Accessibility links

logo-print

"الخطر يدق باب مصر".. قلق إزاء الأوضاع الاقتصادية في أكبر البلدان العربية سكانا


الزحمة في القاهرة

الزحمة في القاهرة

زيد بنيامين

هشام فهمي رجل فارع الطول قليل الكلام يفضل المراقبة والتحليل من بعيد على حساب الحديث والتعليق على ما يجري حوله. إنها ميزة رجل أعمال يتحاشى بقدر الإمكان السياسة. لكن لا مفر. فالرجل يرأس الغرفة التجارية الأميركية في مصر، وها هو هنا في واشنطن يجلس إلى جانب ديفيد اغناشيوس، احد ابرز الكتاب الأميركيين في مجالي الأمن والسياسة حينما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.

يأخذ فهمي نفسا طويلا بينما يقول اغناشيوس "الخطر يدق باب مصر" في إشارة إلى التحديات الاقتصادية التي تنتظر أكبر بلد عربي من حيث السكان والإمكانيات. لا يجد فهمي مخرجا إلا بحبس أنفاسه والنظر إلى اغناشيوس وكأنه يبحث عن وصف دقيق لما يجري في مصر. ما هي لحظات حتى يرد بنفس المصري الفكاهي "الثعلب فات".

يضحك الجميع وهم ينظرون إلى اتجاهات مختلفة من الغرفة كمن يحاول الهروب من الواقع، لكن سرعان ما يصطدم الجميع بالحقيقة التي يختصرها اغناشيوس بالقول "الاحتياطات المالية المصرية تراجعت بصورة حادة خلال الفترة الماضية والقاهرة تقترب من خط الخطر".

واشنطن ليست قلقة على صحة مصر السياسة فقط، بل يبدو أن الأهم بالنسبة للولايات المتحدة اليوم هو وضع هذا البلد الاقتصادي الذي يتراجع. آخر وفد لصندوق النقد الدولي في القاهرة لم يصل إلى اتفاق حول قرض بقيمة ٤.٨ مليار دولار قد يفتح الباب لاستثمارات تصل إلى ١٦ مليار دولار، كما أن واشنطن قلقة من خطوات القاهرة البطيئة في التعامل مع مشكلتها الاقتصادية.

يختصر فهمي الوضع في بلاده بالقول إن "الشركات الكبيرة تحقق مكاسب قوية لكن المشكلة في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني" ومستوى الأمن في مصر اليوم "جديد علينا نحن المصريون، فلم نعتد أبدا على ما يجري"، ويضاف إلى كل ذلك"أزمة الطاقة التي تمر بها البلاد".

تشرف الغرفة التجارية الأميركية في مصر على أكثر من ألف شركة تعمل في هذا البلد، وهدفها تشجيع الاستثمار الخارجي وتقوية العلاقات بين البلدين. يجد فهمي والعديد من الذين يعملون معه صعوبة في التعامل من مستجدات الثورة المصرية التي أطاحت قبل أكثر من عامين نظام الرئيس حسني مبارك، حينما يتعلق الأمر بتحقيق أهداف الغرفة.

يقول السفير الأميركي السابق في كل من إسرائيل ومصر دانيل كرتزر “قبل الثورة المصرية كان أداء الاقتصاد المصري جيدا. ومصر اليوم مازالت تبحث عن هويتها واتجاهها في فترة ما بعد الثورة"، لكنه سرعان ما يستدرك "المجتمع المصري اليوم منقسم على نفسه. الإسلاميون منقسمون وفيهم السلفي والاخواني. الجيش ورموز النظام منقسمون رغم القشرة الخارجية التي تقول لنا إنهم متحدون. ليس هناك روابط قوية بين رموز المعارضة أيضا".

صورة قاتمة للاقتصاد المصري

تأتي الصورة القاتمة للاقتصاد المصري وسط محاولات أميركية حثيثة لتغيير إستراتيجية مساعدتها لمصر.

يقول السفير ويليام تايلور، المنسق الخاص لعمليات الانتقال الديمقراطي في الشرق الأوسط، إن واشنطن تعتزم إطلاق برنامج منح دراسية واسع النطاق في مصر ليقرب واشنطن من المصريين، فيما تقول كبيرة مستشاري الشؤون الاقتصادية في الخارجية الأميركية هايدي ريدكير إن هناك تركيزا من قبل واشنطن خلال الفترة المقبلة على المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مصر. لكنها لا تخفي تحفظات واشنطن على السياسة الاقتصادية المصرية “أنهم يدعمون الطاقة وهذا الدعم يكلف الخزينة نحو واحد ونصف بالمئة سنويا من مجمل الميزانية ولا يذهب هذا الدعم في النهاية إلى جيوب الفقراء”.

ووفقا للقاء أجراه "راديو سوا" مع مسؤولة الشرق الأوسط في البنك الدولي انغر اندرسون الأسبوع الماضي، فإن مصر والمؤسسات المالية الدولية تبحث عن كثب جميع التفاصيل المتعلقة بالقرض الذي يقترب من الخمسة مليارات دولار.

ويبدو واضحا في حديثها أن هناك اختلافا على موضوع الدعم الحكومي لعدة قطاعات في البلاد، وأبرزها قطاع الطاقة “نتوقع الوصول إلى اتفاق في صيف هذا العام لكن يجب ألا ننسى أن القرض ليس المساعدة الوحيدة التي يقدمها البنك أو صندوق النقد الدولي لمصر”.

هذا التغيير يثير المخاوف لدى بعض الساسة المصريين خشية أن يطال المساعدة السنوية التي تقدمها واشنطن للجيش المصري كجزء من اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. هشام فهمي من بين أولئك الذين يبدون قلقا في هذا الصدد، ويؤكد أن "مجتمع المال والأعمال في مصر يعتقد أن الجيش هو عماد الاستقرار محليا وإقليميا. أما الشرطة فيجري إعادة هيكلتها. واشنطن تفهم ذلك وعلينا أن نفصل الجيش عن الحكومة المصرية".

ويحاول الرئيس المصري محمد مرسي التقليل من أهمية القلق العالمي حول بلاده، فهذه ليست أول أزمة تمر بها حسب رأيه، كما أن مصر ليست البلد الوحيد في العالم الذي يمر بأزمة اقتصادية.

هذه الإشارات تفسر هنا في واشنطن على نحو مختلف، يقول دانيال كرتزر "الساسة المصريون يعتقدون أن مصر دولة كبيرة وليس من مصلحة أي دولة في العالم أن تسقط مصر ضحية لازمتها الاقتصادية"

ويضيف "لا يدرك هؤلاء الساسة أن مصر اليوم بحاجة إلى إرادة سياسية موحدة لحل الأزمة".

ويستدرك هشام فهمي قائلا "الوضع ليس قاتما إلى هذا الحد، فلدينا موقع مصر الاستراتيجي، ولدينا مستثمرون يجدون الوقت مناسبا لاستثمار ضعف مصر لصالحهم، كذلك لدينا الكثير من الناس الذين يقولون لنذهب إلى مصر ونرى". وهنا نقطة أخرى يضيفها كرتزر "مصر لديها تجربة تاريخية مالية مع المؤسسات الدولية. يجب أن تدرسها وترى أين فشلت وأين نجحت وتبني على ذلك. هذا الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية وهي غير موجودة الآن".

"مصر على أبواب ثورة اجتماعية كبرى"، يقول كرتزر وسط دهشة المستمعين "هناك مصريون لا يعرفون من أين ستأتي وجبتهم الغذائية القادمة.. لهذا ينبغي أن نقلق".
XS
SM
MD
LG