Accessibility links

هنا المغرب... آخر الإسلاميين العرب في السلطة


رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران داخل البرلمان-أرشيف

رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران داخل البرلمان-أرشيف

لم يكن حزب العدالة والتنمية يعتقد أنه سيحتل كرسي السلطة وريثا للاشتراكيين في مغرب 2011. ولم يكن يظن أن الدولة العميقة في المملكة العتيدة ستتراجع أمام هبوب رياح الثورات على المنطقة العربية.

كان الحزب الإسلامي الأبرز في المملكة يقاوم هجمات العلمانيين في أعقاب أحداث الدارالبيضاء الإرهابية في 2003، ولم يستطع قادته يومئذ إلا الرضوخ لمطالب الدولة والأحزاب المعارضة بتقزيم دورهم في الساحة السياسية.

فيديو لإحدى مظاهرات 20 فبراير في العاصمة الرباط:

بعد مرور ثماني سنوات حدث الربيع العربي. ركب إسلاميو العدالة والتنمية الموجة وخرجوا مع الشبان المتحمسين للتغيير العميق في بنية النظام، غير أنهم أخلفوا الوعد للشباب، وفق ما يقول هؤلاء، وأخلوا الشوارع، وانبروا لممارسة السلطة أسابيع بعد ذلك.

في 2013 بدأ ربيع الإسلاميين يتداعى تباعا: خلع الجيش المصري الإخوان المسلمين في مصر ووقعت ليبيا في الحرب الأهلية، وفي 2014 سقط إسلاميو النهضة في انتخابات تونس. واليوم، بقي حزب العدالة والتنمية المغربي الاستثناء الوحيد في خريطة عربية شهدت انحسارا للحركات الإسلامية في الحكم. فما سر بقاء إسلاميي المغرب في السلطة؟

"لسنا حزبا إسلاميا"

يصر حزب "العدالة والتنمية"، بعد تجربة قيادة الحكومة الحالية، على التأكيد أنه ليس حزبا إسلاميا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل حزبا يمتح من المرجعية الإسلامية، ويسعى في إطار الملكية القائمة إلى الإسهام في بناء مغرب حديث وديموقراطي.

وقال رئيس الحكومة المغربية في حوار سابق مع موقع "راديو سوا" إن حزبه لا ينتمي إلى مدرسة الإخوان المسلمين. وأضاف أن "العدالة والتنمية تيار سياسي وليس دينيا ويرفض الخلط بينهما".

وشدد على أن الدين يجب أن يكون بيد الدولة، موضحا أن "بعض الأشخاص أعطوا صورة مرعبة ورهيبة عن الإسلام".

وإذا كان بنكيران يلمح إلى تشويه تنظيمي القاعدة وداعش للدين الإسلامي، فقد تحفظ أيضا على ممارسات الإسلاميين في مصر، ونأى بحزبه عن شبكة الإخوان المسلمين في العالم.

وأرجع المحلل السياسي المغربي محمد الغالي سبب استمرار العدالة والتنمية في الحكومة إلى "التسليم بضرورة التنازل عن الشأن الديني للملك وحده".

وأضاف لموقع "راديو سوا" أن "إخوان عبد الإله بنكيران أذكى من السقوط في النموذج المصري. إنهم يرفضون أخونة الدولة. يتحركون تحت مظلة الملك، وهم بارعون في ذلك".

ويرى خصوم الحزب أن العدالة والتنمية يحاول التنكر للإخوان المسلمين، رغم العلاقات المتشابكة بينهما. وقال الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال المغربي عادل بنحمزة "إنهم يناورون. يدغدغون عواطف الشعب، بينما يُخرجون خطابا سياسيا مختلفا تماما للطبقات المثقفة. إنهم يريدون حصد أصوات الجميع".

وانتقد بنحمزة تملص حزب العدالة والتنمية من شعاراته السابقة، قائلا إن الانتخابات المقبلة ستدفع الحزب نحو مصير أحزاب إسلامية أخرى في المنطقة العربية.

القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة (معارض) المغربي إلياس العماري

القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة (معارض) المغربي إلياس العماري

وفي السياق ذاته، قال القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة (معارض) إلياس العماري إن إيديولوجيا الإسلاميين جميعا متشابهة. وأضاف "ليس في القنافذ أملس".

وأكد العماري، في حوار مع "موقع راديو سوا" أن حزبه ينتقد الإسلاميين، "لأنهم يوظفون الدين في السياسة".

