Accessibility links

على هدي 'النهضة'.. هل تخلع الأحزاب الإسلامية عباءة الدين؟


زعيم النهضة راشد الغنوشي ونائب الرئيس عبد الفتاح مورو في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الأخير للحزب.

زعيم النهضة راشد الغنوشي ونائب الرئيس عبد الفتاح مورو في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الأخير للحزب.

أرَّخ مساء الـ20 من الشهر الجاري تحولا "مصيريا" في مسار حركة النهضة التونسية ذات المرجعية الإسلامية، إذ أعلن زعيمها راشد الغنوشي "تخليها" على الجانب الدعوي وتحولها إلى حزب مدني.

ورغم الترحيب الواسع الذي حظي به هذا التحول، لم يطغ تصفيق الحاضرين على أصوات شددت على أن يكون التخلي عن الدين "قلبا لا قالبا"، حسب تعبير رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي حضر افتتاح المؤتمر العاشر للحركة في ضاحية رادس جنوب العاصمة تونس.

وفي الوقت الذي أشار فيه محللون سياسيون تحدثوا لموقع "راديو سوا" إلى وجود "إكراهات" خارجية وداخلية أجبرت حركة النهضة على هذه الخطوة، تُطرح أسئلة ملحة حول ما إذا كانت الأحزاب الأخرى ذات المرجعية الإسلامية في الدول العربية مستعدة للقيام بخطوة مماثلة لما قامت به النهضة، أم أن الحركة التونسية ستبقى "استثناء" يثبت قاعدة تمسك الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية بنهجها الذي يمزج الديني بما هو سياسي؟.

التدرج نحو إعلان رادس

حين أطاحت ثورة الياسمين نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كان الخيار الذي صوت من أجله التونسيون في الانتخابات هو حركة النهضة، ما جعلها القوة الأولى في البرلمان بعد انتخابات 2011.

لكن الحركة لم تشكل حكومة بمفردها، بل شكلت ترويكا مع حزبين آخرين ينتميان لما يسمى اليسار المعتدل. وفي وقت لاحق قبلت الحركة أو اضطرت للتخلي عن الحكومة المتحزبة، وتشكيل حكومة تكنوقراط.

وعكس حركة الإخوان المسلمين في مصر التي تتهم بأنها أرادت الاستئثار بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، أظهرت النهضة مرونة في التعامل مع مكونات حزبية تختلف عنها آيدولوجيا، رغم أنها كانت في صراع دائم مع حزب "نداء تونس" الذي أسسه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

وسيكون "نداء تونس" هو الحزب الذي يهزم النهضة في الانتخابات التشريعية التي جرت في تشرين الثاني/ اكتوبر 2014، لكنها الآن تمثل القوة الثانية في البرلمان وتشارك في حكومة رئيس الوزراء الحبيب الصيد.

فما الذي يدفع الحركة إلى هذا التحول رغم أنها فازت في انتخابات 2011، وحلت ثانيا في انتخابات 2014، وكانت حينها محافظة على شكلها التقليدي الذي يمزج الدين بالسياسة؟

تقول عضوة مجلس نواب الشعب (البرلمان) عن حركة النهضة محرزية العبيدي إن "المراجعة التي قمنا بها لا تعني التخلي عن الدين بشكل نهائي".

وتوضح العبيدي في حديث مع موقع "راديو سوا" أن "ما نقصده هو إقامة تمايز بين الجانب الديني الذي نريد تركه للمجتمع، والجانب السياسي الذي نريد كحزب أن نركز عليه أكثر، وطبعا ذلك مع التمسك بمرجعتينا الإسلامية التي نريدها أن تكون متوافقة مع القيم الإنسانية الكونية".

وعشية مؤتمر رادس صرح الغنوشي أنه لم يعد في تونس "ما يبرر" وجود حزب إسلامي.

وأكد الغنوشي في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر العاشر للحركة أن النهضة كانت في البداية "حركة عقدية"، لكنها تحولت إلى "حركة احتجاجية شاملة في مواجهة نظام شمولي دكتاتوري، ثم إلى حزب ديموقراطي وطني متفرغ للعمل السياسي بمرجعية وطنية تنهل من قيم الإسلام".

وبالطبع كان للنشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي موقف متباينة من "تحول" حركة النهضة.

