Accessibility links

logo-print

لماذا يتحول الشباب المسلم في الغرب لقنابل موقوتة في يد المتطرفين؟


قوات التدخل الفرنسية تعتقل عضوا في إحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة

قوات التدخل الفرنسية تعتقل عضوا في إحدى الجماعات الإسلامية المتطرفة

ما الذي حدث؟ من أين جاء بالفكرة؟ ومن قدم له المساعدة؟ أسئلة تتكرر كل مرة سواء في أوروبا أو في أميركا حينما يقوم شاب مسلم بتنفيذ عملية إرهابية على أرض الدولة التي تحتضنه. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وحتى بلجيكا، أصبحت الحركات الإسلامية المتشددة تستهدف الشباب المسلمين من أجل استقطابهم وتجنيدهم، فهل هم هدف سهل إلى هذا الحد؟

عوامل كثيرة ومتداخلة، حسب الباحثين، تدفع الشباب على التطرف، ورغم أن اغلب منفذي الاعتداءات الإرهابية لا علاقة لهم بالتدين، فإنهم ينفذونها نتيجة دوافع نفسية مرتبطة بالهوية وأخرى اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالبطالة والعنصرية أحيانا، وأيضا استجابة لفتاوى القتل ودعاوى التطرف المنتشرة في الانترنت.

الخيال يصبح واقعا

أصدر الكاتب الباكستاني محسن حميد عام 2007 رواية مثيرة للجدل أطلق عليها "المتطرف رغما عنه" يحكي فيها قصة شاب أميركي من أصل باكستاني، تخرج من جامعة "برينستون" المحترمة، ويعمل في شركة معروفة متخصصة في الاستشارات.

تشنغيز حقق حلمه الأميركي، وله صديقة تمثل نموذجا للجمال الأميركي وحتى الثروة والنجاح، فماذا يريد أكثر؟ كانت حياته تتلخص في هذه التفاصيل لكنها انقلبت فجأة لتتحول إلى هروب دائم بعد سبتمبر/ أيلول 2001، حيث انقلبت حياته تماما بعد تورطه في أعمال إرهابية ليغادر حلمه الأميركي ويعود إلى الأصل ويتحول إلى هارب في لاهور بباكستان.

أحداث رواية حميد الخيالية تحولت إلى حقيقة، ففي سنة 2010 وجد فيصل شاهزاد نفسه في زنزانة ضيقة في مبنى مكتب التحقيقات الفدرالية بتهمة الإرهاب ومحاولة استخدام أسلحة دمار شامل، وهي التهمة التي من الممكن أن تجعله يمضي حياته كلها وراء القضبان. ماذا فعل حتى يستحق هذا المصير الأسود؟ الشاب الأميركي ذو الأصول الباكستانية حاول استهداف ساحة "تايمز سكوير" بواسطة قنبلة محلية الصنع وضعت في سيارة ليتم توقيفه بسهولة عن طريق الأدلة الكثيرة التي وراءه ليستحق لقب "أفشل إرهابي في العالم".

سنة قبلها وبالضبط يوم 17 أبريل/نيسان 2009، كان يوما مميزا في حياة فيصل شاهزاد، إذ كان يعيش حياة أي شاب غربي، بل وبعيد كل البعد عن الدين وأقرب إلى الانحراف، وأيضا كان يستعد لأداء قسم الجنسية في إحدى الولايات الأميركية ليحقق حلمه. سيحصل على الجنسية الأميركية ويصبح مواطنا أميركيا حقيقا، له نفس الحقوق والواجبات مع كل الذين ولدوا في أميركا، باستثناء أن يصبح رئيسا، لكن الحلم سرقته الجماعات المتطرفة التي غسلت دماغ فيصل ودربته في باكستان ليفجر ويقتل الأبرياء.

نفس الحكاية تتكرر كل مرة، الشابان الشيشانيان اللذان نفذا تفجيرات بوسطن وقتلا ثلاثة أبرياء و170 جريحا، بعضهم أصيب بإعاقات دائمة، كانا مندمجين بشكل كامل في المجتمع الأميركي، على الأقل ظاهريا، لكل منهما صديقة ويقصدان الحانات والملاهي ويعيشان كأي شاب غربي، وفجأة قررا الجهاد.

يحصل مع هؤلاء الشباب أن تتصارع هويتان فتنتصر واحدة على الأخرى، الإسلامية الشرقية على المسيحية أو اليهودية الغربية، وهذا ما يسبب آلاما وإحساسا عارما بالإحباط والإفلاس
​في أوروبا حصلت أيضا حكايات مشابهة تقترب من رواية "المتطرف رغما عنه"، ففي فرنسا قام محمد مراح في مارس/ آذار2012 بقتل مظلي شاب في تولوز جنوب غرب فرنسا بعد استدراجه إلى كمين، وفي 15 من الشهر ذاته أطلق النار على ثلاثة مظليين آخرين بالبذلة العسكرية، وبعد أربعة أيام قام بدم بارد بقتل أستاذ وثلاثة أطفال يهود في مدرسة "عوزار هاتورا" في نفس المدينة.

