Accessibility links

​​​​فضل شاكر من 'أمير' الأغنية الرومانسية إلى 'جهادي' فار من العدالة


شاكر منشدا في احتفال سابق في لبنان

شاكر منشدا في احتفال سابق في لبنان



الصورة في الفيديو كليب وردية.
بحر حيناً، وسهل أخضر حيناً آخر، وشجر وسيارة رياضية حمراء مكشوفة السقف تجوب طرقات جبلية نظيفة في ربيع لبناني من الصعب منافسته في جماله.. وعاشقان مكتفيان أحدهما بالآخر، يغنيان ويتبادلان نظرات الهيام. يلتقطها من يدها ويركضان، ويغني لها بصوت شجي يذيب قلوب النساء. لا تغيب الإبتسامة عن وجه المغني في هذا العالم الرومانسي الذي وصلت ورديته، الخيالية، حتى إلى لون القميص الذي يرتديه فضل شاكر.
بالإبتسامة نفسها، سيظهر فضل شاكر في شريط مصور آخر قصير، بتسجيل رديء، في غرفة معتمة، بلا مخرج ولا ورود ولا إمرأة جميلة. فضل شاكر آخر، ملتحٍ ومحاط بذكور ملتحين، مفاخراً بأنه قتل شخصين.
الشريط الثاني حقيقي. ظهر فيه شاكر للمرة الأخيرة قبل أن يشن الجيش اللبناني عمليته الأمنية ضد الشيخ أحمد الأسير وأنصاره في صيدا جنوبي لبنان. اختفى الأسير، الشيخ السلفي المتشدد، ومعه اختفى شاكر الذي بات مطلوباً بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام بعدما قيل إنه اعترف في الشريط بأنه قتل جنديين من الجيش اللبناني، مع أنه لم يسم إنتماء الشخصين اللذين تحدث عنهما.
توارى فضل شاكر عن الأنظار، تاركاً الكثير من المقابلات والتسجيلات التي يبدو فيها ملتحياً تائباً، "بذيئاً مهدداً الآخرين من خصومه بالقتل".
الوجه الجديد الذي ظهر عليه شاكر حلّ فوق الوجه الهادئ المبتسم للمغني الخجول ذي الصوت الذي ما إن بدأ يُُسمع في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم حتى تقدم صاحبه بسرعة هائلة إلى الصفوف الأولى لنجوم الغناء العربي.
وإذا كان الملتحي حامل البندقية حقيقياً، فإن المغني بالقميص الحريري الوردي كان حقيقياً أيضاً. كان مشهوراً ومحبوباً وغنياً، يكاد لا ينقصه شيء. كيف يمكن رجلاً أن يكمل مثل هذا الإنقلاب التام؟ من حال إلى حال، فيصير طريداً؟ أو بسؤال آخر: لماذا فعل فضل شاكر بنفسه ما فعل؟
مشاعر كثيرة عالقة
قبل أن يعلن اعتزاله، كان فضل شاكر مقلاً بشدة في مقابلاته التلفزيونية. وحتى حين كان يقبل بأن يجري مقابلة، كان يغرق في خجل واضح، ويرتبك، ويجيب بأقل ما يمكن من كلمات. خجل عزز من الإنطباع الذي أخذ عنه بأنه رومانسي يشبه عذوبته في الغناء.
لكن فضل شاكر يشبه لبنان كثيراً. فالبلد الذي يمكن أن نراه جنة متوسطية خلاّبة تقتصر الحياة فيها على السهر والمتعة والغناء والسياحة، هو نفسه البلد الذي تعتمل فيه الخلافات الجذرية العميقة يختلط فيها السياسي بالمذهبي.
ابن صيدا لم يعش حياته في فقاعة. يروي أحد أصدقائه الصيداويين لموقع "راديو سوا" أن فضل شمندر، ابن العائلة الفقيرة التي كانت تقطن في منطقة بناء عشوائي تسمى "التعمير" ملاصقة لمخيم عين الحلوة الفلسطيني، أمضى وأخوته سنوات عمره الأولى في ميتم، لأن والده لم يكن قادراً على إعالة الأسرة.
هذا الطفل الذي لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، وجد نفسه في أولى سنوات مراهقته مغنياً في الحفلات المحلية في صيدا، المدينة ذات الغالبية السنية التي تقع بالقرب من الإمتداد الديموغرافي الشيعي جنوباً، والتي لطالما كانت خليطاً من لبنانيين سنة وشيعة اضافة إلى الفلسطينيين، ولم تغب عن التأثر بكل ما يجري في البلد، كما لم تغب عن التأثير به، وقد انطلقت منها شرارة الحرب الأهلية في العام 1975 بعد اغتيال أحد قادتها الناصريين معروف سعد.
مناصرة لفضل شاكر ترفع صورته