وتشدد النائبة العبيدي على أن " القيم الإسلامية مع القيم الحداثية مازالت مرجعتينا".

ويري المحلل السياسي التونسي منذر ثابت أن "تخلي" النهضة عن الجانب الديني هو " تفاعل مع إكراهات التحولات الإقليمية والدولية لسقوط الإخوان المسلمين من الحكم في مصر واهتزاز النموذج التركي مع دخول أنقرة في خلافات مع عدد من الدول".

ويضيف ثابت أن السياق الداخلي الذي فرض هذا التحول يعود إلى "هزيمة النهضة في الانتخابات الأخيرة".

ويعتقد ثابت أنه "تحول تكتيكي يستجيب لطبيعة الحركة، وهو يعكس تغلب الجناح البراغماتي حتى لا نقول الليبرالي على الجناح المحافظ".

ماذا عن الأحزاب الإسلامية الأخرى؟

ليست المنطقة العربية وحدها التي عرفت ظهور أحزاب ذات مرجعية دينية، بل إن الظاهرة ذاتها كانت موجودة في أوروبا خلال القرن الـ19، لكن التحولات التي عرفتها القارة جلعت تلك الأحزاب تختفي أو تنفصل عن مرجعيتها الدينية، مفسحة المجال أمام الأحزاب التي ترفض المزج بين الدين والسياسة.

فهل تكون حركة النهضة بداية لإعادة التجربة الأوروبية مع الأحزاب الدينية، وبالتالي نرى الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية في دول عربية أخرى تخلع عباءة الدين أو تبقيها على الأقل جزءا من المرجعية وليس الممارسة؟

يعتقد ثابت أن إقدام الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية على ما قامت به النهضة، قد يكون "مجازفة" سياسية، لأن تلك الأحزاب استندت على الدين عند تأسيسها، وتخليها عنه قد يجعلها "أحزابا من دون هوية".

ويرى القيادي في حزب العدالة والتنمية المغربي عبد العزيز أفتاتي أن "من الطبيعي أن تشهد الأحزاب الإسلامية مثل ما شهدته حركة النهضة"، معتبرا أن ذلك جزء من "مسيرة التطور" التي تعرفها الأحزاب.

وبينما تحضر الأحزاب الإسلامية بقوة في المشهد السياسي لبعض الدول العربية، فإنها غائبة أو محظورة في دول أخرى.

ويشكل الإسلاميون (حزب العدالة والتنمية) القوة الأولى في البرلمان المغربي، ويقودون ائتلافا حكوميا منذ سنة 2011، أما في موريتانيا فيشكل حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) القوة الثانية في برلمان البلاد، لكنه لا يشارك في حكومة رئيس الوزراء يحي ولد حدمين.

وفي الأردن، جماعة الإخوان المسلمين ليست ممثلة في البرلمان لأنها قاطعت الانتخابات، وعرف هذا التيار السياسي عددا من الانشقاقات بالتزامن مع إقفال مكاتبهم في البلاد.

ويقول الكاتب المختص في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية في تصريح سابق لموقع قناة "الحرة" إن الدولة الأردنية تتبع "استراتيجية التفكيك" في تعاملها مع جماعة الإخوان المسلمين.

أما في مصر، فإن الجماعة مصنفة "إرهابية" وغائبة عن المشهد السياسي منذ إطاحة الرئيس المنتمي إليها محمد مرسي صيف 2013.

  • 16x9 Image

    عنفار ولد سيدي الجاش

    عنفار ولد سيدي الجاش صحافي في القسم الرقمي التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN والذي يشرف على موقعي «راديو سوا» وقناة «الحرة». حصل عنفار ولد سيدي الجاش على شهادة البكالوريوس من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط ودرس الماجستير المتخصص في الترجمة والتواصل والصحافة بمدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة.

    عمل عنفار كمحرر ومقدم أخبار بإذاعة البحر الأبيض المتوسط الدولية (ميدي1) في مدينة طنجة المغربية، ومبعوثا خاصا للإذاعة لتغطية الانتخابات الرئاسية في موريتانيا سنة 2014. واشتغل صحافيا متعاونا مع وكالة أنباء الأخبار المستقلة، ومعد تقارير في إذاعة موريتانيا. نشرت له العديد من المقالات في الصحافة الموريتانية حول قضايا الإعلام والمجتمع.

XS
SM
MD
LG