Accessibility links

logo-print

معركة شارون الأخيرة.. هل كان سيصنع السلام؟


عمل فني يصور رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون بعد أن دخل في غيبوبة

عمل فني يصور رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون بعد أن دخل في غيبوبة

قضى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرئيل شارون سنواته الثماني الأخيرة مقيدا إلى أجهزة تمد جسمه بالحياة، لكن وعيه بالعالم غاب منذ الرابع من كانون الثاني/ يناير 2006.

كان شهر ونصف الشهر قد مضيا على تأسيس شارون حزبا وسطيا خرج به من عباءة اليمين. كان "كاديما-بالعربية: إلى الأمام"، هو عنوان التحول في مسيرة الجنرال الذي عرف بالصلابة، والقسوة، والقدرة على اجتراح المفاجآت.

قبل ذلك بـ 30 عاما، تقاعد الجنرال وانتقل إلى السياسة، ساهم مع آخرين في لملمة أشتات اليمين الإسرائيلي وتأسيس "الليكود" الحزب الذي قاد التحول الكبير في إسرائيل، من دولة الكيبوتسات، المزارع الجماعية الاشتراكية والاتحادات العمالية والتفاني القومي العلماني، إلى دولة السوق الحرة والطهرانية الدينية.

30 عاما قضاها شارون في أحضان الليكود، قائدا منذ اليوم الأول، متمردا، بل ومتحديا للزعيم التاريخي مناحيم بيغن ومستقلا بقائمة انتخابية في 1977.

لكن في أيلول/سبتمبر 2005، وبعد شهر واحد من تنفيذ شارون خطته للانسحاب من قطاع غزة، قاد رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتانياهو تمردا داخليا في حزب الليكود، تجاوزه شارون بشق الأنفس، ثم قرر أن يشق الليكود، ويخرج ببرنامج جديد: الانفصال عن الفلسطينيين.

الجلطة لم تمهل شارون. غاب عن الوعي في مطلع 2006، وظل السؤال معلقا منذئذ: هل كان شارون ذو النزعة اليمينية سيحقق السلام مع الفلسطينيين؟ هل كان سينسحب من الضفة الغربية؟ هل توصل أخيرا إلى قناعة بتأسيس دولة فلسطينية؟

شارون رئيسا للوزراء

تبدأ محاولة الإجابة عن السؤال عام 2000. بدأ العام بآمال عريضة في تحقيق السلام. العمالي إيهود باراك كان رئيسا للوزراء في إسرائيل، والرئيس الأميركي يسارع الزمن لتحقيق الإنجاز الدبلوماسي الأهم في مسيرته قبل أن يسلم البيت الأبيض لخليفته جورج بوش الابن.

دعا كلينتون باراك والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى "كامب ديفيد" للتفاوض على اتفاقية نهائية.

لم تنجح القمة.

على الجانب الآخر في الخريطة السياسية الإسرائيلية، كان أرئيل شارون يقود حزبا مثقلا بهزيمة رئيسه بنيامين نتانياهو في العام الماضي (1999) أمام باراك. حينها، ترك نتانياهو السياسة، وسلم الليكود لشارون، الذي وصف بالأشد يمينية في إسرائيل، واستدعى في العالم العربي ذكريات مرة.

فشل كامب ديفيد أثار رياح المواجهة. وبعد شهرين، في 28 أيلول/سبتمبر 2000، دخل شارون ساحة المسجد الأقصى في القدس محاطا بالمئات من رجال الشرطة.

سيؤرخ العرب والفلسطينيون لاندلاع الانتفاضة الثانية بزيارة شارون. لاحقا، ستعفي لجنة ميتشل لتقصي الحقائق شارون من المسؤولية عن انفجار الوضع، لكنها ستنتقد توقيت الزيارة.

أجواء المواجهة كانت قد قادت، على كل حال، إلى انتخابات مبكرة في إسرائيل. وفي آذار/مارس 2001، صار أرئيل شارون رئيسا للوزراء، للمرة الأولى في مسيرة مليئة بالتقلبات.

قضى شارون حوالي خمس سنوات رئيسا للوزراء في إسرائيل، ستنتهي بغيابه عن الوعي في كانون الثاني/يناير 2006. هذه السنوات الخمس ستبدأ بلقب "البلدوزر" ملاحقا شارون، وستنتهي بآمال تتجدد بتحقيق السلام.

البلدوزر

يتذكر الفلسطينيون والعرب شارون جنرالا شديد المراس، قاسي القلب، ثقيل الوطأة. يتذكرون دوره في الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين كان وزيرا للدفاع، وإدانته من لجنة تحقيق إسرائيلية بالسماح بدخول ميليشيات يمينية لبنانية إلى مخيم صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين حيث ارتكبوا مجزرة راح ضحيتها مئات المدنيين، يتذكرون أيضا قيادته في شبابه للمجموعة 101 التي تولت القيام بأعمال انتقامية على الحدود الإسرائيلية الأردنية ومقتل عشرات المدنيين في قرية قبية في الضفة الغربية عندما فجر مقاتلو الوحدة مساكنهم، بتهمة تسلل مسلحين من القرية إلى إسرائيل.

