Accessibility links

logo-print

مذكرات صحافية: عندما ارتديتُ النقاب في واشنطن





كيف ينظر الأميركيون في منطقة واشنطن الكبرى لسيدة مسلمة ترتدي النقاب؟ ظل هذا السؤال يؤرقني إلى أن قررت اكتشاف الأمر بنفسي وارتداء النقاب لمدة أسبوع كامل تجولت خلاله في عدة مناطق بالعاصمة واشنطن وشمالي ولاية فرجينيا وزرت مسجد "دار الهجرة" في مدينة "فولس تشيرتش".

كان علي أولا أن أتخلص من خوف قديم من النقاب يلازمني منذ أن أوقفتني سيدة منقبة في العاصمة المغربية الرباط وأنا برفقة صديقة عزيزة، وأشبعتنا تقريعا قبل أن تحاول جر شعر صديقتي بسبب ارتدائها سروالا قصيرا "شورت".

تلك السيدة التي كانت تتحدث في "هاتف عمومي" انزعجت من صوت صديقتي العالي، وعاتبتها في البداية على رفع صوتها قبل أن تنتقل لانتقاد لباسها، وعندما حاولتُ الدفاع عن صديقتي التي يعمل والدها إماما في احد الجوامع، تصدت تلك السيدة لمحاولتي وأشركتني في عملية العتاب التي سرعان ما تحولت إلى هجوم قاس بالكلمات كاد ينقلب إلى اشتباك بالأيدي. كنت طفلة في بداية مرحلة الدراسة الإعدادية، وأصابني هذا الحادث بنفور وخوف شديدين من المنقبات اللاتي كنت أتحاشاهن دائما في الأماكن العامة والمناسبات العائلية الخاصة.
كان علي أن أتخلص من هذا الخوف المترسب في أعماقي قبل أن أملك الجرأة لارتداء النقاب والقيام بهذه المغامرة الصحفية التي استمرت لمدة أسبوع، وكان مسرحها بعض الأماكن الأكثر ازدحاما واجتذابا للسياح في منطقة واشنطن الكبرى.
لماذا تلتقطين صورا لنفسك فلا شيء يظهر في الصورة أصلا

البداية: ارتداء عباءة بحثا عن النقاب

ارتديتُ عباءة سعودية داكنة وحرصتُ على تغطية خصلات شعري بإحكام ووقفتُ أمام المرآة الطويلة في بيتي كي أتأكد من تغطية جميع جسدي وشعر رأسي، ثم توجهت إلى محل "خان الخليلي" الشهير في منطقة "سكاي لاين" شمالي ولاية فرجينيا.

دفعتُ باب المحل الزجاجي الثقيل ودلفت إلى الداخل حيث استقبلتني رائحة البخور العربي وعود الند وعدد لا يحصى من قطع الديكور الشرقية البراقة. تجاوزتُ منضدة جلدية مستطيلة وضعت عليها علاّقات مفاتيح نحاسية نقشت عليها آيات قرآنية قصيرة زينت بقطع من الخرز الأزرق الفاقع لاتقاء شر "العين الحسود"، وقصدت الطابق العلوي حيث اصطفت قفاطين عربية طويلة غامقة اللون وأكياس بلاستيكية شفافة عليها صور فنانات مصريات يرتدين حجابا ملونا جميلا ومشكلا من أكثر من قطعتين من القماش.