لكن المؤكد، حسب الغالي، أن "إيمان العدالة والتنمية بأن الملك محمد السادس هو الفاعل الوحيد في المجال الديني جنّبه تكرار النموذج المصري".

"لا نحكم"

يرفض رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران اعتبار "العدالة والتنمية" حزبا حاكما. ويؤكد أن حزبه يقود حكومة ائتلافية فقط، "لأن رئيس الدولة المغربية هو الملك".

وتتهم الصحافة المغربية وأحزاب في المعارضة بنكيران بالتنازل عن صلاحياته الدستورية لفائدة الملك، غير أن محمد الغالي يقول إن "موازين القوى في الساحة السياسية المغربية تميل لصالح الملك، وليس للعدالة والتنمية سوى الإبقاء على علاقة جيدة مع الجالس على العرش".

جانب من احتجاجات 20 فبراير المطالبة بإقرار الملكية البرلمانية في المغرب

جانب من احتجاجات 20 فبراير المطالبة بإقرار الملكية البرلمانية في المغرب

وقد طالب الحراك الشبابي في المغربي بإقرار ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم. وطالبوا بتقليص صلاحياته لفائدة رئيس حكومة ينتخبه الشعب على شاكلة النظام السياسي في إسبانيا وبريطانيا.

لكن بنكيران كرر في كثير من خطاباته وحواراته الصحافية أنه لن يواجه الملك، وقال لموقع "راديو سوا" في حوار سابق "قلت للمغاربة منذ البداية إن أرادوا رئيس حكومة يصطدم بملكهم فليبحثوا عن شخص آخر".

يؤكد محمد الغالي أن سبب استمرار العدالة والتنمية في قيادة الحكومة "يرجع بالأساس إلى التسليم للملك بسلطاته الواسعة، ووضع العلاقة مع القصر في مرتبة أعلى من الدستور".

أما القيادي في حزب الاستقلال عادل بنحمزة فيشير إلى أن المغرب كان عرف الانتقال الديموقراطي في 1999 وهو اليوم يستوعب كل الأحزاب السياسية في الساحة، رافضا إسقاط تجارب الإسلاميين في المشرق على الحقل السياسي المغربي.

وقال بنحمزة إن "العدالة والتنمية حزب عادي. يقود الحكومة ولا يتولى السلطة. والتركيبة السياسية عندنا لا تمنح لأي حزب قدرة على الحكم لوحده".

وخلص إلى أن سبب بقاء العدالة والتنمية في الحكومة هو الإصلاحات السياسية التي عرفها المغرب منذ تسعينيات القرن الماضي.

الخيار الوحيد

ليس التطبيع المؤسساتي و التسليم للملك بصلاحياته المطلقة، وأخذ المسافة من الحركات السياسية التي انحسرت في بلدان عربية، هي الأسباب الوحيدة لاستمرار حزب العدالة والتنمية في الحكم.

فالمحلل السياسي محمد الغالي يقول إن معظم الأحزاب المغربية استفذت قبيل الربيع العربي، ولم تعد تحظى بالمشروعية. وكان حزب العدالة والتنمية البديل الوحيد أمام المتحكمين بزمام السلطة في المغرب.

المحلل السياسي المغربي محمد الغالي

المحلل السياسي المغربي محمد الغالي

ويضيف "كان الحزب في المعارضة ولم يجرب الحكم. وقد كان الخيار الوحيد أمام القصر لاجتياز مأزق الربيع العربي".

وترى الصحافة المغربية أن الطريقة التي وصل بها حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة تكرار لسيناريو صعود الاشتراكيين إلى السلطة في 1999. وقد طلب الملك الراحل الحسن الثاني آنذاك من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قيادة الحكومة لإنقاذ المغرب من "السكتة القلبية"، في إشارة إلى الأزمة السياسية التي كانت تحدق بالمغرب آنذاك.

المحلل السياسي المغربي محمد زين الدين يؤكد أن النظام المغربي يستخدم النخب السياسية لصالحه، "جرب الاشتراكيين حتى فقدوا شعبيتهم وبدّلهم بالإسلاميين. وقد يستعين بالسلفيين وقت الحاجة أيضا".

ويضيف زين الدين أن "إسلامي العدالة والتنمية كانوا الخيار الوحيد أمام الملك حتى يمر ربيع قلب الأنظمة".

XS
SM
MD
LG