Accessibility links

عداءة جزائرية: فزت بالألعاب الأولمبية فأرادوا اغتيالي بسبب لباسي


حسيبة بولمرقة

حسيبة بولمرقة

أثارت ملابس السبّاحة الليبية دانيا حجول، "16 عاما"، الكثير من اللغط بين أبناء بلادها، على هامش مشاركتها في الألعاب الأولمبية بريو دي جانيرو. رأى كثيرون أن ثوب السباحة الذي ارتدته معارض للدين وللقيم، فيما دافع عنها آخرون.

في الواقع، هذا النقاش حول لباس الرياضيات في البلدان العربية والإسلامية ليس جديدا. وأشهر من كان في قلب هذا الجدل، في تسعينيات القرن الماضي، هو البطلة العالمية والأولمبية في ألعاب القوى، الجزائرية حسيبة بولمرقة.

فازت حسيبة ببطولة العالم لمسافة 1500 متر سنة 1991 بطوكيو، لتعود إلى بلادها، فتجد حياتها مهددة بسبب لباسها. في العام الموالي، دخلت القرية الأولمبية في برشلونة في سيارة مصفحة، ولم يكن مسموحا لأحد بالاقتراب منها. أضافت اللقب الأولمبي إلى مشوارها الحافل، لتجد نفسها على لائحة الاغتيالات لدى الجماعة الإسلامية المسلحة. اضطرت حسيبة إلى البقاء تحت الحراسة المشددة بين سنتي 1993 و2007.

في الحوار التالي مع (إرفع صوتك)، تحكي البطلة الأولمبية الجزائرية قصتها.

* بدأت الرياضة في الثمانينيات، كيف تقبل مجتمعك حينها ومحيطك العائلي كونك امرأة تمارس ألعاب القوى، وكيف كان رد الفعل تجاه لباسك الرياضي؟

لم أجد مشكلة مع محيطي العائلي. عائلتي كانت تساندني. والدي كان رجلا تقدميا وعاش في فرنسا، بل كانت سعادته كبيرة لأنني أمارس الرياضة. أيضا، كنت صغيرة حينها، لذا لم يشكل اللباس الرياضي مشكلة كبيرة. فقط حين كبر سني وإنجازاتي، كبرت مشاكلي. وبدأت الانتقادات تطولني. انطلقت مشاكلي بشكل كبير مع فوزي ببطولة العالم لألعاب القوى في طوكيو سنة 1991.

ماذا حدث حينها؟

عند عودتي إلى مدينتي ومسقط رأسي بولاية قسنطينة (شرق الجزائر)، كان أول ما حدث أن إماما في مدينة الخروب التابعة لقسنطينة انتقدني في خطبة الجمعة وأراد أن يُفهم المصلين أنني لست مسلمة، بل ضد الدين الإسلامي. أثار الأمر ضجة في المسجد، وغادر عدد من المصلين رافضين الصلاة خلفه. كان الأمر صعبا والضغوط كبيرة، خاصة أننا كنا نعيش خلال تلك الفترة تحت تهديد التطرف وبداية موجة الإرهاب في الجزائر.

هل كان الإمام منتميا إلى تنظيم ما؟ وهل كان لخطبته تداعيات أم انتهى الأمر بانتهاء الخطبة؟

كان الإمام ضمن الجبهة الإسلامية للإنقاذ. في الواقع، أنا كنت أعيش في العاصمة، وجئت حينها إلى قسنطينة فقط لزيارتي عائلتي. لاحقا، وبعد عودتي إلى العاصمة تعرضت لتهديدات بالقتل سنة 1993.

قبل الحديث عن سنة 1993، هل يمكن أن تحديثنا عما حدث خلال مشاركتك في الألعاب الأولمبية في برشلونة سنة 1992، والتي خضتها وسط حراسة أمنية مشددة؟

أقمنا المعسكر التدريبي للتحضير للألعاب الأولمبية بألمانيا. وعندما كنا نستعد للتوجه إلى إسبانيا، تلقى مدربي مكالمة هاتفية من رئيس الجامعة الجزائرية لألعاب القوى يخبره بضرورة تغيير مسارنا وأن لا نسافر إلى برشلونة في مساء ذلك اليوم، حتى الانتهاء من بعض التحضيرات الأمنية، إذ كانت هناك أنباء عن إرهابيين تسللوا إلى برشلونة.

هل تلقت الشرطة معلومات أمنية؟

نعم تلقت الشرطة معلومات أمنية. وقد جرت اتصالات بين الأجهزة الأمنية الجزائرية والإسبانية والألمانية، فقد كانت هناك معلومات حول احتمال تعرضي للاغتيال قبل الألعاب الأولمبية. لم نتوجه إلى برشلونة مباشرة، بل توجهنا إلى أوسلو، حيث مكثنا يومين في انتظار إنهاء الترتيبات الأمنية. وصلت إلى برشلونة يوما واحدا فقط قبل بداية أول سباق لي. عند وصولي، جاءت سيارة مصفحة وأخذتني إلى القرية الأولمبية، حيث قطنت بالطابق الأخير من المبنى الذي كانت تستقر به البعثة الجزائرية. ولم يكن مسموحا لأي شخص أن يدخل غرفتي باستثناء المدرب والمدلك والطبيب. كانت تحركاتي داخل القرية الأولمبية محدودة جدا. وأتناول وجبات الطعام لوحدي في الغرفة. وطيلة فترة مشاركتي، كنت أتوجه بسيارة مصفحة بين القرية الأولمبية والملعب.

