Accessibility links

تقرير خاص: ما مصير العلويين في سورية وسط تصاعد التوتر المذهبي؟


مؤيدون لبشار الأسد في تظاهرة بدمشق، أرشيف

مؤيدون لبشار الأسد في تظاهرة بدمشق، أرشيف

بقلم رينا صليبا

يجمع الخبراء المتابعون لحركة المعارضة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، على أن عوامل الانتقام والقتل الجماعي واستهداف المدنيين طغت على العمليات المسلحة التي يقوم بها الجانبان، الجيش النظامي من جهة والمسلحون وفي مقدمهم الجيش السوري الحر من جهة أخرى.

ومع تصاعد وتيرة الحركة المسلحة ضد النظام الحاكم وأتباعه من الطائفة العلوية، ظهرت في الآونة الأخيرة عمليات نزوح قسري، حيث بدأت كل طائفة تلجأ إلى موطنها التاريخي وفي مقدمة هذه الطوائف العلويون الذين خرج بعضهم من دمشق وغيرها من المدن وذهبوا في اتجاه جبال العلويين والساحل الغربي، وتحديدا إلى مناطق اللاذقية وطرطوس التي كانت تاريخيا معقل الطائفة العلوية.

وأثار لجوء العلويين لمناطقهم الكثير من التساؤلات حول مصير هذه الطائفة التي ظلت محظية طوال فترة حكم عائلة الأسد المستمرة منذ 42 عاما، وما إذا كان الرئيس السوري وأركان نظامه قد يلجأون إلى التحصن في مناطق أجدادهم هربا من المعارضة.

وفي هذا الإطار، يقول نائب رئيس مجلس النواب اللبناني سابقا إيلي الفرزلي "إن التجارب الماضية والفتاوى الدينية التي صدرت تاريخيا تدل على إمكان تعرض الأقليات وخصوصا العلويين في سورية إلى عمليات استئصال عرقي والى صدور فتاوى تسمح باستباحة دمائهم".

رؤية الفرزلي هذه لا يتفق معها أقطاب المعارضة داخل سورية، فبحسب المحامي أنس جودة، عضو لجنة العمل المعارضة في تيار بناء الدولة السورية، فإنه على رغم وجود "مؤشرات حقيقية تدعو إلى الخوف" من نتائج عمليات النزوح، إلا أن "غالبية الطائفة العلوية تؤيد بناء دولة ديموقراطية وهي الآن أسيرة الحل العسكري الذي ينتهجه النظام".

واستبعد المعارض جودة في الوقت نفسه أن يلجأ العلويون إلى التقوقع في مناطقهم، لأنهم "جزء من النسيج السوري وبالتالي فإنهم لن يرضوا بالانعزال، لأنهم عاشوا مع الطوائف الأخرى منذ آلاف السنين".

إلا أن وعود المعارضة السورية ببناء دولة مدنية حديثة لا تفرق بين طائفة وأخرى، لم تنجح حتى الآن في تطمين الأقلية العلوية.

وعن ذلك يقول الفرزلي إن كل علوي سوري وكل عنصر ينتمي إلى أقلية بمنطقة الشرق الأوسط يعيش اليوم هاجس سيطرة التيارات الدينية المتطرفة التي، بحسب رأيه "ستؤدي بطريقة أو بأخرى إلى إلحاق أشد الأضرار بالأقليات ولاسيما الطائفة العلوية".

بدوره، أعرب محمد ضرار جمو، رئيس الدائرة السياسية والعلاقات الدولية في المنظمة العالمية للمغتربين العرب في سورية، عن قلقه من مسار الأوضاع الخطيرة التي تستهدف الأقليات السورية.

وقال جمو، الذي يدافع عن نظام الرئيس الأسد، إن "الأقليات في خطر" معتبرا أن ما ذكره المطران سمير نصار، مطران الموارنة في سورية، عن "أننا جميعا من الممكن أن نموت، هو كلام خطير وواقعي"، حسبما قال.

واعتبر جمو "أن فراغا أمنيا سيحصل في المنطقة وهذا سيهدد النسيج الطائفي في كل الأماكن وقد تتعرض الطوائف، وليس فقط الطائفة العلوية، إلى عمليات قتل".

واقع الانتقام

وعلى غرار ما حصل في ثورات "الربيع العربي" ضد حسني مبارك بمصر ومعمر القذافي بليبيا وزين العابدين بن علي بتونس وعلي عبدالله صالح في اليمن، يسلم الخبراء السياسيون والمتابعون للشأن السوري بأن "الانتقام" هو أمر حاصل وأن لا مفر منه الآن وإن كان بدرجات متفاوتة من مكان لآخر.

وهنا يعتقد الفرزلي، الذي عايش عن قرب نظامي الرئيسين السوريين الراحل حافظ الأسد ونجله بشار، أن العمليات العسكرية التي تقوم بها المعارضة المسلحة تـظهر بوضوح حصول عمليات الانتقام والبطش.

وحذر الفرزلي من أن "سورية ستكون مسرح عمليات كبيرة ودموية وستكون الطائفة العلوية جزءا منها".

ويؤيد جمو رؤية الفرزلي، مشددا على أن "المرحلة خطيرة جدا والمنطقة تواجه حالة تمذهب وهذا أصبح جليا في سورية، حيث لم نشهد في تاريخنا رفع أعلام تنظيم القاعدة"، على حد تعبيره.

ولا ينفي أنس جودة الاتجاه الخطير لتطورات العمليات العسكرية في سورية، إذ يرى أن "هناك انتقاما يتم حاليا وهناك هجمات طائفية تتم من قرى إلى قرى أخرى"، إلا أن الأمر بحسب رأيه هو مرحلي، "ولم يصل إلى حد التخوف من إبادة طائفية على مستوى البلاد كاملة".

وأشار جودة، المقيم في دمشق، إلى أن مسالة الإنتقام "ظرفية" مؤكدا أنه " لا مستقبل لسورية إلا من خلال الوحدة وتعايش الطوائف كافة".

مما لا شك فيه أن أحداث سورية الحالية تنذر بانفتاح النزاع على احتمالات عدة. فتجارب سقوط الديكتاتوريات في العقود الماضية، بدءا بيوغوسلافيا ودول الإتحاد السوفياتي السابق وصولا إلى أحداث ليبيا في مرحلة ما بعد القذافي، أظهرت كلها عمليات انتقام وتطهير عرقي وإثني، ولهذا السبب فإن أحدا حتى الساعة لا يمكنه التنبؤ بمصير الأقليات وتحديدا الطائفة العلوية التي كانت طوال أربعة عقود إحدى ركائز النظام السوري.
XS
SM
MD
LG