Accessibility links

logo-print


الإجهاض موضوع شائك في معظم دول العالم، وفي بعض البلدان الإسلامية يعتبر من المواضيع المحرمة التي يتحاشى الجميع الحديث عنها. وقد شهد المغرب مؤخرا جدلا كبيرا بسبب سفينة "نساء على الأمواج" التي حاولت الرسو في المياه الإقليمية المغربية من أجل السماح للفتيات بإجراء عمليات إجهاض آمنة، مما أثار غضب الحكومة المغربية التي اعتبرت المحاولة تدخلا "سافرا" في السيادة الوطنية.

كنزة شابة مغربية مقيمة في مدينة الدار البيضاء كانت لها قبل سنوات طويلة تجربة مُرّة مع الإجهاض، لكنها مازالت تتذكر تفاصيلها الدقيقة حتى اليوم "أشعر بألم شديد كلما رويت قصتي بل مجرد التفكير في ما حدث لي يبدأ قلبي في الخفقان وكأنه سيتوقف، وترجف رجلاي حتى لا أقوى على الوقوف، فيما يعجز لساني عن الكلام. لكن رغم كل ما عشته تظل التجربة جزء من حياتي ولو تكررت تحت نفس الظروف، فلن أتردد في اتخاذ نفس القرارات مهما كانت صعبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى".

كانت كنزة حينها في الـ22 من عمرها، ومع أنها كانت تدرك المخاطر المحيطة بالعلاقات الجنسية غير المحمية إلا أنها قالت لموقع "راديو سوا" "كنت ساذجة ولعل صديقي الذي كان يكبرني بثلاث سنوات كان ساذجا أيضا بل ربما أكثر مني".

وتابعت أنه بعد مرور شهور قليلة على علاقتها مع صديقها، كان هناك شعور دفين داخلها يقول "أنت حامل!". وبعد إبلاغ حبيبها بما يدور في خلدها، قررا معا إجراء فحص الحمل المنزلي لقطع الشك باليقين. وبالفعل كان الاختبار إيجابيا، فأصبح الشابان أمام واقع جديد.

"إسقاط الجنين هو الحل"

بعد محاولة أولية فاشلة لإنهاء الحمل باستخدام حقنة نصح بها صيدلي، لجأت كنزة إلى طبيب لا يمانع في إجراء عمليات الإجهاض التي باتت الحل الوحيد أمامهما.

كشفت كنزة أن شكل الطبيب كان مخيفا، وأن مكتبه كان مقرفا. قالت إنه كان يدخن أثناء الفحص، أما الأدوات التي كان يستخدمها فكانت تبدو وكأنها تعود إلى العصور الوسطى، وقالت "لن أنسى أبدا ذلك الجزار"، لكن ما من خيار كان أمامها سوى تسليمه مصيرها لعله يضع حدا للسر الذي يكاد يهلكها.

أبلغهما الطبيب بأن الحمل خارج الرحم وأن إنهاءه يستدعي عملية جراحية تتطلب قضاء ثلاثة أيام في المستشفى. وفيما كانت كنزة وصديقها يحاولان استيعاب الصدمة، أخبرهما الطبيب أنه لن يشترط إذنا من أولياء أمر الشابة، وسيتولى التعامل مع المستشفى لتسير الأمور على خير، لكنه طالب في المقابل بـ35 ألف درهم أو ما يعادل 3500 دولار.

تفاقمت صدمة الحبيبين، فما كان أمامهما سوى طرق أبواب كل عيادات الأشعة والجراحة وطب النساء والمختبرات الممكنة حيث عاملهم الجميع باحترام وظنوا أنهما حديثا الزواج، وبعد البوح بسرّهما كان هناك من أبدى تفهّما، ومن حاول استغلال ظروفهما لتحقيق مكاسب مادية وطمع في مالهما القليل أصلا إذ كانا طالبيْن حينها، فيما أبلغهما آخرون أنهم لا يجرون عمليات الإجهاض لأسباب دينية.

عثرت كنزة وصديقها صدفة على طبيب نسائي قالت إنه كان أكثر إنسانية وأكثر تفهما من غيره، فضلا عن أنه كان مهنيا للغاية كما وصفته، أبلغهما بعد تصوير بالموجات فوق الصوتية أن رحمها مقلوب لكنه طمـأنها أن ذلك لن يتطلب إجراء عملية معقدة.

استغرقت عملية الإجهاض حوالي عشر دقائق وتقاضى الطبيب 2000 درهم أي 200 دولار تقريبا، غطت كافة إجراءات العملية بما فيها التخدير.

كان الإجهاض الحل الوحيد أمام كنزة لتجنّب ما أسمته بالفضيحة. وقالت إنه على الرغم من أن أسرتها عصرية ومنفتحة، إلا أنها تظل متمسكة بالقيم الدينية والتقاليد إلى حد لن يجعلها تتقبّل بسهولة أن تكون ابنتها أمّا عازبة.

