Accessibility links

بعد نصف قرن... الغوسطو يلم شمل فنانين جزائريين مسلمين ويهود


منطقة القصبة في العاصمة الجزائرية

منطقة القصبة في العاصمة الجزائرية

بعد أن فرقت الظروف بين فنانين جزائريين مسلمين ويهود لعشرات السنين، جمعتهم الموسيقى مرة أخرى بفضل اهتمام وجهود شابة بدأت على وجه الصدفة من منطقة القصبة في العاصمة الجزائرية، ثم تحولت بعد ذلك إلى فيلم وثائقي يحمل عنوان El Gusto أو المزاج.

ويلقي الغوسطو الضوء على أداء مجموعة تضم رجالا فقط، تعنى بالموسيقى الشعبية الجزائرية التي تلقوا دروسا فيها عندما كانوا ملتحقين بمعهد الموسيقى في الجزائر العاصمة في أربعينيات القرن الماضي.

جنبا إلى جنب

وعلى مر العقود، عزف الأصدقاء اليهود والمسلمون الموسيقى مع بعضهم البعض وعاشوا جنبا إلى جنب في أحياء القصبة.

وقالت مخرجة الفيلم الجزائرية صافيناز بوصبيعة في لقاء مع إذاعة صوت أميركا إنه "سواء كنت يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، لم يكن الأمر مهما"، مضيفة أن "هؤلاء الرجال كانوا يمضون الوقت في كل تلك الحانات غير المرخصة ويسهرون طوال الليل مع أفارقة ومع أفارقة غربيين ومع كورسيكيين ومالطيين. كانت نقطة لقاء لجميع أنواع الناس".

وقالت بوصبيعة، التي ولدت في الجزائر وترعرعت في أوروبا، إن "الموسيقى الشعبية تشبه الجاز نوعا ما"، مضيفة أنها "تنبع من عدة تأثيرات، حيث تجد فيه الأندلسي والفلامينكو والإسباني، وفيه أيضا كثير من الإيقاعات الإفريقية والشرقية... إنه مزيج لكل هذه الأنواع مع كثير من الارتجال".

فراق بسبب الحرب

وفي منتصف خمسينيات القرن الماضي، دفعت حرب التحرير الجزائرية المجموعة إلى التشتت. وفيما فرّ أعضاء الفرقة اليهود إلى فرنسا، تفرّق المسلمون منهم في مختلف أنحاء الجزائر، ولم ير أي منهم الآخر على مدى السنوات الخمسين التالية.

وفي عام 2003 خلال زيارة لها إلى موطن أجدادها، التقت بوصبيعة أحد أولئك الموسيقيين في محله لبيع المرايا. وإلى جانب سلعته المعروضة، كان محمد فرقيوي يحتفظ بصوره القديمة فروى لها قصته مع رفاقه الموسيقيين وكيف فرق بينهم الزمن.

وقالت بوصبيعة التي تقيم في أيرلندا ولم تكن تعلم حينها الكثير عن موسيقى وطنها الأم، "لقد تأثرت بشكل كبير بقصة هذا الرجل وشغفه وأردت مساعدته في العثور على أصدقائه".

وأوضحت في لقاء مع الزميل خالد يوسف إنه "كان علي أولا أن أعرف أسماءهم الحقيقية لأنهم كانوا يطلقون على بعضهم أسماء مستعارة، وبمجرد الوصول إلى أسمائهم الحقيقية عرفت عناوينهم القديمة في القصبة، ومن أماكن إقامتهم القديمة سألت الجيران حتى وصلت في النهاية إلى كل واحد منهم".

وأضافت لـ"راديو سوا" "حظيت بفرصة رؤية جزائر مختلفة، لقد تنقلت مع هؤلاء الرجال على متن قوارب الصيد وجلست بين الموسيقيين وزرت المقاهي، إذا لم أُقْدم على تلك الخطوة لما كنت رأيت هذا الوجه المختلف للجزائر".

واستغرق بحث الشابة أكثر من عامين قبل أن تصل إلى الأصدقاء المفقودين، عبر البحث بشكل رئيسي في سجلات معهد الموسيقى، وبعدها بدأت في التحضير لحفل "لمّ شمل" في مدينة مرسيليا الفرنسية يعرف الآن بـ"الغوسطو".

وبعد رحلة لم شمل الأصدقاء الشاقة، خطرت على بوصبيعة فكرة تصوير فيلم وثائقي عن حياة أولئك الموسيقيين على الرغم من عدم توفرها على خبرة في مجال الإخراج.

الغوسطو

وفي ظل افتقارها للخبرة، قررت بوصبيعة وهي مهندسة معمارية، بيع منزلها ومجوهراتها من أجل تمويل مشروعها الذي أخذ تسع سنوات قبل أن يرى النور. إلا أنها أكدت أن التجربة كانت تستحق كل تلك التضحية.

وأضافت "بالنسبة لي، كان تعلّق الرجال، لقد سحرني الشغف الذي كان يملؤهم" خاصة إذا نظرنا إلى سنهم فأصغرهم كان في الـ72 من عمره وأكبرهم كان في الـ96 أو الـ97 من عمره.

وعلى الرغم من التحدي الذي شكله تقدمهم في العمر والمسافة التي فصلت بينهم، سافر الموسيقيون من الجزائر ومن مختلف مناطق فرنسا من أجل الاجتماع مع أصدقائهم القدماء.

وقالت بوصبيعة إن الحياة كانت قاسية على هؤلاء الرجال، ولهذا كان علي أن أظهر ذلك في الفيلم لكي يعلم الناس ما الذي عاناه هؤلاء الأشخاص".

ويبدأ الفيلم بمشاهد متنوعة لمنطقة القصبة التي يغلب عليها اللون الأبيض الذي زحفت عليه ألوان أخرى ناتجة عن تآكل بيوتها القديمة.

ويرصد الفيلم خلال تجول بوصبيعة في القصبة مشاهد بين ثنايا مجتمع المدينة وهو ما تصفه المخرجة بالوجه "المختلف" للجزائر. ومن أحد الأزقة وداخل متجر ضارب في القدم تلتقي واحدا من أعضاء فرقة محمد العنقا الذي أسس هذا اللون الشعبي من الموسيقى القرن الماضي.

وقالت "لم يكن باستطاعتنا الحديث عن ذلك اللون من الموسيقى دون الخوض في حياة أولئك الرجال"، مضيفة "كل ما فعلته أنني سردت قصص حياتهم، فهم عاشوا قبل الاستقلال فتحدثنا عن حياتهم قبل الاستقلال، كما تطرقنا إلى معايشتهم للثورة وكذلك حياتهم ما بعد الثورة وحتى اليوم".

وتابعت "إنها قصتهم وحياتهم، ورغم المعاناة التي قاسوها إلا أنهم لم يكونوا غاضبين عندما التئم شملهم بل كانوا سعداء".

وبينما قد يكون فيلم الغوسطو قد بدأ كحلم بالنسبة للأصدقاء، وفق المخرجة، أصبح في وقت ما حلمها هي نفسها.

واليوم فرقة الغوسطو تقوم بجولة أوروبية بيعت كل تذاكرها، كما أصدرت ألبومها الثالث، فيما يرتقب أن تنظم حفلا في الولايات المتحدة في المستقبل القريب.

وقالت بوصبيعة إنها تأمل في أن تستمر الغوسطو كفرقة للفن الشعبي، وأن يلهم فيلمها والموسيقى التي جمعت أولئك الرجال، الأجيال القادمة للحفاظ على الفن الشعبي.
XS
SM
MD
LG