Accessibility links

logo-print

هل يفجر ذبح الأضاحي غضب جمعيات حقوق الحيوان في أميركا؟


مسلمو أميركا ينحرون أضاحيهم في المذابح بطريقة جماعية

مسلمو أميركا ينحرون أضاحيهم في المذابح بطريقة جماعية

يعود الاحتفال بعيد الأضحى كل سنة وتعود معه النداءات المتكررة لجمعيات ونشطاء حقوق الحيوانات المطالبة بوقف ما يسمونه بالمجازر التي تحدث في حق الحيوانات، نسبة إلى إقدام المسلمين على ذبح الأضاحي في هذه المناسبة.

وإذا كانت هذه النداءات منتشرة بصفة أكثر حدة في عدد من الدول الأوروبية إلا أنها لم تأخذ مجالا كبيرا من الجدل بين دعاة حماية الحيوانات وبين المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة، رغم ظهور بعض حالات الاعتراض، التي تبقى حسب المؤسسات الإسلامية فردية ولا تصل إلى مستوى الاحتجاج.

وتتفق هذه المؤسسات حول كون الذبائح تتم وفق القوانين الأميركية التي تضمن صحة وسلامة المواطنين.

ويقلل مدير مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية من حدة هذه الظاهرة وأهميتها ويقول إنها لم تصل إلى مستوى الجدل السياسي والإعلامي وحتى القانوني في الولايات المتحدة، إذ يعتبر أن قضية معارضة ذبح الأضاحي "ليست مشكلة يعاني منها المسلمون في أميركا".


ويضيف نهاد عوض أنه لا يعتقد "أن هناك مجموعة تناهض بشدة الممارسات الإسلامية المكفولة بالقوانين"، غير أنه أشار إلى أن المسلمين "ملزمين باتباع تعليمات المدينة والتعليمات الفدرالية بخصوص الصحة والسلامة العامة عند الذبح".

أما الدكتور أحد صقر المتخصص في علوم التغذية والزراعة، فيؤكد أن توخي المسلمين في أميركا للشروط الإسلامية في النحر، واتباعهم القوانين الأميركية المتعلقة بالوقاية الصحية في الوقت ذاته يجعلهم في منآى عن أي اعتراضات محتملة للناشطين في مجال حقوق الحيوانات.

وقال إنه لم يسبق أن واجه اعتراضات كبيرة من جمعيات تعنى بحماية الحيوانات، مشيرا إلى أن ما يتم تسجيله في النادر لا يعدو أن يكون محاولات فردية.

محاولات معزولة

وإن كانت حوادث الاعتراضات تكاد تكون منعدمة، إلا أن مسلمي أميركا يتذكرون بعضا منها، أو تلك التي حازت تغطية إعلامية واسعة.

ويتذكر المسلمون في الولايات المتحدة حادثة منع احتفال جماعي بذبح الأضحية في مدينة صن شاين في ولاية فلوريدا بقرار من نائبة عمدة المدينة شايلا ألو، التي بررت قرارها بكونه "حماية للحيوانات البريئة".

وكانت هذه الحادثة التي عاشتها المدينة السنة الماضية قد أثارت الكثير من الجدل بين المسلمين، خصوصا وأنها جاءت حسب ممثلي الجالية، مخالفة للقانون على خلفية استيفاء المسلمين كل الشروط القانونية، وحصولهم على الرخص من السلطات المعنية بالصحة والنظافة لممارسة نشاطهم.

وجاء اعتراض المسؤولة المحلية مبنيا على كون عملية الذبح "لا يمكنها أن تتم بالطريقة التي أرادها المسلمون في مكان مفتوح وكذلك داخل محيط المدينة" مؤكدة في الوقت ذاته أنها لا تعترض على عمليات الذبح التي تتم عادة في أماكن خارج المدينة، أو في المزارع.