فتشت بين تلك الأكياس عن نقاب إسلامي تقليدي أسود، لكني لم أجد مبتغاي، فناديت على الشابة المصرية المحجبة التي كانت تقف داخل مكتب خشبي صغير يتوسط المحل وطلبتُ مساعدتها. قفزتْ الفتاة السلالم الخمس التي تفصل الطابق الأرضي عن طابق الملابس، وقالت بلغة أميركية سلسة: “Yes, How can I help you?” (نعم، كيف يمكنني مساعدتك؟) أجبتها قائلة: "السلام عليكم، I am looking for Islamic Nikab” (أنا أبحث عن نقاب إسلامي).
لمستُ خيبة أمل في أصوات بعضهن لأنني ضيعتُ عليهن فرصة "إدخالي إلى الإسلام الحقيقي والإلتزام"
تطلعتْ إلي الفتاة بدهشة للحظات قبل أن تتوجه إلى ركن صغير وضعت فيه قفاطين عربية تقليدية وعددا من الفساتين الطويلة السوداء والبنية بدون أية تطريزات وبحثت قليلا، قبل أن تعود إلي وتخبرني أنه غير متوفر لديهم حاليا، وطلبت مني العودة في غضون أسبوع. لم أخرج من المحل خالية الوفاض، بل اشتريت عددا من التذكارات الإسلامية الجميلة وعلبة مخروطية من عود الند التقليدي، ومصحفا وسجادة للصلاة عليها جهاز تحديد القبلة، ودفعتُ نحو سبعين دولارا وغادرتُ المحل.

اتصلتُ بعدد من النساء العربيات المقيمات في منطقة واشنطن الكبرى طالبة مساعدتهن للحصول على نقاب إسلامي، واضطررتُ أن أشرح لهن بعد سيل من الأسئلة المتلهفة لمعرفة السبب، أنني أرغب في ارتدائه لأسباب صحفية وليس لأسباب شخصية. لمستُ خيبة أمل في أصوات بعضهن لأنني ضيعتُ عليهن فرصة "إدخالي إلى الإسلام الحقيقي والإلتزام"، كما لمستُ فضولا حقيقيا لدى بعضهن الآخر، فيما كانت ردة فعل عدد من "الصديقات" غير مصدقة لكلامي، ومستغربة لإقدامي على هذه الخطوة في هذا الوقت الذي يعتقدن فيه أن ترمومتر العداء إزاء ما هو إسلامي مرتفع في أميركا.

بعد محاولات متعددة قبلت صديقة مغربية طيبة التوسط لدى إحدى معارفها المنقبات من أجل الحديث معي وإعطائي نقابا إسلاميا. سعدتُ للغاية بهذا الفوز المعنوي الكبير بعد أسابيع من المحاولات اليائسة، وسجلتُ رقم هاتف السيدة التي تدعى "الغالية" بلهفة شديدة، ثم طلبت الرقم:
"ألو، السلام عليكم"
"ألو، وعليكم السلام"
"لالا الغالية هادي؟"
"نعم أختي، شكون هادي؟"
"هادي فدوى، الصحفية المغربية اللي عاودات ليك عليها لبنى. واش عرفتي علاش اتصلت بيك؟"
هكذا بدأت مكالمتي الهاتفية مع "الغالية"، قبل أن أعيد شرح هدفي مرة أخرى وأطلب مقابلتها في أقرب فرصة ممكنة. جاءني صوت "الغالية" المتردد بعد لحظات بدت طويلة للغاية قائلا: "واخا نتلاقا بيك في مسجد دار الهجرة نهار السبت إن شاء الله."

يقول بعض المسلمين المقيمين بالقرب منه إن عيون عملاء أجهزة الاستخبارات الأميركية ورجال "الإف بي آي" تراقبه عن كثب وتحسب كل داخل إليه وخارج منه
حاولتُ أن أرسم صورة للغالية في مخيلتي.. تخيلتها سيدة بدينة متشددة ستنهرني من أول كلمة أتبادلها معها. عاودني الشعور بالخوف من المنقبات وحاولتُ تهدئة نفسي بقراءة بعض المقالات التي كنت قد جمعتها من الصحف الأمريكية ولم تتسن لي فرصة قراءتها إلى أن غلبني النعاس.

استيقظتُ على أشعة الشمس الصباحية التي اخترقت غرفة مكتبي وتطلعتُ مذعورة إلى الساعة كي أتأكد من عدم تأخري على موعدي مع السيدة "الغالية".

