Accessibility links

"القتل عقوبة المرتد" آخر الفتاوى المثيرة للجدل في المغرب - شارك برأيك


مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء المغربية

مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء المغربية

"من غير دينه في المغرب وتحول من الإسلام إلى معتقد آخر ستكون عقوبته القتل"، هذا هو ملخص الفتوى الجديدة التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى في المغرب، والذي يعتبر الهيئة الرسمية الوحيدة المخول لها الإفتاء في المملكة.

حكاية الفتوى تعود إلى طلب تقدمت به "المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان" إلى المجلس العلمي تستشيره فيه حول "حكم المرتد" و "حرية المعتقد"، وذلك في إطار تحضير التقرير الدوري السادس لتطبيق توصيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي وقع عليه المغرب وينص على حرية المعتقد.

رد المجلس العلمي الأعلى لم يتأخر وجاء فيه أنه بالنسبة "للمسلمين فإن شرع الإسلام ينظر إلى حرية المعتقد بنظر آخر، ويدعو المسلم إلى الحفاظ على معتقده وتدينه، وإلى التمسك بدين الإسلام وشرعه الرباني الحكيم، ويعتبر كونه مسلما بالأصالة من حيث انتسابه إلى والدين مسلمين أو أب مسلم التزاما تعاقديا واجتماعيا مع الأمة، فلا يسمح له شرع الإسلام بعد ذلك بالخروج عن دينه وتعاقده الاجتماعي، ولا يقبله منه بحال".

وأضافت الفتوى محددة عقاب من يخرج عن دين آبائه وأجداده "ويعتبر خروجه منه ارتدادا عن الإسلام وكفرا به، وتترتب عليه أحكام شرعية خاصة، ويقتضي دعوته للرجوع إلى دينه والثبات عليه، وإلا حبط عمله الصالح، وخسر الدنيا والآخرة، ووجب إقامة الحد عليه".



مسألة وجوب إقامة الحد عليه، وهو المعروف شرعا في الدين الإسلامي بالقتل، أثارت الكثير من النقاش، وانقسم المجتمع المغربي إلى قسمين: الأول يساندها على أساس أن المغرب بلد إسلامي وقوانينه مستمدة من الشريعة الإسلامية، والقسم الثاني يرفضها ويرفع راية حقوق الإنسان والمرجعية الدولية التي تتبنى حرية المعتقد.
فاغلب العلماء أيدوا الفتوى ومن بينهم الشيخ محمد الفيزازي، وهو من كبار علماء السلفية في المغرب، والذي صرح لموقع "راديو سوا" أنه يساند الفتوى كليا.

وقال إن موقفه الداعم للفتوى استند على "ما جاء في الكتاب والسنة"، مبديا رفضه لأي دعوة لمناقشتها أو نقضها لأنها صدرت عن المجلس الأعلى للعلماء، المؤسسة الرسمية والدستورية التي تفتي في البلاد، و"لا يحق لأحد أن يتصدر لفتاويها بالنقض أو النقاش، لأنها معتبرة قانونا وهي المرجع الأسمى في كل المسائل الدينية للبلاد والعباد".

"الأمن الروحي" للمغاربة

وإذا كان محمد الفيزازي قد أعلن تأييده الواضح والمباشر للفتوى، فإن بعض الباحثين والعلماء حاولوا أن يجدوا مبررا لما صدر عن علماء المملكة الرسميين، ومن ضمن هؤلاء الباحث في الفكر الإسلامي أحمد الشقيري الديني الذي رجح في مقال له أن يكون المجلس أراد بفتواه هذه أن يواجه حملات التنصير التي تستهدف المغرب، باعتباره "ملتقى الحضارات، وأقرب بلد إفريقي إلى أوروبا المسيحية".

وأضاف الديني أن "هناك جماعات تبشيرية تنشط على أراضي المملكة، تمّ طرد بعضها ومتابعة بعضها قانونيا، وأن التنصير يهدد الكيان السياسي للدولة المغربية بمضمونها الديني القائم على إمارة المؤمنين والبيعة الشرعية".