ورغم تأكيد المسلمين في المدينة أن عمليات الذبح تتم وفقا للقوانين المحلية، إلا أنهم تعاملوا مع القضية على أساس أنها قرار فردي للمسؤولة، لا يمكن حمله على البلدية كهيئة رسمية.
ذبائح العيد تثير انتقاد المدافعين عن حقوق الحيوانات

ذبائح العيد تثير انتقاد المدافعين عن حقوق الحيوانات


هذه الحادثة التي لم تتجاوز حدودها المحلية، لم ترق حسب المنظمات الإسلامية المحلية إلى درجة الاعتراضات التي يشهدها عدد من الدول الأوروبية التي تعرف نشاطا واسعا لجمعيات حماية الحيوانات، إضافة إلى أن قرار مدينة صن شاين لم يكن ضد طريقة الذبح، وإنما حول الظروف العامة التي أحاطت بالعملية.

ويعتقد نهاد عوض أن غياب مثل هذه الحوادث في الولايات المتحدة مرده إلى كون المسلمين "لديهم مزارع ومسالخ خاصة كما أن المسلمين يتعاملون مع مسالخ يملكها أميركيون، ويتم ذلك كله وفق القوانين المتعلقة بالصحة والسلامة العامة".

أما الدكتور أحمد صقر فيقول "لا أتذكر أن المسلمين في أميركا واجهوا مشكلة حقيقية حول طريقة نحر الأضاحي"، مضيفا أن الحالات النادرة التي يتم تسجيلها قد لا تكاد موجودة.

اتهامات بالتعذيب

ويواجه المسلمون في الغالب انتقادات من قبل جمعيات حماية حقوق الحيوانات، تتمثل في كون الطريقة التي يتم بها نحر الذبائح تتعارض مع المبادئ الإنسانية، خصوصا منها ما يصفه الناشطون بكون عملية الذبح تلحق أذى بالحيوانات وتجعلهم عرضة للتعذيب.
الذي يتهمنا بتعذيب الحيوانات أثناء الذبح عليه أن يأتي بالدليل على اتهامه


ويصف الدكتور أحمد صقر هذه الاتهامات بالباطلة، ويقول إن "الذي يتهمنا بتعذيب الحيوانات أثناء الذبح عليه أن يأتي بالدليل على اتهامه"، مشيرا إلى أن الطريقة الإسلامية في الذبح "تتضمن شروطا يجب الالتزام بها ولا يمكنها أن تعرض الحيوانات إلى التعذيب".

وأضاف أنه من بين الطرق التي يقترحها المعارضون للطريقة الإسلامية، تعريض الحيوان إلى صعقة كهربائية قبل ذبحه، مضيفا أن هذه الطريقة أثبتت بشأنها الدراسات أنها تمنع خروج الدم بصفة كاملة من جسم الحيوان، الأمر الذي يجعل أكل لحمها محفوفا بالمخاطر الصحية.

ويقدم الدكتور صقر ما يقول إنها دراسات علمية أثبتت أن تعريض الحيوان للصعقة الكهربائية قبل ذبحه "يسمح فقط بخروج أقل من 85 في المئة من الدم من جسم الحيوان، فيما يتبقى 15 في المئة وهذه النسبة هي التي عادة ما تكون مصدرا للأمراض".
التعامل مع الذبائح في الإسلام يتم بأسلوب إنساني ونظامي وصحي.


ويتفق نهاد عوض مع هذا الرأي، إذ يعتبر أن "التعامل مع الذبائح في الإسلام يتم بأسلوب إنساني ونظامي وصحي"، مضيفا أن "المسلمين من أرفع المجموعات التي تلتزم بحكم الأخلاق في التعامل الإنساني مع الذبيحة من حيث الرفقة والسلامة وعدم استخدام العنف".

رفض مطلق

وإذا كان بعض المعارضين يرفضون ما يصفونه بالطريقة العنيفة التي يعامل بها المسلمون الحيوانات، فإن جمعية المعاملة الأخلاقية للحيوانات ترفض نهائيا "قتل الحيوانات من أجل الاستفادة من لحومها".

وذكر بيان للجميعة التي تملك فروعا في عدد من البلدان، أن فرعها في الهند قرر إقامة ما يشبه "الحفل التأبيني لملايين الحيوانات التي سيتم قتلها في عيد الأضحى"، وذلك من خلال إقامة حفل رمزي يتصدر فيه الخروف قائمة المدعوين، في ما يشبه لفتة تضامنية مع الأضاحي التي سيذبحها المسلمون.