مراح، الذي كان مشهورا كمجرم أكثر منه كمتدين بسبب تعاطيه للمخدرات وإدمانه للكحول وارتكاب سرقات عبر التهديد بالسلاح، كان يصور كل "عملياته" بواسطة كاميرا مثبتة على صدره، ليصبح دليلا على أن خطر العنف قد يأتي من شبان ولدوا في الغرب لكنهم لا يؤمنون بقيمه بالضرورة، بل قد يحاربونها.

"صراع الهويات"

كيف يتحول الحلم إلى كره ثم عنف فيما بعد؟ محسن حميد أجاب عن هذا السؤال بالقول إن أغلب هؤلاء الشباب أمضوا جزءا من حياتهم في الغرب، بل منهم من ولد هناك، وبالتالي فإن هوياتهم "الهجينة" هي سبب مشاكلهم.

الكاتب الباكستاني أضاف ليومية "لوفيغارو" الفرنسية، أنه يحصل مع هؤلاء الشباب أن تتصارع هويتان فتنتصر واحدة على الأخرى، الإسلامية الشرقية على المسيحية أو اليهودية الغربية، وهذا ما يسبب آلاما وإحساسا عارما بالإحباط والإفلاس وتكون النتيجة هي الخروج عن المجتمع والانعزال، ويصبح الحل أمران أحلاهما مر كما يقال: الغرق في إدمان المخدرات أو الكحول، أو الهروب إلى الإيديولوجيات المتطرفة التي تشرعن الانتقام من الآخر لأنه "غزا العراق، وقصف أفغانستان، وحرم الفلسطينيين من أراضيهم"، والانتقام يتجلى في العنف والتفجير.

صراع الهويات يؤكده الإعلامي نبيل دريوش الذي درس وعمل في إسبانيا، إذ يصرح لموقع "راديو سوا" أنه في الغرب تطرح مسألة الهوية بشكل أكبر بالنسبة للشاب المسلم الذي يحس بنفسه مختلفا عن الغربي، خصوصا مع "الفشل الذريع لسياسة الاندماج في مختلف الدول الغربية".

هذا الإحساس بالهوية، حسب دريوش، تستغله الحركات الإسلامية التي تحاول أن تخلق للشاب نقاطا تجعله "يشعر بالتميز في حياته كمسلم عن الإنسان الغربي، وقد يصل الأمر في حالات متطرفة إلى احتقار وتكفير هذا الغرب، وهذا الأمر لا يحتاج إلى إيمان عميق بقدر ما يحتاج إلى نقص في الشعور بالهوية، يحاول من خلاله تحقيق ذاته في مجتمع يراه مختلفا عنه ولا يقبل بسهولة أن يكون جزءا منه".

هشاشة اجتماعية واقتصادية

مشاكل الهوية يضيف إليها علي الأحمد، مدير معهد دراسات الخليج بواشنطن، أسبابا أخرى ذات طابع اجتماعي واقتصادي، ففي نظره، فإن الجو العائلي الذي ينشأ فيه أغلب الشباب الذين لجؤوا للعنف والتطرف الديني، كان تعيسا وغير مستقر، نظرا لغياب الأب أو الأم أو العائلة كلها في بلد آخر.

ويضيف الأحمد لموقع "راديو سوا" أن الشباب ينحرفون فيرتكبون جرائم عادية قد تتطور إلى "جريمة سياسية" ضد الغرب لأنه يحمله مسؤولية فشله وعزلته.

العوامل النفسية تضاف إليها مشاكل اجتماعية، إذ يقول الصحافي فهمي لبيب المقيم في بلجيكا، لموقع "راديو سوا" إن الشباب في هذا البلد يعيشون مشاكل اجتماعية حقيقية كانعدام الشغل والبطالة خاصة مع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها أوروبا، وهو ما يدفع بهؤلاء الشباب إلى البحث عن منفذ.

المنفذ، حسب لبيب، يجدونه في أقرب مكان إليهم، أي الساحة أمام المنزل حيث "يوجد دائما من يدعو هؤلاء الشباب إلى العودة إلى أصولهم ودينهم وهويتهم، قبل أن تتم دعوتهم إلى تكوين يجعل منهم أشخاصا بهوية فخورون بأنهم مسلمون، وهذا التكوين يكون في أغلب الأحيان في باكستان أو أفغانستان ليتحولوا بعدها إلى قنابل جاهزة للانفجار في سورية أو حتى في بلدانهم الأصلية".

