Accessibility links

logo-print

هذه هي أسباب انتشار التشدد الإسلامي في أوروبا


من داخل أحد المساجد في لندن

من داخل أحد المساجد في لندن

أعادت الهجمات التي وقعت في أوروبا خلال الأسابيع الماضية، قضية اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية وتوافق معتقداتهم مع مبادئ الديمقراطية، إلى السطح، لتصبح حديث العواصم الغربية، مهما حاول علماء الدين إعطاء نظرة مغايرة عن الإسلام ومعتنقيه.

فواقع الحال في الإعلام الغربي في معظمه، يشير دائما إلى ارتباط التشدد في أوروبا وغيرها من دول العالم، بالإسلام. وفي المقابل، تتهم دوائر ثقافية ودينية وسياسية إسلامية، حكومات أوروبا بتوفير بيئة مناسبة لانتشار الفكر المتشدد عبر سياساتها التي غالبا ما تهمش الجاليات الإسلامية والعربية، حسبما يقولون.

غالب بن الشيخ، رئيس المنتدى العالمي للأديان من أجل السلام، يرجع سبب انتشار التشدد في أوروبا إلى أمرين، يتمثل الأول في غياب أئمة ومشايخ ومؤسسات إسلامية كفوءة.

ويرى بن الشيخ الذي يقيم في فرنسا، أن المساجد أصبحت "تنشر الفكر الوهابي والسلفي المتشدد"، عوضا عن نشر فكر فقهاء مثل التوحيدي والأصمعي وغيرهما من العلماء الذين أسسوا للأنسنة في تاريخ البشرية، حسب قوله.

آثار إطلاق النار على المركز الثقافي في كوبنهاغن

آثار إطلاق النار على المركز الثقافي في كوبنهاغن

أما الأمر الثاني، فيكمن، والحديث هنا لبن الشيخ، في النسيج الاجتماعي غير المنسجم في ما يتعلق بالشريحة الإسلامية داخل المجتمع الأوروبي.

فالمجتمعات الأوروبية، كما يقول بن الشيخ في اتصال مع موقع "راديو سوا"، تعيش مشكلة النظرة النمطية للمسلمين "على أساس أنهم متخلفون وحاملو ذهنيات عدائية وعنيفة"، ما جعل الهوة تكبر بين الشريحة الإسلامية والمجتمعات الأوروبية داخل دول القارة.

عبد الرحمن دحمان، المستشار السابق للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي لشؤون المسلمين، يرى أن جذور التشدد في القارة الأوروبية لا ترتبط بالمسلمين فقط، مشيرا إلى اليمين المتطرف والنازية منتصف القرن الماضي.

منفذو الهجمات من دون إيمان، لا بالحياة ولا بمعتقدات الآخرين ويتخذون من الإسلام ذريعة لتنفيذ مخططاتهم

ويقول دحمان لموقع "راديو وسوا"، إن المرحلة التاريخية الحالية المتعلقة بالتشدد في أوروبا، ترتبط بمتطرفين يدعون الإسلام، ويتخذون من العنف وسيلة.

ويصف هؤلاء بأنهم من دون إيمان، لا بالحياة ولا بمعتقدات الآخرين، "ويتخذون من الإسلام ذريعة لتنفيذ مخططاتهم".

المسلمون بين المواطنة والهوية

وفي ظل تعدد التفسيرات لأسباب انتشار التشدد في المجتمعات الأوروبية، تبقى الأجيال المتعاقبة من المسلمين تعاني من مشاكل اجتماعية وأخرى مرتبطة بالهوية، وهو ما يقر به المسؤولون في أوروبا.

ويجد شباب الأجيال المتعاقبة من المهاجرين الذين ولدوا في أوروبا أنفسهم أمام معضلة الاندماج في المجتمعات الأوروبية التي تلقوا فيها تعليما يحرص على تلقين مبادئ الحرية والمساواة، والواقع الاجتماعي الذي يختلف عما كانوا يطمحون إليه، في بعض الأحيان.

وفي هذا الصدد يرى غالب بن الشيخ الذي يقدم برنامجا حول الإسلام في القناة الفرنسية العمومية الثانية، أن عدم قدرة المهاجرين من المسلمين على الاستفادة من كامل حقوق المواطنة في هذه الدول يعد أبرز عوامل انتشار التشدد.

فالظروف الاجتماعية والحالة المادية الصعبة، دفعت الكثير من المسلمين إلى التوجه إلى المساجد والمراكز الإسلامية، وبالتالي اعتماد خط متشدد نسبة إلى أن بعضا ممن يقومون على تلك المراكز، هم أصلا من المتشددين. ويقول بن الشيخ إن اعتماد هذا النهج المتشدد في الدين شكل خرقا لمبادئ التعايش السلمي الذي تقوم عليه المجتمعات الأوروبية، وجعل أمر اندماج هؤلاء في المجتمع أمرا صعبا.

الشرطة أمام أحد مساجد باريس

الشرطة أمام أحد مساجد باريس

ويتفق خافيير سولانا، الذي عمل ممثلا ساميا للسياسة والأمن الأوروبي بين 1999 و2009، مع ما جاء به بن الشيخ، قائلا "في أعقاب الهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو في باريس وإحباط هجوم آخر في بلجيكا، ينبغي لأوروبا أن تلقي نظرة فاحصة على نفسها. ويتعين عليها أن تدرك أن الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين عرضة لإغراءات المنظمات الإرهابية الآن، لأن المواطنة الأوروبية لم تترجم إلى اندماج اجتماعي واقتصادي حقيقي".