ارتديتُ العباءة السوداء وغطيت شعري من جديد وقصدت مسجد "دار الهجرة" في مدينة "فولس تشيرش" شمالي ولاية فرجينيا.

داخل "وكر" العولقي

كان الجو خانقا عندما غادرتُ سيارتي التي اضطررتُ لصفها في مرآب كنيسة مجاورة لمسجد "دار الهجرة" بسبب أعمال الصيانة التي كانت جارية في موقف السيارات الخاص بالمركز الإسلامي.

ترجلتُ ومشيتُ بخطى مسرعة نحو البناية المحاطة بسياج وأشجار باسقة. هذا المسجد الذي يقول بعض المسلمين المقيمين بالقرب منه إن عيون عملاء أجهزة الاستخبارات الأميركية ورجال "الإف بي آي" تراقبه عن كثب وتحسب كل داخل إليه وخارج منه، هو المسجد الذي كان يلقي فيه أنور العولقي، المواطن الأميركي الجنسية اليمني الأصل، دروسه المتشددة عن الإسلام، والتي تقول السلطات الأميركية إنه كان يحاول من خلالها تجنيد جيل جديد من المتطرفين الإسلاميين المولودين في أمريكا للقيام بعمليات إرهابية على التراب الأمريكي.

هذا أيضا هو المسجد الذي كان يزوره الميجور نضال حسن الذي حمل قبل سنتين مسدسا وبندقية واقتحم قاعدة "فورت هود" العسكرية بولاية تكساس وقتل وأصاب العشرات من الجنود الأميركيين الذين كانوا يستعدون للخضوع لكشف طبي قبل الإلتحاق بمهام في العراق وأفغانستان.

قصدتُ الباب الخلفي المخصص لدخول النساء لكنه كان مقفلا فوقفتُ حائرة أمام البوابة الرئيسة التي لم أجرؤ على دخولها خوفا من "اقتحام" قاعة الرجال دون سابق إنذار. مر من أمامي عدد كبير من الرجال الذاهبين لأداء صلاة الظهر، وحاولتُ طلب مساعدتهم لكن أحدا منهم لم يعرني اهتماما، إلى أن مر بجانبي شاب عرفتُ من ملامحه أنه مغربي.
"السلام عليكم". بادرته قائلة، فرد علي السلام وسألته مساعدتي على الدخول لقاعة النساء، فابتسم وقال "الباب الخلفي مقفل ياك؟ سأدخلك من هنا".

تبعتُ خطواته المسرعة فقادني إلى الداخل لكن عوض الاستمرار في الممر الفسيح، استدار إلى اليمين وأشار إلى داخل قاعة صغيرة مملوءة بأحذية المصلين وقال لي "أدخلي من هنا وتوجهي إلى الأعلى وستجدين غرفة النساء". شكرته بسرعة وتوجهت نحو السلالم العشرة التي تؤدي إلى طابق علوي كان به صف طويل من النساء غالبيتهن إفريقيات، يؤدين صلاة الظهر.
في شارع محاذي للكونغرس

في شارع محاذي للكونغرس

التحقتُ بالمصليات وعند انتهاء الصلاة وقفتُ أتفرس في وجوه الحاضرات باحثة عن "الغالية". لم أشعر أنها هناك فساورني القلق واتصلت بها، أجابت قائلة إنها في الطريق لأنها تسكن بالقرب من المسجد وطلبت مني انتظارها.

جلستُ أنظر إلى سيدات صوماليات وسودانيات وسيدة جزائرية وخمس مغربيات جلسن يتبادلن أطراف الحديث بصوت خافت. كن يتأسفن لحال سيدة سودانية فقدت طفلها ذا السنتين بسبب مرض في القلب، فيما انشغلت السيدة الجزائرية بمحاولة إقناع طفلها الصغير بالتوقف عن اللعب داخل المسجد وعدم رمي الكرة الصفراء الصغيرة على رؤوس السيدات الجالسات على "موكيت" أخضر.

