Accessibility links

سود مغاربة يـُحرمون من الزواج بسبب لون بشرتهم (شارك برأيك)


رئيس جمعية تحارب العنصرية في المغرب سعد باه.

رئيس جمعية تحارب العنصرية في المغرب سعد باه.



قبل عامين أثار صدور حكم قضائي يتضمن صيغة "العبودية" الكثير من الجدل في المغرب، بسبب حرمانه إحدى الأسر السوداء من الإرث، استنادا إلى أحكام الشريعة الإسلامية.

وتعود جذور القصية إلى سنة 1975 بعد وفاة رب العائلة تاركا وراءه الكثير من العقارات، و أصدرت المحكمة قرارا بحرمان أبناء إحدى الزوجات من الإرث لأنها "أمة". وقد جاء الحكم القضائي صادما للكثير من الجمعيات الحقوقية، التي تفتخر بالمغرب كبلد متنوع ثقافيا وحضاريا.

ولم تمر إلا أيام قليلة حتى خرجت الصحافة المغربية بعناوين بارزة تتحدث عن "مماليك العبيد" في جبال الريف بالشمال والجنوب الشرقي للمملكة. ورغم أن القانون المغربي يمنع امتلاك العبيد، فإن "الأعراف القبلية" تنظر إلى السود نظرة دونية وتوظف في حقهم عبارات مليئة بالعنصرية المشفرة.

مقتطف من حكم االمحكمة العليا المغربية، التي حرمت أسرة سوداء من الإرث.

مقتطف من حكم االمحكمة العليا المغربية، التي حرمت أسرة سوداء من الإرث.

وقد أرست هذه الترسبات جدارا سميكا وسّع الهوة التي خلفتها قرون طويلة من الاستعباد، حتى أضحى الزواج والانتساب بين البيض والسود شبه مستحيل، ليس فقط بسبب العادة، ولكن لأن هناك تماهيا مع ركام المخلفات الذهنية، التي تعتبر مصاهرة "أحفاد العبيد" عار وفضيحة مجتمعية.

والنتيجة يقول عالم الاجتماع المغربي علي شعبان لـ"راديو سوا" أن "كثير من الشباب يخفون تحت ابتساماتهم قلوبا مغبون حقها في اختيار شريك الحياة".

عنصرية القرون الوسطى في المغرب الحديث

تقول المعطيات التاريخية إن جذور العنصرية في المغرب موغلة في الماضي، لأن الأنظمة التي حكمت "السلطنة الشريفة" (اسم المغرب قبل أن يتحول إلى مملكة) كانت "تصطاد السود وتوظفهم كعبيد في الجيش أو الحِرَف اليدوية والأعمال الشاقة".

ومع تولي السلطان المولى إسماعيل الحُكمَ في المغرب سنة 1672م، تم تشكيل جيش ضخم في إطار إعادة بناء الجيش المغربيّ، سمي بـ"جيش عبيد البخاري". وفي نفس الفترة لجأ حفدة العبيد إلى الفن من أجل التعبير عن العنصرية التي كانوا يعانون منها في المجتمع، فأنتجوا فن "كناوة" الموسيقي الراقي، الذي أصبح اليوم مصدر فخر للمغاربة.

ورغم أن الاستعمار الفرنسي منع العبودية سنة 1912، إلا أنها استمرت بصيغ مختلفة إلى أن صدر قانون منع الرق في حدود السبعينات من القرن الماضي. بيد أن التنصيص القانوني لم يخلص "أحفاد العبيد" من التمييز العرقي الذي يصنف المغاربة السود كمواطنين من الدرجة الثانية.

يقول رئيس شباب "جمعية غمارة لمحاربة العنصرية" عادل مخلوف لموقع "راديو سوا" إن "الزواج المختلط في قبائل الشمال المغربي يعتبر خيانة للقيم العامة، لأن المخيال القبلي يعتبر الأسود خادما وعبدا مهما كانت وضعيته الاجتماعية والاقتصادية". وينبه مخلوف إلى أن تلك الممارسات خلفت لدى قطاعات كبيرة من الشباب عقدا مرغت اعتدادهم بأنفسهم ودفعتهم للإنزواء بعيدا عن باقي المجتمع.

شارك برأيك


وحتى التجمعات السكنية للسود تدعى "دوار العبيد"، وتوجد في "أماكن مهمشة" لا يرغب أحد في السكن فيها، ويزاولون أشغالا يعتبرها المجتمع "وضيعة" مثل: الحدادة وتربية المواشي..

ويبلغ الاقصاء في كثير من المناطق درجة حرمان قبائل بكاملها من وثائق التعريف والكهرباء والتدريس كما حدث لمدة عقود في منطقة "باب برد" بالشمال المغربي.

وتقوم العديد من الجمعيات الحقوقية بزيارات ميدانية لقبائل من السود تسكن مناطق جبلية بعيدة عن المراكز الحضرية، وقد تفاجأ الرأي العام المغربي العام الماضي بوجود مغاربة يجهلون اسم ملك البلاد ولم يسبق لهم أن صوتوا في الانتخابات البلدية.