لكن عبد الرحمن دحمان لا يعتقد أن المشكلة الأساسية ترتبط باندماج المسلمين في المجتمعات الأوروبية. فبرأيه، قضية الاندماج تطرح "عندما يعجز الناس عن تفسير الظاهرة"، مشيرا إلى أن هناك أكثر من ستة ملايين مسلم في فرنسا وحدها، من بينهم أكثر من أربعة آلاف طبيب ومئات من رجال الشرطة ورجال ونساء يمارسون مختلف الوظائف والحرف بكل حرية في المجتمع.

دحمان يرفض إلقاء اللوم على قضية الاندماج أو عدمه، ويقول إن المشكلة تكمن في مرتكبي الأفعال المشينة والهجمات أنفسهم، وليس المجتمعات التي خرجوا منها.

فليس غريبا أن ترى شخصا ارتكب أعمالا إجرامية وقضى فترة في السجن، يقوم بعد انتهاء مدة حسبه، بعمل أكثر فظاعة، حسب المتحدث الذي أشار إلى محمد مراح والأخوين كواشي وأحمد كوليبالي الذين قضوا فترات في السجون بتهم إجرامية لا علاقة لها بالإسلام قبل أن ينفذوا أعمالا وهجمات اعتبرتها السلطات إرهابية.

بين نموذج الغرب والتدين

كشفت الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في السنوات الأخيرة، أن الذين يقفون وراءها كانوا في معظمهم من المراهقين المحسوبين على محيط الشباب غير المتدين، إضافة إلى أنهم من أصحاب السوابق الجنائية ودخلوا السجن بأسباب مختلفة منها المخدرات والسرقة.

النسيج الاجتماعي غير المنسجم في ما يتعلق بالشريحة الإسلامية داخل المجتمع الأوروبي، ساهم في لجوء بعض الشباب إلى التطرف، رغم أنهم نشأوا في مجتمعات منفتحة

وحسب غالب بن الشيخ، فإن النسيج الاجتماعي "غير المنسجم في ما يتعلق بالشريحة الإسلامية داخل المجتمع الأوروبي، ساهم في لجوء بعض الشباب إلى التطرف"، رغم أنهم نشأوا في مجتمعات منفتحة.

ويستثني بن الشيخ شريحة المسلمين من أصول عربية من الأثرياء، الذين لا يعانون، برأيه، من مشاكل اجتماعية، وبالتالي فإنهم غير معنيين بالتشدد، بما أنه لا يوجد من يسعى إلى استغلال ظروفهم وتجنيدهم.

وعلى العكس من ذلك، "هناك أغلبية ساحقة من العرب والمسلمين من المهمشين والفقراء" والذين يعانون من أزمة اقتصادية ونظرة عنصرية جعلتهم "فريسة" لبعض الدعاة الذين يضعون كل المشاكل في إطار إسلامي، ويعكفون على تلقين ضحاياهم دروسا "كلها ترهات وخزعبلات"، على حد تعبيره.

ما الحل؟

يعتبر عبد الرحمن دحمان الذي عمل مستشارا ساميا في شؤون التربية والتعليم في فرنسا، أن على المسلمين احترام المبادئ الفكرية والثقافية التي تقوم عليها الدول الأوروبية.

ويرى أن الأئمة والعائلات والمدرسة لا تستطيع وحدها أن تمنع التشدد لكون المشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى، مشيرا إلى أن هناك 3.5 مليون عاطل عن العمل في فرنسا، وليس هناك من جهة تتولى الاهتمام بشؤون الشباب وقضاياهم، ما يجعلهم عرضة للمجموعات المتشددة، فهم "ضحايا مجتمع يعيش أزمة اقتصادية خانقة".

أما غالب بن الشيخ فيرى أن حل مشكلة التشدد يجب أن يأتي من داخل الدائرة الإسلامية ذاتها، وخصوصا من المسؤولين ورؤساء الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، والعمل على استبعاد "الخطاب الجهادي واللعب على عقول الشباب من خلال الحديث عن الجنة والنار".

وبالنسبة لدور الحكومات الأوروبية، فهي الأخرى عليها أن تسعى، لأن "تكون وفية للقيم" التي تقوم عليها المجتمعات في تلك الدول، كالديمقراطية والمثل العليا للتعايش داخل المجتمعات الحرة، دون إقصاء أو تهميش ودون الاعتماد على الانتماءات العرقية والدينية.

وكانت دول أوروبية ومن بينها فرنسا التي يعيش فيها أكثر من ستة ملايين مسلم، قد اتخذت عدة إجراءات في مسعى للحد من ظاهرة التشدد، منها توقيع عقود مع دول إسلامية لإرسال أئمة بكفاءات وقدرات عالية تسمح لهم نشر تعاليم الدين الإسلامي بعيدا عن التطرف.

  • 16x9 Image

    محمد بوزانة

    حاصل على شهادة ليسانس في علوم الإعلام والإتصال من معهد الصحافة بجامعة الجزائر، إشتغل لمدة عشر سنوات في صحيفة الخبر الجزائرية، ومراسلا صحفيا من بورصة وول ستريت لقناة فرانس 24، إضافة إلى مراسل من الولايات المتحدة لإذاعة الجزائر الدولية.

XS
SM
MD
LG