Accessibility links

logo-print

إذا كانت هناك 38 كلمة للتعبير عن الحب في اللغة العربية، فلماذا تبدو أغاني الحب العربية بلهاء، مكررة، وغريبة عن الزمن الذي نعيشه؟

وهل من المفترض أن أشعر بالفخر، كعربي، عندما أقرأ هذه المعلومة في تغريدة لليونسكو؟

أعرف أن المعجم العربي ثقيل.. مستحاثة حجرية مطبوعة عليها ألسن البائدين الذين سكنوا الجزيرة.

أنا أسكن وراء "محيط الظلمات".

لاحظ: أسكن الآن.. الآن.. فعل مضارع. فعل مظلوم في المعجم، فهو فعل لا يستحق الحنين. فعل لا يحتفل بـ"السلف" كما يجب.

افهمني.

أنا أحب اللغة العربية. أتنفسها. لكنها هواء راكد ثقيل.

أحب اللغة العربية، وأكره "أولي أمرها". هؤلاء الأساتذة والمحررون وفقهاء اللسان. أقلامهم أقفال. واللغة حبيسة. وضعوها في جبيرة جبس. أجبروها على الانكفاء. ومنعوا عنها النسيم.

أما أنا؟

أنا لغتي!

وهذه بعض همومي اللغوية.

---

أضغط الأرقام الـ15 على شاشة النقال. أعطيه لابنتي "5 سنوات". تكون قد حدثتني عن شوقها لجدتها. ما أن تمسك الهاتف حتى تصمت.

- تحدثي يا بنتي.

- I don't know how to say that in Arabi

أحاول مرات. لا جدوى. أعرف أن ابنتي تعرف. جاءت إلى الولايات المتحدة منذ سنة ونصف السنة فقط. لماذا هي سعيدة بالكلمات القليلة التي تعرفها باللغة الإسبانية؟ لماذا يعاندها لسانها عندما تتحدث العربية؟

ولماذا تتحدث العربية؟

ضع نفسك مكانها، عزيزي القارئ. وتأمل: ماذا نقول عندما نتحدث العربية؟ مواضيعنا ناضحة بالهوس بالسلطة، بقواعد السلوك والتفكير، وبالهموم الوجودية.

أين الفرح في لغتنا؟ أين الدهشة؟ أين "الآن"؟ أين صيغة المستقبل؟

تكبرين كل يوم يا ابنتي، فهل تنمو معك اللغة؟

هل تكون صاحبة جيدة لك في الروضة والملعب وأفلام الكرتون؟

جربي، من أجل أبيك، جربي.

---

تفتح فمك وتشد خديك. تحاول أن تصنع الصوت. ترفع لسانك. تكوره. تقلص تجويف فمك قليلا ثم توسع مجرى الهواء.

درب هذا المزمار على اللغة الغريبة.

حاول أن تتنفسها.

لا يصدق أستاذك أذنيه.

"هذا أنت! لا تشبه نفسك!".

شهران مضيا وأنت موضوع التجربة. زميلتك في هذه الجامعة الأميركية اختارتك موضوعا لمشروعها في "تصحيح اللهجة ومخارج الحروف".

أقعدتك في هذه الغرفة الصغيرة ساعات طوالا وعلمتك أصوات اللغة الإنكليزية كما يتعلمها الأطفال.

قدم أفضل ما عندك الآن. لتنجح الزميلة وتتفوق.

ثم عد إلى "لغتك".

قل "أريد أن أشبه نفسي يا أستاذي".

إنكليزيتي عربية الأصوات والتراكيب. إنكليزيتي أداة اقتباس حضاري.

هي ليست "أنا"، لا أتحدث بها في أحلامي، وليست جزءا من هويتي.

ثم عد إلى وطنك. عد لتعري الحقيقة من حجاب الحب.

عد واكتشف أن الإنكليزية هنا ثروة صاحبها، فالوطن يعيش على استجداء المانحين ويحب أن يريحهم لغويا.

هنا، "الأرض بتتكلم عربي" في الأغاني فقط.

إذا كانت اللغة باب رزق، فالأرض الغريبة تبذل أكثر.

هاجر.

---

هكذا تبدأ الأشياء:

تسقط قطرة مطر على سقف من البلاستيك. الماء يعض البلاستيك دون أن يتمكن منه. كيف تصف الصوت؟

تركب نبتة برية على شجرة زيتون. تعتليها تماما. لن يصدق الكبار المشهد. كيف تصفه لهم؟

تقرأ في مكتبة المسجد أشياء غريبة. كيف تفهمها؟

يسحرك إيقاع الشعر. كيف تقلده؟

ثم تتعلم كيف تتحدث بتجميع التراكيب اللغوية كـ"قطع الليغو". تكتب بهذه الطريقة. لكنك تحس أنك تخون العالم.

أستاذ اللغة العربية سعيد جدا. أنت شاطر في كتابة مواضيع الإنشاء والإذاعة المدرسية.

تكذب على والدك. تسجل في كلية الآداب. تحاول أن تتخصص في اللغة العربية. تكره الأستاذ والمنهاج. تتخصص في الصحافة.

الصحافة لعبة ليغو لغوية كبيرة. وعاء ضخم من قطع الليغو. تحلم أن ترفسه إلى جهنم لكن تسهر بدأب شديد على استقراره.

أن تكون صحفيا عربيا يعني أن تكون محكوما بلغة بلاستيكية. يشكو زميل سوري: بلادي في نشرة الأخبار مختلفة تماما عن سورية التي أعرفها. يحاول أن يكتب. أقول له: ارفس وعاء الليغو.

هل يمكن لك أن تخلق وردة بقطعة ليغو؟ أن تصنع قنينة عطر؟

لذلك أحب مواقع التواصل والمدونات.

هناك الوردة وعطر الوردة.

---

من أنا؟

أنا سؤال الآخرين ولا جواب له!

أنا لغتي!

في اليوم العالمي للغة العربية، كل عام وأنتم بخير.

  • 16x9 Image

    عبد الرحيم عبد الله

    يعمل عبدالرحيم عبدالله صحفيا في القسم الرقمي التابع لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN والذي يشرف على موقعي "راديو سوا" وقناة "الحرة". درس عبدالله الصحافة في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وفي أميرسون كوليدج بالولايات المتحدة الأميركية، وعمل منذ 2003 محررا في صحيفة الحياة الجديدة الفلسطينية، ومستشارا ومدربا إعلاميا في عدد من المؤسسات والمشاريع الإعلامية الدولية والفلسطينية.

XS
SM
MD
LG