قصص حب أفشلها "اللون"

يحكي محمد آيت علي، وهو شاب في العشرينيات من عمره، قصة حب جمعته لمدة أربع سنوات بفتاة بيضاء، قائلا لموقع "راديو سوا": "كنت دائم الخوف من رفض والديها، فقد سمعت من قبل عن قصص مشابهة انتهت كلها بالفشل".

وواصل محمد قائلا "لما تخرجت سنة 2009 وعينت أستاذا للتعليم الثانوي قررت أن أتقدم لخطبتها.. كنت حينها متفائلا وتجاوزت عقدة اللون.. لقد أصبحت أستاذا والجميع يحترمني". يتوقف محمد عن الحكي ويغمغم بكلمات متحشرجة قبل أن يتوقف تماما عن الكلام، فيصمت لهنيهة.

يبدأ الحديث مجددا ثم يتوقف، وفجأة يقول بصوت متهدج: "كان الذبح أرحم من رفض عائلتها...لقد جربت معهم كل فنون الاستجداء. لم يتبق أمامي حل وحيد هو أن أرفع سماعة الهاتف واتصل بفاطمة لأتمنى لها كل التوفيق في الحياة".

يروي محمد تفاصيل هذه الحكاية المأساوية بكلمات مؤثرة قال إنها تمس جرحا غائرا في داخله، ويضيف: "بعد افتراقنا أصبت بنوبة اكتئاب حادة. وجدتُ ملاذي في الصلاة وفي مشاركة بعض الأصدقاء من الذين تعرضوا لنفس النكسة جمرات الحزن. أما فاطمة فقد صمتت وكتمت سرها عن الجميع، وظلت تلعق جراحها بصمت حتى جاءت الصدمة الثانية عندما زوجوها برجل يكبرها سنا".
مستشار جماعي عن بلدية باب برد في المغرب عبد الله الجوط، أرشيف.

مستشار جماعي عن بلدية باب برد في المغرب عبد الله الجوط، أرشيف.

يقول المستشار في جماعة تضم العديد من قبائل السود عبد الله الجوط، معلقا على قصة محمد "في المنطقة التي أنتمي إليها نوازع عنصرية طافحة وخلفيات عدائية تكرس التنافر بين السود والبيض"، مضيفا لموقع "راديو سوا" "صحيح أن هناك سلاسة في التعامل والاختلاط، لكن يظل الزواج خطا أحمر. فالبيض يعتبرون أنفسهم أرقى من السود".

ويؤكد أنه عمل كعضو في جمعية تحارب العنصرية في منطقة الريف بالشمال المغربي وخلص في النهاية إلى أن "إشكالية العنصرية تضرب بجذورها في عمق الثقافة العربية الإسلامية، التي تحارب العبودية نظريا وتمارسها على مستوى الواقع".

الشجرة التي تخفي الغابة

يقول علماء الأنتروبولوجيا إن العبودية والرق ومفاهيم نقاء العرق كرستها المعتقدات وبعض الديانات السماوية، قبل أن تنتقل إلى ثقافات الكثير من الشعوب.

ويعتقد عالم الاجتماع المغربي علي شعبان أن المغاربة كغيرهم من العرب يحملون في داخلهم جينات ثقافية تربط السود بالعبودية، مضيفا أن الرق دخل إلى المغرب عن طريق التجار المغاربة الذين كانوا يصطادون "العبيد" في السواحل الإفريقية ويوظفونهم في الفلاحة والجيش.

وهنا فيديو لرئيس "جمعية أخوك الحرطاني (اسم السود في المغرب) المهمش" سعد بوه:


ويذهب شعبان في حديثه إلى أن العرب كانوا يتزوجون بالإماء (بنات العبيد) على أن تكون منزلتهن الاجتماعية دون الزوجة البيضاء سيدة البيت. أما زواج العبيد بالسيدات فقد كان شبه مستحيل حصلت بسببه حوادث مؤلمة تحملها كتب التاريخ، وهي التي أدت فيما بعد إلى تشريع إخصاء الخدم خوفا من اقترابهم من نساء الأسياد.

وإذا كانت القوانين المغربية قد حاولت اجتثاث العبودية كمفهوم يشير إلى "كائنات أكثر من الحيوان وأقل من الإنسان فإنها فشلت في استئصال النظرة الدونية تجاه السود في الموروث المجتمعي، مما أفرز ثقافة عنصرية تنفر العنصر الأبيض من الأسود خصوصا في مواضيع المصاهرة والزواج" يقول شعبان.
  • 16x9 Image

    محمد أسعدي

    حصل محمد أسعدي على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. اشتغل صحافيا بجرائد كبيرة في المغرب مثل أخبار اليوم والعلم، وصحافيا بقسم التحقيقات بجريدة المساء واسعة الانتشار. كما اشتغل في الراديو وعمل مراسلا لمجموعة من المؤسسات الإعلامية الدولية منها الدوتشيه فيليه الألمانية.

    قبل أن يلتحق بموقعي قناة "الحرة" و"راديو سوا" في واشنطن، شارك أسعدي في العديد من الدورات التدريبية حول الإعلام الجديد داخل المغرب وخارجه، وحصل على شهادة الامتياز من الشبكة الألمانية الدوتشيه فيليه في مدينة بون الألمانية.

XS
SM
MD
LG