Accessibility links

ليبيا تغرق في الفوضى


سماء ليبيا ملبدة بغيوم المعارك

سماء ليبيا ملبدة بغيوم المعارك

"حمل السلاح هو الضمان للاحتفاظ بالقوة في ليبيا" من قبل الميليشيات التي أسهمت في إسقاط معمر القذافي. لكن الميليشيات تسهم اليوم في انهيار الدولة بعد تفردها بالقوة المسلحة. فهذه جلسة مجلس النواب الليبي الجديد تُعقد خارج قاعات المجلس ، في أحد فنادق مدينة طبرق التي تقع على بعد ألف وخمسمائة كلم شرق العاصمة وفي أجواء ملبدة بغيوم المعارك وصخبها .

فمازالت غيمة من الدخان الأسود سماء العاصمة الليبية طرابلس، مصدرها الحريق الهائل الذي شب في خزان للوقود في مستودع كبير بالقرب من المطار. وفقد رجال الإطفاء السيطرة على الحريق الذي نشب في المستودع الواقع على طريق المطار في العاصمة الليبية طرابلس بسبب الاشتباكات الدائرة بالمنطقة منذ أسابيع. الخزان المحترق يحتوي على تسعين مليون لتر من البنزين. هذا اضافة إلى معارك اندلعت في محيط مطار طرابلس اثر هجوم شنه مقاتلون إسلاميون وثوار سابقون من مدينة مصراته يحاولون طرد رفاق السلاح سابقا الذين جاؤوا من الزنتان في إطار صراع من أجل ترسيخ نفوذ سياسي ومناطقي.

أما في بنغازي فقد قتل ستة وثلاثون شخصا على الأقل بينهم الكثير من المدنيين في اشتباكات بين القوات الخاصة الليبية وميليشيات مسلحة طيلة الأسبوع المنصرم .

وهكذا سقطت ليبيا خلال الأسبوعين الماضيين فريسة لأسوأ أعمال عنف فيها منذ ثورة السابع عشر من فبراير عام ألفين واحد عشر التي أطاحت بمعمر القذافي مما دفع الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى إجلاء دبلوماسييها عن طريق البر إلى تونس مصحوبة بحماية طائرات الإف ستة عشر كما سحبت ألمانيا ودول أوروبية أخرى دبلوماسييها.

المحامي والناشط السياسي الليبي فتحي تربل الذي كانت قصة دفاعه عن معتقلي سجن بوسليم الليبي احدى أهم شرارات الثورة الليبية ، يرى أن ليبيا تغرق في الفوضى. فالدولة لا يمكنها الحفاظ على أمنها الداخلي ولا حدودها الخارجية، وهي من الواجبات الأساسية لبقاء أي دولة على قيد الحياة. لكنه يُعزي ذلك إلى حالة ليبيا ابان حكم معمر القذافي .

التطورات الحالية والخلافات السياسية العميقة التي يتحدث عنها تربل زادت من إضعاف المؤسسات الديمقراطية، خاصة وأن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية في أواخر يونيو، لم تتجاوز العشرين في المائة. بالإضافة إلى اتهامات بتزوير الانتخابات.

وتعبر سلوى الدغليلي عضو المجلس عن تخوفها من ضعف نفوذ النواب الجدد وعدم قدرتهم على تغيير الوضع في البلاد، في ظل استمرار تحكم الميليشيات المتناحرة في الأوضاع السياسية والأمنية.

وهو ما يؤكده رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والخبير في الشؤون الليبية، الذي يقول بأن السلطة الحقيقية في يد قادة الميليشيات ، وأن العديد من قادة الميليشيات وعلى رأسهم، اللواء السابق خليفة حفتر أو قادة الحركات الإسلامية المتشددة كأنصار الشريعة ليس لديهم مصلحة في التوصل إلى حل سلمي، مشيرا إلى أن هذه القوى لا تؤمن بالحوار وتقاسم السلطة. بل يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة عسكريا على كل شيء.

أما زياد عقل الخبير في الشؤون الليبية في مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فيقول إنه وبجانب الفشل المؤسسي للدولة الليبية الجديدة فإن المجتمع الدولي والغربي يتحمل جزءا من المسؤولية عن الوضع الحالي، لأن الغرب لم يفي بقراراته بشأن إعادة إعمار البلاد وفشل أيضا في نزع سلاح الميليشيات ويشير عقل إلى وجود ظهير سياسي لهذه الميليشيات المسلحة .

