الحكومة والمعارضة تتبادلان الاتهامات حول من يتحمل مسؤولية الأزمة.
مواد البنزين والمازوت والغاز متوفرة بشكل يلبي احتياجات السوق المحلية

ويتهم المعارضون الحكومة بتضييق الخناق على الأهالي عبر تزويد محطات الوقود بكميات قليلة واستعمال الوقود في حملاتها العسكرية، في حين تتهم السلطات معارضيها باستهداف محطات الوقود، وترجع سبب الأزمة للعقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على النظام.

وأوضحت بيانات وزارة النفط والثروة المعدنية السورية أن حجم الخسائر البشرية لغاية مطلع العام الجاري، بلغت 23 قتيلا من موظفي الوزارة والفروع التابعة لها، لافتة إلى أن الخسائر المادية المباشرة جراء الاعتداء على المنشآت النفطية بلغ 15 ملياراً و750 مليون ليرة سورية (ما يعادل 223 مليون دولار).

وقدرت إحصائية للوزارة، الخسائر المادية غير المباشرة الناجمة عن تأجيل الإنتاج بحوالي 523 ملياراً و288 مليون ليرة، أي ما يعادل أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي.

لكن مع ذلك تعتبر وزارة النفط، أن المواد الأساسية متوفرة بشكل متواصل، معتبرة أنها تواجه مشاكل في نقلها، بسبب انتشار ما تصفهم بـ"الجماعات الإرهابية المسلحة" التي تسطو على القوافل.
  • 16x9 Image

    محمد زيد مستو

    حصل محمد زيد مستو على الإجازة في الإعلام وأخرى في الحقوق وعمل في مجال الصحافة لسنوات متنقلا بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، ثم الموقع الإلكتروني لقناة العربية، قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة الأميركية وعمله في الموقعين الإلكترونيين لقناة "الحرة" و "راديو سوا".

XS
SM
MD
LG