رفض الطفل الإنصياع لأوامر والدته وارتمى داخل مكتبة خشبية جانبية وأخرج المصاحف الموجودة هناك وبدأ يلعب بها، لكن سيدة صومالية انتهت توا من وضع نقابها على وجهها، قفزت من مكانها وسحبت المصاحف من يد الطفل بغضب واضح وأرجعتها إلى مكانها، وطلبت من والدته الانتباه وعدم السماح له بلمس المصاحف.

فجأة ظهرت سيدة قصيرة ضئيلة الحجم تلبس فستانا طويلا غامق اللون وتغطي وجهها بنقاب أسود ولا يظهر منها سوى عينيها البنيتين الداكنتين. عرفت بحدسي أنها "الغالية" فقمتُ من مكاني وسألتها "لالاّ الغالية؟" طأطأت برأسها ثم أجابتني "السلام عليكم". جلسنا على الأرض وتبادلنا أطراف الحديث. أخبرتني أنها وضعت النقاب في الطائرة قبل دخول الأجواء الأميركية منذ أكثر من 18 سنة عندما قدمت من مدينة أكادير المغربية رفقة زوجها الأميركي المسلم الذي فرض عليها ارتداء النقاب.
النقاب هو اللباس الشرعي الوحيد المفروض على المرأة
قالت إنها تآلفت مع لبس النقاب وأصبحت لا تتخيل حياتها من دونه بعد كل هذه السنوات، وأوضحت أنها لم تتعرض لأي حادث بسببه في أميركا باستثناء مرة واحدة عندما قذفها شاب بـالصلصة الحمراء في أحد الأحياء الفقيرة بالعاصمة واشنطن وكان ذلك قبل سنوات طويلة. أكدت الغالية أن النقاب "رضى من الله لا تناله كل النساء" وأشادت كثيرا بالأخوات اللواتي يرتدينه في "بلاد الكفر" ويتحدين الجميع.

أسرّت لي أنها عاشت مع زوجها لفترة من الزمن في المملكة العربية السعودية، وأنها تشربت "مبادئ الدين الحقيقي" من هناك، وذكرت عددا كبيرا من الفتاوى السعودية التي تحض على النقاب، وأكدت أن النقاب هو "اللباس الشرعي الوحيد المفروض على المرأة"، وعندما ذكـّرتها بلطف أن بعض علماء الإسلام يختلفون مع هذا الرأي ومنهم شيوخ في جامع الأزهر اعتبروا النقاب مجرد عادة وليس فرضا، سكتت الغالية قليلا ثم قالت باستغراب "صحيح قالوا هادشي في الأزهر؟!".

كان صوت "الغالية" الخفيض ينتقل من موضوع لآخر، لكنها حافظت على هدوء وصفاء كبيرين طوال مخاطبتي. لقد كانت تخالف تماما الصورة التي رسمتها لها وارتحتُ لها كثيرا وطال حديثنا أكثر من أربع ساعات طلبتُ في نهايتها النقاب. سألتني عن السبب الحقيقي وراء رغبتي في ارتداء النقاب وكانت مبتهجة لأنني "لبيت نداء الله"، وخجلتُ عندما خيبت أملها وقلتُ إنني أرغب في ارتدائه لأسباب صحفية محضة.

ترددتْ قليلا في قبول هذا الدافع، وشرحت لها أكثر أسباب اختياري، وأخبرتها عن تحقيقات الدعارة والخادمات والمتسولات وغيرها التي أجريتها في الماضي وعن العمل الصحفي.. وأخيرا وافقتْ على مضض على تسليمي الكيس الأسود الذي كانت تحمله.

رافقتني الغالية إلى حمّام المسجد وساعدتني على ارتداء النقاب لكنني اضطررتُ لنزعه بقوة من على وجهي بعد دقائق فقط لأنني أحسست باختناق شديد، فابتسمتْ الغالية وقالت إنني سأتعود عليه. طلبتُ منها التقاط صور لي داخل المسجد فرفضتْ وقالت إنها لا تريد "أن تتحمل هذا الإثم"، وطلبتْ من سيدة محجبة كانت هناك التقاط الصور بدلا عنها.