معاناة كنزة تعيشها كثير من الشابات ليس في المغرب فحسب بل في مختلف الدول العربية، ومنهن من يتعرضن للنبذ وأحيانا للقتل. وبحسب الأمم المتحدة، تشهد كثير من المجتمعات عمليات قتل تطال ضحايا الاغتصاب والنساء اللائي يعقدن علاقات جنسية قبل الزواج واللائي يتهمهن أقاربهن بالزنا، لأن "عفة المرأة تمثل شرف الأسرة". وبحسب ‏تقديرات صندوق الأمم المتحدة للسكان فإن ضحايا جرائم الشرف قد تصل إلى 5000 امرأة سنوياً على مستوى العالم.

وتسعى كثير من المنظمات الدولية والمحلية في المغرب إلى مساعدة ضحايا الاغتصاب والأمهات العازبات اللائي يهربن من كنف أسرهن بعد حملهن خوفا من الفضيحة وعواقبها، وتحاول إعادة تأهيلهن وتعليمهن بعض الأعمال الحرفية قبل إعادة إدماجهن في مجتمع قد لا يرحمهن رغم جهله بالظروف التي مرت بها كل شابة على حدة.

"سفينة الإجهاض"

منظمة "نساء على الأمواج" الهولندية، واحدة من هذه المنظمات الدولية التي حاولت بعد تلقيها دعوة من الحركة المغربية البديلة من أجل الحريات الفردية تقديم خدماتها لمن يقصدها في المملكة.

وجاءت زيارة المنظمة على قاربها الذي بات يعرف بـ"سفينة الإجهاض" وسط استمرار الجدل حول الإجهاض غير القانوني وقضية التخلي عن الرضع، إذ كشفت جمعية "مغرب الأمهات العازبات" في دراسة حديثة أن 24 رضيعا يتم التخلي عنهم كل يوم في الشوارع المغربية.

ونددت عدة جهات مغربية بمبادرة المنظمة الهولندية التي لجأت إلى التمويه لصرف انتباه السلطات التي أرادت منعها من الوصول إلى ميناء في شمال البلاد، وأعلنت أنها موجودة فعلا على الأراضي المغربية منذ أيام.

السفينة الهولندية في ميناء مارينا سمير المغربي خلال زيارتها للمملكة

السفينة الهولندية في ميناء مارينا سمير المغربي خلال زيارتها للمملكة

ولم يكن منتقدو المنظمة من المحافظين فحسب بل شملوا مواطنين ومنظمات تدعو إلى قوانين تجيز الإجهاض بينها الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري التي عبّر رئيسها شفيق الشرايبي في تصريحات صحافية عن أسفه للجانب "الاستفزازي" للمبادرة، معتبرا أن "الأمر وإن كان رمزيا، فإنه ليس في صالح المرأة، وليس وسيلة سليمة لحل المشكلة".

لكن المسؤولة في المنظمة ريبيكا غومبيرتس قالت في حديث مع "راديو سوا" إن سفينة "نساء على الأمواج" تبحر إلى دول تتلقى دعوات من المنظمات المحلية العاملة فيها، مضيفة أن طلبت المساعدة في زيادة الوعي حول عواقب الإجهاض غير قانوني في المملكة.

ونددت الدكتورة عائشة فضلي رئيسة الجمعية المغربية لحماية الحق في الحياة بالسفينة، وقالت لـ"راديو سوا" إن "الجمعية الأجنبية أعطت لنفسها الحق في الرسو في المياه الإقليمية لبلد له قوانينه وله حرمته وله سيادته وتجري الإجهاض الذي مازال مجرّما وسيبقى مجرّما إن شاء الله إلى ما شاء الله".

وإلى جانب الدعوة إلى الإجهاض، قدمت المنظمة خطا هاتفيا ساخنا وموقعا إلكترونيا باللغة العربية حول طرق إنهاء الحمل في المنزل. وفي هذا الإطار قالت غومبيرتس " يوجد في دول الشرق الأوسط والمغرب أيضا دواء متوفر في الصيدليات اسمه Cytotec أو Citotec تستطيع النساء استخدامه بأنفسهن والإجهاض بشكل آمن في بيوتهن".

لكن الدكتورة فضلي، وهي طبيبة مختصة في أمراض النساء حذرت من الآثار السلبية لهذا الدواء وقالت “من الناحية الطبية هذا الدواء كارثة لأن المقادير التي يعطونها فوق القدر المسموح به، كما أنه ممنوع إعطاؤه للمرأة الحامل خلال مدة الحمل كاملة، ولا يعطى إلا للأمراض الروماتيزمية المزمنة عند الأشخاص فوق 65 سنة أو الذين يعانون من حساسية خاصة لمضادات الالتهابات".