يتذكرونه ضابطا في حربي 1948 و1956 التي خاض فيهما معارك ضد قوات مصرية وعراقية وحتى سودانية، وكثيرا ما اتهم بتجاوزات في التعامل مع أسرى الحرب.

لكن الإسرائيليين يتذكرون شارون كمنقذ، خاصة في حرب 1973 حين قاد عملية التفاف خلف خطوط الجيش المصري وقطع قناة السويس باتجاه الغرب.

محملا بهذه التصورات، جاء شارون رئيسا للوزراء في 2001، والانتفاضة الفلسطينية على أشدها.

كان رد شارون على الانتفاضة عنيفا. اقتحم مناطق السلطة الفلسطينية وحاصر مقر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. لكن خطا آخر كان يتبلور، ففي أيار/مايو 2003 سيعلن شارون موافقته على خطة خارطة الطريق للسلام التي وضعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا (ستعرف لاحقا باسم اللجنة الرباعية بعد انضمام الأمم المتحدة كطرف رابع) ويبدأ حوارا مع محمود عباس (أبو مازن) الذي كان رئيسا لوزراء السلطة الفلسطينية.

بعد عامين من العمليات العسكرية والضغوط الدولية، وبعد أن توفي عرفات وصار عباس رئيسا للسلطة الفلسطينية، بدأ شارون أخيرا في التحرك السياسي. وفي آب/أغسطس 2005، أخلى مستوطنات قطاع غزة وعدة مستوطنات هامشية في شمال الضفة الغربية.

كان نتانياهو قد عاد للسياسة، وصار زعيما لمعسكر الرافضين في الليكود لتوجه شارون الجديد. ينسحب شارون، ويؤسس كاديما.. يغيب عن الوعي.. تمر ثماني سنوات صار فيها نتانياهو رئيسا للوزراء والسياسي الأكثر شعبية في إسرائيل.

لكن السؤال يظل معلقا: هل كانت التحولات مناورة سياسية أم تحولا جديا في مواقف شارون؟ ماذا لو ظل شارون رئيسا للوزراء في إسرائيل، هل كان سيحقق السلام؟

سؤال لو

"السياسة لا تعترف بسؤال لو" يقول المحلل السياسي نظير مجلي. ويعتبر أن "حالة الاشتياق لشخصية شارون في المجتمع الإسرائيلي مبنية على حقيقة أن هناك رئيس وزراء ضعيفا في إسرائيل".

ويضيف في حديث لموقع "راديو سوا" أن "شارون كان يبدع في الخروج من المآزق. أرادوا أن يفرضوا عليه حلا، فذهب إلى الانسحاب من قطاع غزة، لو ظل موجودا فقد يكون قد تورط في سورية أو مصر أو إيران".

لكن هذا الخبير في الشأن الإسرائيلي يلفت إلى أن شارون بانسحابه "حتى آخر شبر" من قطاع غزة وتفكيكه المستوطنات كان قد أسس لدولة فلسطينية وأرضى الغرب "دون الاعتراف بمنظمة التحرير".

ويحسب مجلي شارون على "التيار البراغماتي" في إسرائيل، ويقول إن "هناك تحسنا مستمرا في الخريطة السياسية الإسرائيلية. صحيح أن شعبية الأحزاب اليمينية ترتفع لكن أحزاب اليمين ذهبت في مواقفها السياسية إلى اليسار".

على الجانب الآخر، يقول المحلل السياسي الإسرائيلي شاؤول منشه إن شارون "كان مؤمنا بحل الدولة الفلسطينية، دون شك". ويدلل على رأيه بأن شارون انسحب من قطاع غزة "انسحابا كاملا"، وأنه أراد تحقيق حل الدولتين لا الحكم الذاتي للفلسطينيين، لكن "مع ضمان أمن إسرائيل".

ويفهم منشه القيود والحصار البحري على قطاع غزة على أنها شأن أمني خالص وليست مؤشرا سياسيا على طريقة تفكير شارون.

وقال لموقع "راديو سوا" إن شارون "رغم كونه رجل حرب وقتال كان من طليعة من أدركوا أن هناك حدودا"، وشبهه ببيغن الزعيم اليميني الذي قرر الانسحاب من شبه جزيرة سيناء بعد اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، "رغم أن مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل".

ويضيف منشه "نحن بحاجة الى رجل يميني قادر على التنازل واتخاذ القرار الحاسم وكان شارون ذلك الزعيم".

غياب شارون عن الساحة السياسية دفع ثمنه الإسرائيليون والفلسطينيون إذاً، حسب منشه، الذي يقول "لو كان شارون حيا لكنا أقرب إلى حل القضية الفلسطينية فالزعماء الحاكمون لا يتمتعون بتلك الشجاعة والقدرة على الحسم التي تمتع بها".

إرث شارون

سيثير شارون ذكريات متناقضة، فبين حنين الإسرائيليين لـ"قائد قوي" واستدعاء الفلسطينيين والعرب لذكريات صبرا وشاتيلا وقبية والسويس وغيرها، يظل السؤال مفتوحا على الجدل: هل تحول شارون فعلا؟
XS
SM
MD
LG