غادرتُ الغالية وعلامات التعجب ما زالت بادية على وجهها وقصدتُ سيارتي وأنا ارتدي النقاب. شعرتُ أن عيون رجل ملتح في الخمسينات من العمر كان واقفا في باب المسجد شيعت خطواتي حتى اختفيتُ عن المكان. قصدتُ سيارتي وشعرت أن الجميع من حولي يسمع صوت دقات قلبي العالية ويشعر بالتوتر الكبير الذي يهز جسدي.

احتميتُ بسيارتي ورفعت النقاب عن وجهي وأطلقتُ زفرة طويلة. بقيتُ ساهمة لبعض الوقت قبل أن أقصد مطعم "القدس" الذي لا يبعد كثيرا عن المسجد والذي يعد نقطة تجمع للمهاجرين العرب والمسلمين شمال ولاية فرجينيا.
بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن

بالقرب من البيت الأبيض في واشنطن


دهشة في العيون

دخلتُ المطعم المعروف بأطباقه الشرقية الشهية وحلوياته الفلسطينية المسيلة للعاب. أحسستُ أن رؤوس الجميع ارتفعت وتوقفت عند جسدي المغطى بالكامل ووجهي المختفي وراء النقاب الأسود.
جلستُ إلى أقرب طاولة وانتظرتُ حضور النادلة السودانية التي غالبا ما ترحب بي عندما أزور المطعم. مضتْ دقائق طويلة لم يعرني فيها أحد أي اهتمام فأشرتُ لنادلة من أصول لاتينية فجاءت مسرعة. طلبتُ أطباقي المفضلة التي أطلبها دائما وكانت النادلة تقترب من وجهي كثيرا قائلة إنها لا تستطيع سماع كلامي.

انتظرتُ وصول الأطباق وحاولتُ "التلصص" على رواد المطعم الذين كانوا يسترقون النظر وعلامات الدهشة بادية على وجوه بعضهم، فيما بدت علامات الامتعاض و الصدمة على وجوه البعض الآخر.

جاءت الأطباق وحِرتُ كيف سأتناولها! فكرتُ طويلا لكن الجوع الذي كان يلوي مصاريني دفعني للتخلص من ترددي فحملتُ قطع الكفتة المشوية ورفعت قليلا نقابي وتناولتها بشهية كبيرة. انشغلتُ تماما بتناول وجبتي ونسيت الناس من حولي وتفاجأت بأنني فعلا "ألفت" النقاب كما توقعت الغالية، بالرغم من قصر الفترة التي ارتديته فيها.

طلبتُ حلويات "البسبوسة" و"الكنافة" والتهمتها بالطريقة نفسها، ثم طلبت الفاتورة وسط دهشة النادلة التي لم تبتسم في وجهي قط.

منقبة قرب الكونغرس

ارتديتُ النقاب طوال الأيام الثلاثة الماضية وبدأتُ أضعه بسهولة كبيرة على وجهي. كنت أراقب العالم عبر القماش الأسود الشفاف الذي يغطيني بالكامل.

كنتُ أنظر إلى الجميع حولي من دون أن يعرفوا من أنا ولا كيف أبدو ولا ماذا أرتدي. كانت هناك راحة غريبة لأنني لم أفكر خلال هذه الأيام في لون البنطلون الذي يجب أن يتماشى مع لون القميص، ولا نوعية الأكسسوارات التي يجب أن أرتديها، أو الحقيبة التي سأحملها.. كنت أرتدي سروال جينز بسيطا وقميصا خفيفا مع جوارب سوداء وحذاءا للرياضة طوال الأيام التي ارتديت فيها النقاب.
شعرتُ أن لبس النقاب في أميركا مسألة حرية شخصية بحتة تمنح الراحة الداخلية لبعض النساء اللائي يعتبرنه درعا واقيا من العالم الخارجي الذي يجهلنه أو يخشينه، لا أعرف
قررتُ زيارة معرض للكتاب الوطني ينظم في الحديقة المقابلة لمبنى الكونغرس في واشنطن. ارتديت نقابي وقصدت المنطقة التي كانت تعج بالسياح وسكان واشنطن المغرمين بالقراءة.

