Accessibility links

logo-print

مصريون يبدعون خلال حظر التجول: يعزفون ويرقصون حتى الصباح


غناء وعزف في غرفة مغلقة طوال ساعات حظر التجول

غناء وعزف في غرفة مغلقة طوال ساعات حظر التجول

محمد علي حريصي

ترفع هند صوتها العذب في بداية تأديتها لأغنية شعبية مصرية. وتصدح في أرجاء القاعة المتهالكة وسط القاهرة أصوت آلات لا تتوقف عن عزف موسيقاها إلا مع انقضاء فترة حظر التجول المفروض على البلاد.

ومن الساعة الحادية عشرة مساء موعد بدء حظر التجول وحتى السادسة صباحا تنشغل هند والفرقة في المركز المصري للثقافة والفنون "مكان" في شارع سعد زغلول بالغناء والعزف في إطار مشروع أطلق عليه اسم "موسيقى الحظر".

ويقول أحمد المغربي مدير ومؤسس المركز لوكالة الصحافة الفرنسية إن "المشروع بدأ من الإحساس بأن الناس والموسيقيين الذين يعملون في الليل يعيشون في حالة من الحظر على ما يحبون أكثر، وبالتالي كانت فكرة أن نستفيد من هذا الوقت".

جانب من "مكان"

جانب من "مكان"

ويضيف "نبدأ مع بدء سريان موعد الحظر، فنغلق الأبواب على أنفسنا ونستمتع بموسيقانا لساعات طويلة. وعندما نتعب نشاهد سوية فيلما على شاشة كبيرة قبل أن ننصرف جميعا ونغلق المكان مع انتهاء فترة الحظر".

وفرض حظر التجول في 14 أغسطس/آب في إطار حالة الطوارىء التي أعلنت في اليوم نفسه إثر أعمال العنف التي أعقبت تدخل قوات الأمن لفض إعتصامي أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في القاهرة.

ويرخي حظر التجول بصمت ثقيل على شوارع العاصمة التي عادة ما كان يضج ليلها بأصوات أبواق السيارات وصراخ الباعة وأنغام الموسيقى المتنقلة.

لكن هذا الحظر لا يدخل "مكان" وهو عبارة عن غرفة أرضية مفروشة بسجادات حمراء وتتوزع في أرجائها كراسٍ خشبية حمراء وسوداء وبعض أجهزة الراديو القديمة التي وضعت على رفوف استندت الى جدران تغيرت ألوانها بفعل قدمها.

وفي أول القاعة درج خشبي يقود نحو غرفة جلوس ضيقة في الأعلى تتوسطها كنبتان صغيرتان وضعت بينهما آلة طباعة قديمة وتعلوهما ثلاث خزنات خشبية وضعت فيها آلات موسيقية صغيرة.

وتقف هند التي ارتدت سروالا أزرق وحذاء رياضيا أبيض اللون وسط القاعة السفلى، وترفع يدها اليسرى إلى الأعلى وتغمض عينيها كلما علا صوتها وهي تردد جملة
"يا ما أسعدك يلي تصلي على النبي"، وخلفها ثمانية زوار يتابعونها بصمت وذهول.


مستمعون

مستمعون

وفي أخر القاعة جلست في الزاوية اليمنى ثلاث نساء حافيات ارتدين عباءات ملونة ووضعن مناديل سوداء على رؤوسهن، وقد حملن في أيديهن آلاتهن الموسيقية: دف وطبل ورق.

وإلى يسارهن جلس رجل يعزف على آلة القيثارة بينما تمركز ستة رجال آخرين إلى يمينهن وهم يعزفون على آلاتهم: الغيتار والعود والساكسوفون والناي المزدوج الذي يطلق المصريون عليه اسم الارغول.

ويقول أمين شاهين (30 عاما) الذي يعزف على الارغول "ما نقوم به هنا أفضل بكثير من الجلوس في المنزل وعدم فعل شيء فهنا نخرج الطاقة التي في داخلنا".

ويضيف "عادة ما أعود إلى بيتي في المنوفية بعيد انتهاء السهرة هنا عند الساعات الاولى من الصباح فأجد أولادي الخمسة يتناولون طعام الافطار لذا أفطر معهم ثم أخلد الى نوم طويل لا استيقظ منه قبل المغرب".

وبين الجمهور المؤلف من ثمانية أشخاص جلست جينا مقبل (31 عاما) تتابع بشغف الفرقة وهي تعزف مقطوعة موسيقية عنوانها "مش عارف". وقد حملت في يدها الة الغيتار.

استراحة" العازفة على الدف"

استراحة" العازفة على الدف"

وترى جينا أن "الحظر قلب حياتنا رأسا على عقب، إذ أننا تعودنا لسنوات طويلة على السهر وهو ما لم نفعله منذ مدة طويلة". وتضيف: "فكرة أن الناس في بيوتهم نائمون، ونحن هنا نستمتع بالموسيقى هو ما أغراني حتى قررت المشاركة هذا المساء".

وحضرت جينا إلى هذه السهرة برفقة صديقتها النيجيرية بيكي هاريت (35 عاما) التي تعمل في القاهرة منذ نحو ست سنوات مدرسة لطلاب يعانون من مشاكل في القراءة.

وتقول بيكي "جئت إلى هنا لأنني أحب الموسيقى. سأبقى حتى السادسة صباحا. أشعر بحماسة فائقة".

وبعد نحو ثلاث ساعات من العزف والغناء الذي تخللته نقاشات حول تعديل جمل موسيقية، أخذت الفرقة استراحة قصيرة تناولت خلالها الفول والفلافل، قبل أن يعود أعضاؤها للتمركز في امكانهم والعمل من جديد.

وعزفت الفرقة على التوالي ثلاث مقطوعات موسيقية وسط مشاركة متقطعة من هند بينها "الأخرس" التي تنتمي إلى موسيقى الزار الشعبية، وقد ألهبت حماس الحاضرين والعازفين معا.

ففيما كان المتفرجون يصفقون بحركة بطيئة من دون إصدار صوت كانت النساء الثلاث يتمايلن مع الموسيقى كلما علت أنغامها ويحركن أكتافهن ويدرن وجوههن يمينا ويسارا ويضربن على آلاتهن وهن يرددن كلمات أغنية شعبية.

وعند الساعة الثالثة والربع فجرا قررت الفرقة التوقف عن العزف فتوزع أعضاؤها في أرجاء المكان إلى جانب الحاضرين الذين استلقى معظمهم على الأرض قبل أن تطفأ الأنوار ويعرض على الحائط فيلم موسيقي يحمل عنوان "بركة".

وما أن حل الصباح وانتهت فترة الحظر حتى أنيرت القاعة من جديد، وانشغل الحاضرون في الغرفتين بالسلام على الآخرين وحمل أغراضهم والإستعداد للخروج إلى الشارع الذي كان قد بدأ يكتظ بالناس في أول أيام الإسبوع الجديد.

وقال أول المغادرين بعدما حيا الجميع "كل حظر وأنتم بخير".

(عن وكالة الصحافة الفرنسية)
XS
SM
MD
LG