"جرأة لتعرية الواقع"

من جانبه، قال مدير جمعية أم البنين في مدينة أكادير عبد اللطيف المهاود إن الوقت قد حان لفتح حوار وطني أو جهوي مع الجمعيات والأشخاص المهتمين لبحث ما يدور في المغرب، وطالب بسن قانون يؤطر الإجهاض ويسمح به في بعض حالات الحمل غير المرغوب به مثل الاغتصاب أو عندما لا ترغب الأم بطفلها وترى أنه سيشكل مستقبلا عبئا عليها أو عندما لا تملك الظروف الملائمة والإمكانيات المادية للتكفل بتربيته.

وقال "لا ينبغي علينا الخجل من هذه الظواهر، يجب أن تكون لدينا الجرأة ونعري الواقع كما هو لنجد حلولا مناسبة لمعالجة مشاكل بلادنا بغض النظر عن الاختلاف الأيديولوجي أو التوجهات السياسية"، مضيفا "يجب أن تكون هناك استراتيجية وطنية لمعالجة هذه الظاهرة وفتح حوار وطني يناقش الموضوع وتتخذ فيه قرارات جريئة".

وأضاف المهاود الذي استقبلت جمعيته خلال العام الجاري حوالي 462 حالة بينهن أمهات عازبات وفتيات تعرضن للاغتصاب، "هذا هو الواقع، ما هي الحلول المقترحة؟ وإذا فتح حوار ربما تكون هناك حلول، لا ينبغي أن نضع عراقيل بل يجب أن نحاول إيجاد حلول، حقيقة عندنا أطفال في الشوارع، أطفال في وضعية صعبة ونحن نستقبل كجمعية عددا من الأمهات العازبات ورغم إمكانياتنا القليلة نحاول أن نجد لهن حلولا لكن ذلك صعب للغاية ويشكل عبئا عبئا كبيرا جدا و لا يمكن أن نستمر بهذه الطريقة".

وتابع قائلا إن "المجتمع المغربي ربما يتقبّل حلولا مقترحة إذا كانت واقعية وموضوعية وإذا تم فضح الأرقام وإجراء دراسات علمية حول عدد الأطفال المهملين والأطفال المشردين والأطفال المتخلى عنهم"، مشيرا إلى أنه منذ انطلاق عمل جمعيته في 2001 لاحظ أن نسبة الأمهات العازبات ترتفع بحوالي خمسة إلى ستة في المئة كل عام.

لحسن حظ كنزة، فإنها لم تصبح أمّا عازبة، ورغم كل العذاب الذي تجرعته خلال تجربة الإجهاض المريرة إلا أنها وصفت قصتها بأنها حالة خاصة كانت نهايتها سعيدة، فقد حظيت بدعم الرجل الذي كانت مرتبطة به عاطفيا والذي أصبح الآن زوجها رزقت منه بطفل، كما أن أختها و إحدى صديقاتها وقفتا إلى جانبها في محنتها.

وتابعت كنزة قائلة "الغريب هو أن هذه التجربة المُـرّة قربتني من صديقي، فقد كان بجانبي طول الفترة جسديا ومعنويا وماديا، وحرص على طمأنتي كلما كنت حزينة"، وتذكرت الكلمات التي كان يرددها حبيبها "كان يقول لي إنه لو علم والداك بما حدث سأكون أنا أكبر خاسر لأنهما سيرفضانني للأبد... أعتقد أنه لولا التجربة لما تزوجت صديقي".

ومع أن الكابوس الذي عاشته كنزة ليس بالهيّن، إلا أنها ظلت قوية خلال الفترة التي سبقت الإجهاض، خاصة وأنه كان عليها التظاهر أمام أسرتها أن ما من تغيير يحدث في حياتها، لكن شددت على أن الدقائق الخمس التي سبقت إنهاء الحمل كانت أصعب فترة. وقالت "كنت في الحمام حيث كانت يومية لتقدير تاريخ الولادة معلقة في أحد الجدران، عندها أدركت أنني على وشك قتل مخلوق صغير لديه عينان ويدان صغيرتان ورجلان... كنت في الأسبوع الثامن من الحمل وكنت حزينة لأنني مضطرة للقيام بهذا العمل لكنه لم يكن أمامي خيار آخر".


تنويه: يوسف الدازي ساهم في إنجاز هذا الموضوع
  • 16x9 Image

    بديعة منصوري

    التحقت بموقع راديو سوا منذ أيامه الأولى في مارس/آذار 2003، حيث عملت علىا لترجمة وتحرير الأخبار وإجراء المقابلات، وساهمت في تغطية عدد من الأحداث المهمة في الولايات المتحدة، كما أنها تتابع دراسة الإعلام في جامعة جورج ميسون الأميركية.

XS
SM
MD
LG