اقتحمتُ الأمواج البشرية المتلاطمة ودخلتُ إلى عدد من أجنحة المعرض المنظم في الهواء الطلق تحت خيم ضخمة بيضاء. كنت أسأل المشرفين على الأجنحة عن بعض المعلومات وكانوا جميعهم يردون على أسئلتي رغم ترددهم في البداية. اشتريتُ بعض الكتب ولم يضايقني أحد أو يهتم لأمري.

قصدتُ مبنى الكونغرس حيث كانت عائلات هندية متعددة تقف لالتقاط صور تذكارية ووقفتُ غير بعيد عنهم وطلبتُ من شابة التقاط صورة لي لكنها رفضتْ، ومرّت سيدة أميركية تلبس قميصا يحمل شعار معرض الكتاب وطلبتُ منها التقاط صورة لي فنظرت إلي مطولا وحاولت قول شيء قبل أن تبتلع كلماتها وتأخذ الكاميرا من يدي وتلتقط صورتي.

كانت هناك سيارات شرطة متعددة مركونة قرب حديقة الكونغرس لكن لم يكن هناك أي شرطي في المكان، وبعد نحو نصف ساعة من تجولي في محيط البناية الشامخة للكونغرس رأيتُ شرطيين أميركيين يتوجهان نحوي.

ارتفعتْ دقات قلبي وتصلبت أطرافي وحاولتُ تجهيز الإجابات الممكنة لأسئلتهما المفترضة وفكرتُ في سيناريوهات لمقاومة اعتقالي المحتمل.

جهزتُ جملة "أنت تنتهك حقوقي الدستورية. ليس من حقك منعي ولا لمسي.. اتركني من فضلك" وفكرت في الصراخ وإحداث جلبة في المكان إن حاولا توقيفي، لكن الشرطيين مرا من أمامي ورمقاني بنظرة خاطفة وأكملا طريقهما دون أن يوجها لي الكلام.

تنفستُ الصعداء واعترضتُ سبيل بعض السياح العرب وطلبتُ منهم التقاط صور لي مع قبة الكونغرس قبل أن أغادر المكان، فيما حرص سياح آسيويون كـُثر على التقاط صور لي وأنا أمشي بمحاذاة الكونغرس.

عنصرية الأقليات

قررتُ زيارة البيت الأبيض والتجول في محيطه برفقة المئات من السياح الذين يقصدون المكان يوميا. كان الجو حارا وأحسست بالإختناق وراء نقابي الأسود.

ركنتُ سيارتي في موقف قريب من مبنى الصحافة الوطني الذي يقع على بعد خطوات فقط من فندق "مايفلاور" الذي ينزل به الرؤساء والملوك الذين يزورون واشنطن. تجولتُ قليلا بالقرب من الفندق ورأيتُ رجالا يبدو من مظهرهم أنهم خليجيين. كان أحدهم يمسك كيسا بلاستيكيا عليه كتابة باللغة العربية. مررتُ بجانبهم فتوفقوا عن الحديث وشيعوني بنظراتهم المستغربة قبل أن يعبر أحدهم عن امتعاضه بلغة إنجليزية ممتازة ويقول ما معناه "ليس من الضروري أن تجلب لنفسها الأنظار بهذه الطريقة في واشنطن".

قطعتُ الشارع المؤدي الى مبنى وزارة الخزانة القريب من البيت الأبيض واستقبلتني حشود بشرية من أجناس وأعراق مختلفة منها الصيني والهندي والعربي والإفريقي..