الشباب ينحرفون فيرتكبون جرائم عادية قد تتطور إلى "جريمة سياسية" ضد الغرب لأنه يحمله مسؤولية فشله وعزلته.
أما محمد هجاج، الألماني من أصل عربي وعضو المجلس المركزي للمسلمين، فيعتقد أن بعض الشباب ممن لم ينجحوا في الدراسة أو العمل يرجعون السبب لعدم تقبل المجتمع الألماني لدينهم، أو عدم قبوله لأن يربي لحيته أو أن ترتدي الشابات الحجاب، وأن ذلك هو السبب في عدم حصوله على وظيفة.
ويعتبر هجاج في تصريح لـ"دوتشي فيله" أن القانون الألماني يكفل حرية الأديان والعدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، ويوضح قائلا "إن المسلم الذي يفقد عمله مثلا، يحصل على معونة البطالة مثله مثل أي مواطن ألماني"، لكن بعض الشباب المسلمين ينسون كل هذا ويظل اعتقادهم راسخا أنهم محاربون وضحايا.

فتاوى القتل المنتشرة في المنتديات

هوية هجينة ومشاكل نفسية واجتماعية وأزمات اقتصادية هذا هو الديناميت، بقيت مسألة واحدة هي بمثابة عود الكبريت: فتاوى القتل المنتشرة في الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الشيوخ.

هؤلاء الشيوخ يصفهم علي الأحمد، بالـ"جاهلين" لأن أغلبيتهم لم يدرسوا أو يتعلموا وفق المناهج السليمة للعلم، ويضيف أن دراساتهم وعلومهم قائمة على التلقين الأعمى من كتب "بالية فارغة" من أي تقدم أو انفتاح، فتنعدم الكفاءة والجودة، حسب قوله.

كل ما يحتاج إليه الشباب ليقتلوا هي فتوى تقول "إن قتلك الآخر فضيلة لا جريمة" ومن يدفع الثمن هم "هؤلاء الشباب الصغار، فيما يقبض بعض الشيوخ أثمانا يومية".

انتشار هذه الفتاوى تعتبره الكاتبة بدرية البشر السبب الرئيسي في العنف الحاصل حول العالم والذي يرتكبه في بعض الأحيان مسلمون.

ولا تستغرب الكاتبة في عمودها على صفحات يومية "الحياة" اللندنية من أن "يخرج شابان يتمشيان في الطرقات وعلى ظهر أحدهما حقيبة، ثم يضعها وسط أناس لا يعرفهم، ولم يرتكبوا في حقه أي ذنب سوى أنهم وُجِدوا معه في المكان ذاته، وبعد أن تنفجر القنبلة يعود الشابان، يحضر الصغير درسه في الكلية والآخر يحضر حفلة. ولولا انكشاف صورهما ربما عاودا الكرَّة".

وأكدت البشر أن كل ما يحتاج إليه الشباب ليقتلوا هي فتوى تقول "إن قتلك الآخر فضيلة لا جريمة" ومن يدفع الثمن هم "هؤلاء الشباب الصغار، فيما يقبض بعض الشيوخ أثمانا يومية".

لتضيف أنه إذا كان المتطرفون العرب أو المسلمون يهاجمون أميركا لأنها حسبهم "تبيع السلاح من دون شرط في البقالات"، فإنهم أيضا يبيعون ما هو أشد وأمضى "فتاوى القتل".

وإضافة للفتاوى فـ"منتديات الجهاد" على الانترنت مليئة بالدعوات للعنف وقتال "الكفار" في بلدانهم، فأغلب الشباب الذين يتجهون لتنفيذ أعمال إرهابية في بلدانهم الغربية تأثروا بأفكار شيوخ العنف أمثال اليمني أنور العولقي الذي رغم جنسيته الأميركية والشهادات العليا التي حصل عليها من كبرى الجامعات الأميركية، إلا انه تحول إلى رمز من رموز فكر القاعدة الداعي إلى تجنيد الشباب من أجل الجهاد في "الغرب الكافر".

مع كل هذه العوامل مجتمعة تصبح رواية الكاتب الباكستاني محسن حميد عام 2007 "المتطرف رغما عنه" مجرد فصل واحد من فصول كتاب الخلاف بين الشرق والغرب، من الضحية ومن الجلاد؟ وهناك من يسعى لحل هذا الخلاف بالحوار وهناك من يلجأ إلى العنف والتقتيل.
  • 16x9 Image

    عز الدين الهادف

    حصل عزالدين الهادف على شهادة البكالوريوس في الصحافة من المعهد العالي للإعلام والاتصال بالعاصمة المغربية الرباط. اشتغل صحافيا بمجلة "نيشان" ثم رئيسا للتحرير ، وعمل مراسلا للعديد من المؤسسات الإعلامية العربية والدولية مثل "الشروق" التابعة لدار الخليج، و"الحياة" اللندنية في صفحة ميديا، وإذاعة هولندا العالمية قبل أن يلتحق بموقعي قناة "الحرة" و"راديو سوا" في واشنطن.
    شارك عزالدين الهادف في العديد من الدورات التدريبية حول الإعلام والتواصل، وفاز بجائزة المنظمة الهولندية "بريس ناو" لصحافة التحقيق.

XS
SM
MD
LG