كيف كنت تتدربين في ظل هذا الطوق الأمني؟

وصلت إلى برشلونة حوالي الساعة 10 ليلا، ليلة أول سباق لي. في الغد، توجهتإلى ميدان التسخينات في الملعب المجاور، وكانت الحراسة ترافقني. هكذا طيلة أيام المسابقة. فقد لازمني رجال الشرطة في كل التدريبات في الملعب المجاور (للملعب الرئيسي)، وكانت ثلاث شرطيات يدخلن معي حتى غرفة تغيير الملابس.

كيف فزت بذهبية سباق 1500 متر في ظل كل هذه الضغوط؟

أخذت الأمور بطريقة إيجابية، بل كانت هذه الضغوط نوعا ما حافزا ودافعا كبيرا للفوز بالسباق. كانت الميدالية الذهبية ليس فقط فوزا رياضيا، بل نصرا لكل النساء الجزائريات والعربيات اللائي يعش في مجتمع مثل مجتمعي، مليئ بالممنوعات.

بعد عودتك من إسبانيا، تم الكشف عن محاولة لاغتيال سنة 1993. من كان وراءها؟

كانت وراءها ما تسمى بالجماعة الإسلامية المسلحة. قامت هذه الجماعة بسلسلة اغتيالات لصحافيين وكتاب ومفكرين وأساتذة جامعات. كانت تسعى إلى أن تصل يدها إلى كل من يمكن أن يؤدي اغتياله إلى ضجة إعلامية، وكنتُ حينها المرأة الأكثر بروزا في الساحة الإعلامية في الجزائر.

كيف عرفت بأمر هذه المحاولة؟

استدعتني وزارة الداخلية، وتم إخباري أن جماعة إرهابية تسعى إلى اغتيالي، وأن الأجهزة الأمنية توصلت إلى رسائل بقائمة للاغتيالات يوجد من بينها اسمي على رأس اللائحة. ومنذ تلك اللحظة، وضعت وزارة الداخلية حرسا شخصيا لي لازمني إلى سنة 2007. طيلة تلك الفترة، كانت تحركاتي محدودة وكنت مجبرة أكثر من مرة على مغادرة الجزائر للتدرب خارج الوطن في ألمانيا أو في كوبا.

لماذا كوبا؟

الجو في كوبا معتدل دائما، على عكس دول أوربا التي تكونفي غالب الأحيان باردة شتاء، ولا يلائمني جوها بسبب الإصابات التي كنت أعاني منها. إضافة إلى هذا، كان هناك عامل الأمن. فكوبا بلد بعيد جدا وآمن 100 في المئة. بعد عودتي سنة 1995 إلى الجزائر، لمدة أسبوع لزيارتي عائلتي، عرفت بأمر محاولة ثانية لاغتيالي سنة 1995.

كيف عشت طيلة الفترة بين 1993 و2007، في ظل وجود حرس خاص دائما بجانبك؟

وجود الحرس إلى جانبي مرده إلى أن الحكومة الجزائرية لم ترد أن تجازف وتتركني بدون حراسة. رغم ذلك، كنت دائما ألتقي مع الناس، وكانت هناك دائما حفلات ومحاضرات، إضافة إلى تنقلاتي ضمن اللجنة الأولمبية الجزائرية. حتى عندما استتب الأمن في البلاد، بقيت الحراسة إلى جانبي لأن الحكومة لم تكن تريد أية مجازفة. أصبح الحراس جزءا من حياتي وكأنهم يعيشون معي، وتعودت على الأمر. كنت أعرف أن تنقلاتي يجب أن تكون حذرة وقليلة وللضرورة فقط.

كم كان عدد حراسك؟

سبعة بزي مدني، مدربين جيدا ويرافقونني دائما.

ماذا كان نوع التوجيهات الأمنية التي أعطيت لك خلال هذه الفترة؟

كانت من قبيل أن لا أتحدث عن تنقلاتي مع أي كان. فلا أتحدث عن المكان أو الموعد الذي سأذهب إليه له إلا لحظة خروجي. وأن أغير سيارتي، فأستعمل واحدة في الصباح وأخرى في المساء مثلا.

لماذا تم إلغاء الحراسة الخاصة في 2007؟

في الواقع، أنا من طلب ذلك. لاحظت حينها أنه لم يعد هناك أي خطر، وأن الأوضاع الأمنية تحسنت بشكل كبير. فطلب إلغاء الحراسة لو كان الأمر ممكنا. درست الأجهزة الأمنية الأمر وتمت الاستجابة لطلبي.

المصدر: موقع "ارفع صوتك"

XS
SM
MD
LG