مناصرة لفضل شاكر ترفع صورته

فقر مدقع جعل فضل بلا طفولة، وجعل غناءه أقرب إلى عمالة الأطفال منه إلى الهواية والموهبة. الغناء، الذي سيصفه فضل في واحدة من مقابلاته بعد الإعتزال بتعبير "المصلحة"، وهو تعبير يستخدمه الحرفيون، كان طريق فضل للخروج بنفسه وبعائلته من الفقر. وهو الذي غنى في أكبر المهرجانات العربية، كان بدأ بالغناء على أسطح الأبنية في المخيم، لقاء "قروش" بحسب صديقه الذي فضل عدم الكشف عن هويته.
وفي وقت كان يلمع فيه اسم المغني ويجوب العالم، وتفتح له صالات الملوك والأمراء، كان شقيقه الكبير، محمد، يمشي في طريق التشدد في التدين والسلفية. ولم ينفصل فضل عن شقيقه وعن بيئته وعما يجري في محيط منطقته. لم يخرج من صيدا إلا ليغني ثم يعود إليها.
وفضل الذي تزوج زواجاً تقليدياً من شابة فلسطينية، في العشرينات من عمره، وقبل أن يصير مشهوراً، لم يعش، بحسب الصديق، حياة باذخة، ولم يتعاطى المخدرات، ولم يشرب الكحول إلا لماماً، ولم يستطع قط أن يحب عالم الفن على ما يسميه أصحابه.
بقي، هو المحافظ بطبعه، يشعر بأنه لا ينتمي إلى هذا المجتمع برمته، من العاملين فيه إلى من يعيشون ويستمتعون به. وظل فضل بحكم المجبر بهذا العالم، لأن فيه لقمة العيش، وصار في السنوات الاخيرة يذهب مكرهاً إلى حفلاته، ولا يطيق صبراً بانتظار انتهاء عمله. وفي خضم هذه الحياة، وجد وقتاً ليتعلم قراءة اللغة العربية والكتابة بها.
بقيت صيدا مجتمعه الأول. عالمه، وفيها، عُرف المغني الذي بات ميسوراً بكرمه وأخلاقه وتواضعه. لم يكن يوماً بعيدا عن التدين. ولا يحتاج المرء في لبنان إلى جهد كبير لتكوين صوره الخاصة، والتي غالباً ما تكون غير واقعية، عن الخلاف السني الشيعي، كما لا يحتاج إلى أخذ مواقف جذرية حول هذا الخلاف.
يقول مراقبون إن مواقف فضل من هذا الصراع بدأت تنمو ببطء لكن بثبات، خصوصا وأن تأثير الشقيق السلفي كان واضحاً بالطبع. وجاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005 ليفجر الصراع السياسي بين الطائفتين الرئيستين في لبنان، وليؤخذ فضل بالانفعالات التي تأخذ الأكثرية الساحقة من الناس في العادة.
هذا الصراع الطائفي العام سيأخذ بعداً شديد الشخصية في حياة فضل شاكر. ابنته الكبرى ستقع في غرام ابن عمته الشيعي. وفضل الذي كان على علاقة جيدة بابناء عمته سيقبل بخطبة ابنته من الشاب الشيعي. لكن الخلاف سيكبر لاحقاً ويصل إلى حد أن تهرب ابنته مع الشاب ويتزوجان بحسب المذهب الشيعي، ومن دون رضى فضل شاكر الذي سيصل به الأمر إلى اطلاق النار بالقرب من بيت شقيق زوج ابنته، ويمضي ليلة طويلة موقوفاً في السجن.
بقي فضل مصراً على استرداد ابنته من زوجها، حتى كان له ذلك في النهاية. عادت إلى منزل أبيها الذي راح يبحث عن الوسيلة الدينية لتطليقها من الزوج، فتعرف على داعية كان اسمه يلمع في منطقة صيدا بدروه واسمه الشيخ أحمد الأسير. الشابة تطلقت من زوجها الشيعي، وتزوجت ثانية وهاجرت إلى أوروبا، وبدأ فضل رحلته مع "شيخه وحبيبه" كما يسميه، وهي الرحلة التي نقلته إلى الجهة الأخرى من المرآة، حيث فضل شاكر، التائب، المسلّح الذي ما زال يبتسم طوال الوقت، ولا يجيد إكمال عبارة إلى نهايتها، لكنه يهدد بالقتل، ويطلق على الخصوم من الطائفة الأخرى نعوتاً وأسماء حيوانات.