واعتبر أن التسامح مع التبشير المسيحي على الأراضي المغربية معناه فتح المجال الإعلامي مستقبلا لقنوات تنصيرية باللغتين العربية والأمازيغية، "وربما بالدارجة المغربية، وسترصد له إمكانات هائلة ومتطورة تسمح باختراق الهوية المغربية" والنسيج الاجتماعي التي يعد الدين أرسخ مكوناتها، حسب قوله.
فالفتوى الجديدة للمجلس جاءت حسب الشقيري لـ"حماية المجتمع من مخاطر التنصير، والدفاع عن المضمون الديني لإمارة المؤمنين، ومن ظنّ أن العلماء في شرود بإصدارهم لهذه الفتوى، فإنه جانب الصواب".

ويلتقي هذا التفسير مع مبادرات سابقة للسلطات المغربية. فقد كانت وزارة الداخلية المغربية قد أصدرت بيانا ن عام 2008 تندد فيه بما أسمته تهديد "الأمن الروحي للمغاربة" من جانب بعض المبشرين ممن يسعون إلى دعوة المغاربة إلى تغيير دينهم، ولكن بلاغ وزارة الداخلية في ذلك الوقت لم يذهب أبعد من الحث على تطبيق القانون.

"دعاة لا قضاة"

لكن الفتوى لا تلقى تأييدا من جميع رجال الدين في المملكة. فقد عبر بعضهم عن الرفض للفتوى الجديدة، ومن بينهم عضو مجلس العلماء المحلي أحمد الكافي.

وقال الكافي في اتصال مع موقع "راديو سوا" إنه ضد قتل المرتد ما داما محتفظا باعتقاده في نفسه، ولم يخرج ليعيث في الأرض فسادا ويدعو الناس على تغيير دينهم والخروج عن الأمة".

واعتبر أن الاعتقاد مسألة شخصية بين العبد وخالقه، مناشدا العلماء أن يكونوا "دعاة لا قضاة".

ضد حقوق الإنسان

كذلك، يعتبر ناشطون حقوقيون فتوى المجلس وبلاغات الداخلية بمثابة الوصاية على المواطنين وقمعا لحرياتهم الفردية. هذا الرأي عبرت عنه جمعية "بيت الحكمة" التي أصدرت بيانا عبرت فيه عن "استغرابها للشديد للفتوى التي أصدرها المجلس العلمي الأعلى بخصوص حرية المعتقد والتدين، والقاضية بقتل المرتد".

ووصف البلاغ الفتوى بأنها لا تتعارض مع روح ومنطق الشريعة فقط، بل أيضا مع المواثيق والعهود الدولية التي تكفل حرية الفكر والعقيدة، كما تتعارض مع التطورات المهمة للمنظومة الحقوقية في المغرب.

كما اعتبر الباحث أحمد عصيد في مقال، أن الحكم على مواطن بأنه "مسلم منذ الولادة، وأنه ليس من حقه أن يختار بعد سن البلوغ المعتقد الذي يرتاح إليه، هو فكرة ظلامية تذكرنا بمحاكم التفتيش في عصر ظلمات الجهل والاستبداد".

وينص قانون الجنايات المغربي على معاقبة من غير دينه بالسجن والغرامة ويطلق على هذه التهمة اسم "زعزعة عقيدة مسلم"، وسبق أن حوكم بها العديد من الشباب والناشطين في مجال الحريات العامة وحقوق الإنسان.
  • 16x9 Image

    عز الدين الهادف

    حصل عزالدين الهادف على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. اشتغل صحافيا بمجلة "نيشان" ثم رئيسا للتحرير ، وعمل مراسلا للعديد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية مثل "الشروق" التابعة لدار الخليج، و"الحياة" اللندنية في صفحة ميديا، وإذاعة هولندا العالمية قبل أن يلتحق بموقعي قناة "الحرة" و"راديو سوا" في واشنطن.
    شارك عزالدين الهادف في العديد من الدورات التدريبية حول الإعلام والتواصل، وفاز بجائزة المنظمة الهولندية "بريس ناو" لصحافة التحقيق.

XS
SM
MD
LG