رأيت الدهشة في عيون البعض وقرأت الخوف في بعض النظرات الزائغة التي تفرست في الغطاء الأسود الذي يخفي كامل جسدي ووجهي، قبل أن تشيح عني. شاهدتُ سيدة أميركية شقراء تمسك بيد طفلتها وتجرها بعيدا عني، فيما تحاشى بعض السياح المرور بالقرب مني.

ابتسمتُ تحت نقابي واستغربتُ أن تثير قطعة من القماش كل هذا التوتر والخوف لدى الآخرين. لكنني تذكرتُ كيف كان النقاب يخيفني أيضا. خجلتُ من نفسي. واصلتُ طريقي نحو البيت الأبيض ووقفتُ حيث تجمع العشرات من السياح لالتقاط صور تذكارية أمام المدخل الرئيس لمسكن الرئيس الأميركي، وطلبتُ من شاب كان واقفا هناك التقاط صورة تذكارية لي، أخذ مني الكاميرا والتقط الصورة بسرعة ثم أرجعها لي وتابع طريقه.

وأنا واقفة أمام البيت الأبيض أنظر إلى شباب يحتجون على قضية ما ويتناقشون مع ثلاثة من رجال الشرطة، اقتربتْ مني سيدة أميركية من أصول إفريقية وقالت لي بلهجة غاضبة وببطء شديد “Why even bother, nothing is showing anyway” (لماذا تلتقطين صورا لنفسك فلا شيء يظهر في الصورة أصلا)!

ابتسمتُ تحت نقابي وتجاهلتُ تعليقها، لكنني تذكرت تحليلا كنت قرأته قبل سنتين في صحيفة أميركية يشرح كيف تعاني الأقليات من عقدة العنصرية تجاه بعضها البعض، وكيف أن عينات الأقليات التي شاركت في استطلاع للرأي بهذا الخصوص اعترفت أنها تفضل التعامل مع الأميركيين البيض على التعامل مع الأقليات وأنها تنظر إلى الأقليات نظرة غير إيجابية.

شعرتُ أن لبس النقاب في أميركا مسألة حرية شخصية بحتة تمنح الراحة الداخلية لبعض النساء اللائي يعتبرنه درعا واقيا من العالم الخارجي الذي يجهلنه أو يخشينه، لا أعرف. وتساءلتُ عن الأسباب النفسية التي قد تدفع المرأة لإنكار هويتها وإخفاء نفسها خلف ستارة سوداء حتى وهي تعيش في مجتمع حر كالمجتمع الأميركي، وتأكدتُ أن الأميركيين يتقبلون الآخر رغم اختلافهم معه، والدليل على ذلك أن لا أحد اعتدى علي طوال الفترة التي ارتديتُ فيها النقاب، أو رفض خدمتي، أو طردني من داخل متجر أو مطعم أو معرض عام.

هذه التجربة لا تعكس قطعا كيف يمكن أن يتعامل جميع الأميركيين مع سيدة منقبة، لأن واشنطن العاصمة هي فعلا بوتقة عالمية تذوب فيها مختلف الأعراق والأجناس والديانات، ويمكنك أن تلبس فيها ما تشاء وتفعل ما تشاء دون أن تخشى شيئا مادمت لا تخالف القانون، ربما كانت ردود فعل سكان ولايات محافظة ستختلف تماما عما لقيته أثناء ارتدائي النقاب في واشنطن.. أمر يستحق التفكير وربما التجربة!
  • 16x9 Image

    فدوى مساط

    فدوى مساط مديرة تحرير MBN Digitla منذ 2012. عملت صحافية براديو سوا منذ انطلاقته سنة 2003، وحصلت على درجة الماجستير في الإعلام من جامعة جورج تاون بواشنطن و على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. فازت فدوى بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة 2002 عن مجموعتها القصصية "شيء من الألم" وهي بصدد طبع مؤلفها الثاني تحت عنوان "موعد مع العم سام".

XS
SM
MD
LG