مشاعر الحقد على الشيعة وعلى حزب الله أججها الشيخ الأسير وذهب بها وبفضل إلى أقصاها.. كما أن فضل رأى في النزاع السوري صراعاً سنياً شيعياً وراح يبني على هذه الرؤية للنزاع آراءه ومواقفه العنيفة.
وبينما وجد فضل شاكر سكينته الداخلية عند الشيخ، وجد الأسير في المقابل فرصة ثمينة في وقوف النجم المشهور إلى جانبه، يجذب كل الكاميرات إليه. هكذا، ترافق الرجلان على الدروب ولم يعودا يفترقان. ومعأً، فرّا إلى جهة مجهولة حين اتخذ الجيش القرار بالقضاء على "ظاهرة الأسير"، بعدما قتل عناصر تابعون للشيخ السلفي جنوداً تابعين له.

المغني التائب

المغني التائب

​والرجل الذي كان عنيفاً متطرفاً، ظل ودوداً ومهذباً بعيدا عن الكاميرا. مراسلة تلفزيون الجديد اللبناني يمنه فواز استطاعت التواصل معه في الفترة الأخيرة قبل اختفائه. الانطباع الذي تركه لديها هو أنه "بسيط" ومن السهولة بمكان أن يُجذب فكرياً من مكان إلى آخر. تقول إنه "ليس متمكناً من فكرته، ولا يجيد الدفاع عنها. كل ما في الأمر أنه كان مستمتعاً بالأهمية التي يضفيها عليه الشبان المسلحون الذين جمعهم حوله". ومع أنه بدا مفرطاً في الزهد أمام الكاميرا، فإن عينه بقيت تلمع حين يتذكر ماضيه الذي يدين فيه، مثلاً، لأغنية "يا غايب" التي غيّرت حياته الفنية. وكان يصغي باهتمام إلى النصائح البسيطة حول أية ألوان تليق به أمام الكاميرا.

البسيط، العادي، الذي يعرف كيف يغني ولا يعرف ماذا يقول. الرومانسي الذي صار سلفياً. كل هذا بات نقاشاً من الماضي. فضل شاكر هارب من وجه العدالة الآن، في فصل جديد من حكاية مذهلة. لم تنته حكاية فضل شاكر بعد. إلى ماذا ستؤول هذه القصة غير المألوفة؟ لا أحد يدري.

ليس لمحبيه إلا انتظار بطل الرواية وكاتبها وضحيتها في آن معاً. وقد كانت رواية خيالية في أجزاء كثيرة منها، وشديدة الواقعية والمأساوية في أجزاء أخرى، تماماً كما الحياة التي عاشها المغني، والتي لم يكن صوته الشجي الرائع كافياً لأن يجعلها حياة وردية سعيدة إلى الأبد.

شاهد شريط أغنية "يا غايب" الشهيرة لفضل شاكر:

  • 16x9 Image

    جهاد بزي

    صحافي لبناني خريج قسم الصحافة المكتوبة في كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة  اللبنانية. عمل في جريدتي "السفير" اليومية و"المدن" الإلكترونية وكتب في دوريات عدة قبل أن ينضم إلى MBN Digital وهو القسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN.

XS
SM
MD
LG