ويقول المحامي والناشط السياسي الليبي فتحي تربل ، إنه بعد دعم قوى المعارضة في الإطاحة بنظام معمر القذافي ، تخلت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي عن دعم ليبيا بشكل تدريجي، ولم تولي اهتماما للمرحلة الأكثر دقة وصعوبة ، وهي مرحلة ارساء الأمن وحماية الدولة الناشئة .

والنتيجة حسب سلوى الدغيلي عضو مجلس النواب الجديد، هي تدهور الوضع، حتى أصبح أعضاء البرلمان المنتخب غير قادرين على عقد اجتماع في العاصمة طرابلس، خوفا على حياتهم. وهو ما يؤكد على ضعف الدولة ومؤسساتها، التي لم تعد قادرة حتى على حماية نخبها السياسية.

ويُجمع ضيوف حلقتنا على أن ليبيا غدت بمثابة "مريض في وحدة العناية المركزة" ، فالسياسة العسكرية التي تزداد تعقيداً، وتتمحور حول الصراع الذي يرمي إلى تحديد طبيعة القوات المسلحة الممزّقة والسيطرة عليها، هي التي أوصلت العملية الانتقالية في ليبيا إلى نقطة الانهيار، مع إخفاق السلطات الانتقالية في نزع سلاح و تسريح المليشيات الثورية القوية المتعددة أو دمجها في القوات المسلحة الوطنية، و في خلق فرص العمل و توفير الأمن و إنفاذ القانون بالسبل غير العسكرية.

ولا يرى رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والخبير في الشؤون الليبية ، ثمة طريق لإرساء الاستقرار في ليبيا إلا عبر تدخل دولي جديد بأهداف واضحة ومن خلال قرار أممي جديد .

ويتوقع زياد عقل الخبير في الشؤون الليبية في مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن تنخفض صادرات ليبيا من البترول خلال الأيام القليلة المقبلة ، وهو ما سيستوجب بحسب عقل تحركا غربيا محتملا إزاء الوضع في ليبيا .

وثمة دول اخرى مجاورة لليبيا قد تتأثر بشكل مباشر بتلك الفوضى المسلحة التي تعيشها ، فالحدود الليبية المصرية والليبية التونسية ، تعانى من فوضى هي الأخرى ، وتتخوف الدولتان من تسرب محتمل لتجارة السلاح إليهما . تخوف عبر عنه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ، ما دعا البعض إلى التكهن باحتمالات تدخل عسكري مصري في ليبيا . رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والخبير في الشؤون الليبية

وأمام ذلك التدخل الدولي المحتمل ، لا ترى سلوى الدغيلي عضو مجلس النواب الجديد بُداً من التوافق الوطني بين القوى السياسية الليبية حتى مع غياب الميليشيات وتحييدها .

وفيما لا ينفي المحامي والناشط السياسي الليبي فتحي تربل لعب اطراف اقليمية دورا فيما يجري في ليبيا ، يقول إن على الليبيين أن يكون لهم مشروع وطني يتمحور حول بناء مؤسسات الدولة .

وكذا يرى رياض الصيداوي مدير المركز العربي للدراسات السياسية والخبير في الشؤون الليبية الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا على أنها أزمة مشروع وطني ، فحتى مع التدخل الدولي تبقى الاختلافات بين الشرق والغرب الليبي على أساس اقتصادي قائمة .

ثلاثة أعوام مرت على الثورة الليبية عاشت فيها ليبيا اثار ضعف وتفكّك هيئات الإدارة المدنية في البلاد ، لتصبح السياسة العسكرية أساسا لحسم الخلافات حول توزيع السلطة والثروة، فيما يستمر الجمود السياسي بين رحى صراع الليبراليين والاسلاميين عاجزا عن إنهاء الإرث القبلي لعهد القذافي. فهل تنهي المعضلة الأمنية إذا ما حلت مشاكل ليبيا المزمنة أم تتكشف عن صراع سياسي أشد ضراوة يضع ليبيا في خضم أزمة جديدة تضاعف سنوات انتقالها وتعطل بناء مؤسساتها ديمقراطيا ؟

XS
SM
MD
LG