وحسب المنسقة الإعلامية في الجمعية جاين دولينغر، فإن هذه الدعوة تعد آخر موقف صدر عن الجمعية بمناسبة عيد الأضحى، في ما يمثل دعوة صريحة للكف عن قتل الحيوانات ومعاملتها معاملة إنسانية.

وترى الجمعية أن "أكل اللحوم يتسبب في معاناة الحيوانات على مجال واسع"، مشيرة في بيانها إلى أن ملايين الحيوانات تموت جراء تعرضها للعنف أثناء نقلها، إضافة إلى تعرضها للمعاملة السيئة في المسالخ والمذابح.

وفي إجابتها حول سؤال يتعلق بالإجراءات التي ترى الجمعية أنها مناسبة لوقف قتل الحيوانات، قالت دولينغر "نصيحتنا أن يحتفل المسلمون بالعيد عن طريق تربية الخراف وضمان وضعها في مكان آمن".

وأضافت المتحدثة أن الجمعية ترفض قتل أي حيوان تحت أي ظرف، مشيرة إلى أن "كل من يحب الحياة عليه أن يشعر بالحزن تجاة إراقة دم حيوان سواء في عيد المسلمين أو عيد الفصح أو احتفالات الهندوس".
كل من يحب الحياة عليه أن يشعر بالحزن تجاة إراقة دم حيوان سواء في عيد المسلمين أو عيد الفصح أو احتفالات الهندوس

وتابعت قائلة "يحزننا أن نسمع أن من يقرأون الكتب المقدسة يجدون وسيلة للاحتفال والتضحية ويرفضون التضحية بحياتهم".

حماية قانونية

ووسط هذه المواقف المتباينة حول ذبح الأضاحي في العيد، تبقى المنظمات الإسلامية متفائلة بما تصفه بالمناخ القانوني المميز المتوفر في الولايات المتحدة.

وحسب عوض فإن المسلمين في الولايات المتحدة يشعرون بالارتياح للقوانين التي تتيح لهم ممارسة شعيرة النحر، رغم أن ذلك يتم وفق شروط محددة.

ويقول عوض إن "هناك إرشادات تمنح حق الذبح في المسالخ والمزارع المرخصة لا يجب تجاوزها"، مضيفا أن الإطار العام للقوانين يكفل للمسلمين حقهم في نحر الأضاحي، سواء في المناسبات الدينية أو غيرها من المناسبات.

وتشترك الديانتان الإسلامية واليهودية في مسألة الذبح واللحم الحلال، وهو ما يقول بشأنه عوض إنه "تقاطع مهم لأنه يكفل لأي طائفة دينية في المجتمع الأميركي ضمان حرية ممارسة الذبح وفق قوانين الصحة والسلامة العامة".

وتعمل السلطات الأميركية في عدد من الولايات بالتنسيق مع المجلس الأميركي الإسلامي للتغذية بهدف تنفيذ القوانين المتعلقة باللحوم الحلال، بما فيها المتعلقة بالذبح على الطريقة الإسلامية.

وقال الدكتور صقر إن السلطات في ست ولايات أميركية على الأقل "تستشيرنا في مسائل اللحم الحلال وغيرها من المسائل المتعلقة بالذبح"، وذلك بهدف وضع القوانين المناسبة للتعامل مع هذه القضية.

ويعترف المسلمون أن البعض منهم يقعون في بعض الأحيان في أخطاء تجعلهم عرضة لانتقادات من قبل المدافعين عن حقوق الحيوانات، تتمثل في معظمها في الذبح في أماكن مكشوفة وعدم التقيد بقوانين الصحة والسلامة العامة، كما يؤكد ذلك الدكتور صقر.

ومن جانبه يقول عوض إن المسلمين في أميركا لا يملكون عذرا لمخالفة القانون، مضيفا أن الجالية الإسلامية لا تحتاج في الغالب إلى حملات توعية خاصة "لأن قوانين السلامة العامة في أميركا متفق عليها ومن المفروض أن تكون محل احترام الجميع".
  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG